الأحد، 9 أكتوبر، 2016

قيمة الجليل


قيمة الجليل
2 – الجليل:
       لقد استعملت الدراسات الجمالية مضمون الجليل، في مجال القيم الجمالية، في القرن الثامن عشر. وأصبح بذلك الجليل "كل شيء يرفعنا، ويجعلنا نحس هذه الرفعة.."[1]، ذلك أن السمو في تجربة الجلال يختلف عنه في تجربة الجمال، ففي الأولى نخرج من مضمون الموضوع المدرك بفعل الانفعالات والأحاسيس، والخوف، والرعب..، وحالة الااستقرار النفسي، التي تصاحبنا، وفي الثانية لا يمكننا الخروج والتسامي فوق الموضوع الجمالي، لأن أسس هذه التجربة لا ترقى لأن تفعل ما هو موجود في التجربة الأولى.
       وبهذا المنطلق، أقر "إدموند بيرك" Edmond Birke، ".. أن علة الجمال الفاعلة هي، .. شعور باللذة الإيجابية، يتولد منها الحب الذي يرافق استرخاء عضلاتنا وأعصابنا، بينما يرتبط الجلال على العكس بالتوتر العضلي والعصبي، وهو تلبية لدعوة شعور خير بالألم، يتعلق بالفراغ، بالمخيف، بالغياهب، بالإنفراد، بالصمت "[2].
       هذا، ويبرز لنا من خلال هذا الرأي، أن فهم الجليل ينبغي أن يستند إلى الحالة النفسية   (التوتر العضلي، والعصبي، والخوف، والألم) التي ترافقنا، إلا أننا قد لا نخضع لشروط هاته الحالة، إن أخذنا طبيعة الثقافة والسياق الاجتماعي، وكيفية معايشة تجربة الجلال، فمن يعش هذه التجربة ليس كمن يشاهدها أو يسمعها.
       وبانتقالنا إلى "كانط" نجده قد "قدم أول نظرية فلسفية كاملة حول الجلال.."[3]، طرح من خلالها الفرق بين الجمال والجلال، كما يلي:
أ – "إذا كان الجميل يهتم بالشكل، فهو لا محالة موجود في موضوع محدود، أما الجلال فمكمنه موضوع بلا شكل ولا محمود.."[4].
ب – ".. يثير الجميل قوانا الحيوية، ويقترن بلعب الخيال، أما الجليل فيثير فينا الشعور بتوقف هذه القوى، ثم يتبع ذلك انطلاقها، ونوع الارتياح أو السرور الذي نحس به نحو الجليل، وهو القداسة، أو الإعجاب "[5].
ج – ".. يوحي لنا الجمال الطبيعي، بنظام الطبيعة، بينما يوحي الجليل إلينا باضطرابها "[6].
فالجلال بهذا، - حسب ما يرى "كانط" –  ".. يقسرنا على أن نعقل بشكل ذاتي، الطبيعة نفسها في كليتها، لتقديم شيء فوق المحسوس، دون أن نتمكن من تحقيق هذا التقديم بشكل موضوعي"[7].
       ولقد سيطر تفسير الجلال لدى "كانط" على معظم التفسيرات التي قدمها الدارسون فيما بعد، إذ يرى "جورج سانتيانا"، أن الجلال يرتبط بالمطلق، فالحالة النفسية التي تنتابنا أمام منظر النجوم في كثرتها تقترب من الجليل، أكثر من اقترابها من الجميل، على عكس ذلك إن تمت مشاهدة نجم واحد، ".. فالنجم الواحد جميل رقيق ويمكننا أن نقارنه بأعذب الأشياء وأكثرها تواضعا ..."[8].
       وينتقل "سانتيانا" إلى المقارنة بين الجمال والجلال، فيرى أن الجمال ينتج عن طريق     ".. الوحدة الناتجة عن الجمع والشمول.. أما الوحدة عن طريق الاستبعاد والمعارضة، والعزل فهي التي تعطينا الجلال.. ولكلتيهما لذة بلا شك، ولكن لذة الجمال لذة دافئة سلبية عامة، بينما لذة الجلال لذة باردة حادة طاغية. واللذة الأولى توحد بيننا وبين العالم، على حين أن اللذة الثانية تسمو بنا على العالم..."[9].
       وفي تفسير حالتي الخوف والرعب اللتين تسيطران علينا، وتمييز الجليل عن غير الجليل، طرح "سانتيانا" تصورا يضبط به جوهر الجلال، كصفة جمالية في الأشياء، فيقول:     "إن الإيحاء بالرعب يجعلنا ننكمش في ذواتنا، ثم لا نلبث أن نشعر بأننا في أمان، أو أن لا شيء سيؤثر فينا فيولد هذا فينا حركة عكسية، فنشعر بالانفصال والتحرر، وهو الشعور الذي يتألف منه الجلال في الحقيقة "[10].
       فجوهر الجلال إذا، هو ذلك الانفصال الحاصل بين ذاتنا والموضوع الحامل لصفة الجلال*، وهذا يعد عملية انفعالية شعورية يوجهها الوعي، وغياب هذه العناصر يسقط – حسب سانتيانا – الصفة الجمالية عن الجليل، وتبقى حالتا الرعب والخوف، مجرد حالة عاطفية في الذات.
       وحين مقابلة الجلال مع القبح، ينفي "سانتيانا" صفة القبح عن الجليل، فيقول: ".. إن الجلال هو أقصى درجات الجمال التي يوجد فيها الجمال نشوة في النفس. إنه لذة التأمل حينما نصل إلى درجة من الحدة تبدأ عندها في فقدان موضوعيتها، حيث يتضح أنها كما هي في جوهرها دائما، عاطفة باطنة في الروح، فبينما نجد في الجمال كمال الحياة عن طريق نزولنا وانغماسنا في الموضوع تحديا كاملا.."[11].
       الحقيقة أن الجلال هنا، يرتكز على مبدأ اللذة الحسية، إلا أن "كانط" يعطي المزية الكبرى للعقل، الذي نتجاوز به المحسوس. وبهذا يبدو لنا الجلال أبسط وأيسر للفهم والإدراك أكثر من الجميل، بحكم أن الاختلاف قائم في إدراك الجميل، لكنه غير ذلك في إدراك الجليل. وبهذا، يرى "لالو" أن الجليل ".. لغز مطلوب حله من أعلى، بحل ينبغي أن يكون خارجا عنا وعن الكائنات الممثلة، بل خارجا عن الطبيعة ذاتها.."[12].
       وبهذا، فلا ينبغي للدارسين الجماليين أن يفصلوا بين بنية الجمالي، وبنية الجليل، ذلك أن لكل حد من هاتين القيمتين ارتباط بالآخر، إذ لا فهم ولا إدراك للجليل إلا بفهم وإدراك الجميل، داخل السياق الثقافي والحضاري الذي يحتضن هاتين القيمتين وغيرهما. ويمكن تقديم تعريف للجليل كالآتي: الجليل إحساس وشعور بوجود قوة عظمى تحكم الشيء المدرك.


[1]- La grande encyclopédie . op. cit. Tome 30. p.569 -
[2] - دني هويسمان. مرجع سبق ذكره، ص 52.
[3] - La grande encyclopédie. op. cit. Tome 30. p.569
[4]  - Ibid . p.568
[5] - إنصاف الربضي. مرجع سبق ذكره، ص 111، نقلا عن: أميرة حلمي مطر. فلسفة الجمال، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1984، ص 106.
[6]- المرجع نفسه، ص 111
[7]- هويسمان. مرجع سبق ذكره، ص 62
[8]- جورج سانتيانا. مرجع سبق ذكره، ص 129.
[9]- المرجع نفسه، ص 251 وما بعدها.
[10]- المرجع نفسه، ص 255.
* -  نذكر هنا عملية التطهير لدى أرسطو، ونظرية التقمص الوجداني.
[11]-  سانتيانا. مرجع سبق ذكره، ص 259.
[12]- لالو. مرجع سبق ذكره، ص 108 – بتصرف -

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق