الاثنين، 24 أكتوبر، 2016

الأنثروبولوجيا الثقافية

الأنثروبولوجيا الثقافية

خضعت أعمال الأنثروبولوجيا الثقافية الأميركية لعدة انتقادات منها ما هو مشروع في حد ذاته،  في المناقشة العلمية.لكن ما هو أقل مشروعية هو ذلك العرض الاختزالي الذي تعرض من خلاله لأنك تراه أحياناً عرضاً كاريكاتورياً في فرنسا لا سيما حيت تُعرض أطروحات الثقافويين  culturalistes .
وأكثر وجه من أوجه هذا العرض قابلية للجدل هو طابعه التعميمي.فيقدمون الثقافوية على أنها منظومة نظرية واحدة في الوقت الذي يكون فيه الأصح هو الحديث عن "ثقافويات". وهناك مجموعة من الانتقادات التي وجهت إلى الثقافوية دون أن تحدد أن  عدداً كبيراً منها قد صيغ أولاً من قبل ثقافويين ضد ثقافويين آخرين.وقد شهدت الأنثروبولوجيا الثقافية نقداً داخلياً واسعاً.لقد عُرضت المقترحات الثقافوية تدريجياً وصححت بعض المقترحات السابقة.وإذا نظرنا إلى أغلب الباحثين بشكل منفرد سنرى تطورات ملموسة لفكرهم طيلة ممارستهم لمهنتهم.
هناك الاتجاه الذاتي essentialiste  أو الجوهري الذي يقوم على فهم الثقافة باعتبارها واقعاً في حد ذاته-وهذا ما أُخذ على الثقافويين- هو نقد لا ينطبق بالفعل على كرويبر الذي كان يرى أن الثقافة ناتجة عن مجال "فوق عضوي" يحدد مستوى مستقلاً للواقع ويخضع لقوانين خاصة وبالتالي فهو يعزو إليه وجوداً خاصاً مستقلاً عن وجود الأفراد ويفلت من رقابتهم[كرويبر، 1917].واحتفظت بينديكت بشيء من مفاهيم الاتجاه الذاتي، إذ كانت تعتقد أن  الثقافة تتجه إلى هدف له علاقة بتوجه النمط الخاص بها دون علم الأفراد.لكن غالبية أنثروبولوجي مدرسة "الثقافة والشخصية" تحركوا في وجه المخاطر الناجمة عن إعادة تعريف الثقافة.وتؤكد مارغريت ميد بشكل واضح على أن الثقافة هي  شيء مجرد(لكن هذا لا يعني أنها وهم).ما هو موجود،  كما تقول،  هم الأفراد الذين يخلقون الثقافة وينقلونها ويغيرونها.الأنثروبولوجي لا يستطيع ملاحظة الثقافة على الأرض،  فما يلاحظه  ليس سوى تصرفات فردية.كل جهد الثقافويين القريبين من ميد انصب في نهاية الأمر على فهم الثقافات انطلاقاً من تصرفات الأفراد الذين "هم الثقافة" بحسب تعبير ميد.
ومن الاتهامات الموجهة إلى الثقافوية  ما يقول أنها قدمت مفهوماً سكونياً جامداً للثقافة.وسبق أن بيّنا أن هذا النقد لا يقوم على أساس صحيح.الثقافويون لا يؤمنون باستقرار الثقافويات ويهتمون بالتطورات الثقافية ويسعون إلى تفسيرها من خلال عملية الاختلافات  الفردية  في اكتساب الثقافة.والفرد الذي ينتج  حياة  نفسية خاصة به "يقوم بإعادة تفسير"ثقافته  على وجه الخصوص تبعاً  لتاريخه الشخصي.ومجموع التأويلات الفردية كلها مضافة إلى فعلها المتبادل هي التي من شأنها تطوير الثقافة.وتشدد مارغريت ميد  كثيراً على  حقيقة أن الثقافة ليست "مُعطى" يتلقاها الفرد بشكل كليّ دفعة واحدة من خلال التربية .ولا تنتقل الثقافة كالمورّثات (الجينات).لكن الفرد يمتلك ثقافته تدريجيا خلال حياته وفي كل الأحوال، فهو لا يستطيع اكتساب ثقافة المجموعة التي ينتمي إليها  كلها أبداً.
إن النقاش الأكثر جوهرية حول الأنثروبولوجيا الثقافية هو ذلك الذي يتعلق بالمقاربة النسبية للثقافات ويشدد على تعدديتها  أكثر من تشديده على وحدتها.وترى هذه المقاربة أن الثقافات تُعامَل على أنها كليّات نوعية بعضها مستقل عن البعض الآخر، وبالتالي ينبغي على الثقافة أن تُدرس لذاتها وضمن منطقها الخاص بها.والمسألة كلها تكمن في معرفة ما إذا كانت هذه النسبية الثقافية تشكل ضرورة منهجية أم هي مفهوم نظري.الأنثروبولوجيون الثقافويون يكتنفهم الغموض أحياناً حول هذه المسألة.فقد كانت النسبية في بدايتها مع بواس عبارة عن رد فعل منهجي ضد التطورية.وهذا لا يعني الزعم بأن الثقافات المختلفة هي بالقطع غير قابلة للمقارنة مع بعضها بعض.لكن لا يمكن إجراء هذه المقارنة إلا بعد القيام بدراسة كل ثقافة لذاتها بشكل كامل. لا ريب أننا واهمون إذ نعتقد بقدرتنا على مماهاة ثقافة  خاصة بسهولة مع ثقافة أخرى وتفصيل حدودها وتحليل الكيفية التي لا تُختزل فيها ثقافة إلى أخرى..وكذا الأمر على المستوى المنهجي، إذ من المفيد أحياناً بل من الضروري أن نتصرف "كما لو" أن ثقافة خاصة كانت توجد  كماهية  منفصلة  وتتمتع باستقلالية حقيقية حتى لو لم تكن تلك الاستقلالية، في الواقع، إلا استقلالية نسبية إزاء الثقافات الأخرى المجاورة.
لا شك في أن الثقافويين لم ينجحوا في تحديد طبيعة "الثقافة"  بشكل نهائي كما يقول كرويبر[1952] .ويبقى النقاش مفتوحاً.وهو نقاش لم تتوقف الأنثروبولوجيا الثقافية الأميركية عن المشاركة فيه واستمرت في متابعة أبحاثها بشكل يغلب الابتكار عليه.ودروس الثقافوية أو الثقافويات غنية بالتعاليم.ولم يعد اليوم ممكناً تجاهل وجود أشكال أخرى للعيش والتفكير وأنها ليست تجليّات أساليب قديمة من أي نوع،  كما أنها ليست تجليات أي نوع من أنواع "الوحشية" أو "البربرية".ونحن ندين لتلك الدروس في أنها وضحت التجانس النسبي بين المنظومات الثقافية كلها.وكل منظومة هي تعبير خاص وأصيل لكل المنظومات الأخرى، عن إنسانية واحدة.
ساهم الباحثون الثقافويون كثيراً في جلاء الغموض  القائم بين ما ينشأ عن الطبيعة(عند البشر) وعن الثقافة وكانوا شديدي الانتباه إلى ظواهر خلط الثقافة بالمعنى الحقيقي للعبارة، مبينين أن الجسد نفسه من صنع الطبيعة.ويفسرون هذا بقولهم إن الثقافة "تفسر" الطبيعة وتقوم بتغييرها.حتى الوظائف الحيوية للإنسان  كالأكل والنوم والجماع والوضع "تمليها" الطبيعة، بالإضافة إلى التغوّط  والتبوّل والمشي والركض والسباحة  الخ. إن  هذه الممارسات التي هي من شأن الجسد تبدو طبيعية بما لا يقبل الشك، وهذا ما برهن عليه مارسيل ماوس عام 1936 في دراسته حول "تقنيات الجسد" حيث يقول:" إن المرء يختلف في طريقة جلوسه ونومه ومشيه من ثقافة لأخرى.ولا يمكننا ملاحظة الطبيعة عند الإنسان إلا بعد أن تقوم الثقافة بتغييرها.
وندين لمدرسة"الثقافة والشخصية" لتوضيحها أهمية التربية في عملية التميّز الثقافي.فالتربية ضرورية للإنسان وحاسمة بالنسبة له لأن الكائن البشري لا يملك عملياً، أي برنامج وراثي يوجه سلوكه.والبيولوجيون أنفسهم يقولون إن  البرنامج "الوراثي" الوحيد للإنسان  هو برنامج التقليد والتعلّم، وبالتالي فإن الفروق الثقافية بين الجماعات البشرية تُفسّر في جزء كبير منها بالمنظومات المختلفة للتربية  التي تتضمن مناهج تربية  élevageالرضّع (الرضاعة، العناية بالجسد، طريقة النوم،  الفطام، الخ) تختلف بشدة من جماعة لأخرى.
وجهد ثلاثة باحثين أمريكيين في تفسير وجود طقوس اليافعين في فترة بلوغهم سن الرشد في بعض المجتمعات وغيابها في مجتمعات أخرى.وظنّ هؤلاء الباحثون أنهم قادرون على إقامة علاقة بين الارتباط الوثيق بالأم في فترة الطفولة المبكرة وبين شرعنة هذه الطقوس.فهناك حيث  تنظيم النوم يتطلب أن ينام الطفل والأم معاً واستبعاد الأب لعدة أشهر وربما لعدة سنوات عن المخدع  الزوجي، فإن طقوس الإدخال، وهي ذروة التأهيل التربوي، تتسم بصرامة خاصة.في هذه الحالة يتم كل شيء كما لو أن الآباء، في فترة نضوج أبنائهم النفسي، يقررون إبعادهم عن تأثير الأم وتأكيد سلطتهم عليهم للحيلولة دون قيامهم بأي تمرد ويقومون بدمجهم في عالم الذكورة[وايتنغ، كلوكهون، أنتوني 1958].
هناك عدد كبير من الباحثين اللاحقين لم يرغبوا في الانتماء إلى الاتجاه الثقافوي ولايمكن حسابهم عليه، هؤلاء استفادوا من أعمال الأنثروبولوجيين الأمريكيين  في مجال التربية.وبينت جاكلين رابان أن تربية الطفل الصغير وولف(السنغال) تفضل أخذ  العلاقة بالآخر بعين الاعتبار .وخلافاً لما نراه في المجتمعات الغربية المعاصرة، فإن تربية وولف تجهد في  تجنب تمييز (فردنة) singularisation  الطفل من أجل تشجيع اندماجه الاجتماعي.لذا لانقدم  المديح للأطفال ولا إلى الأهل بشأن أطفالهم أو لا تقوم بها إلا بشكل مدروس.بالنسبة لجماعة وولف يمكن للمدح أن يكون شؤماً لأنه يشجع على تخصيص الطفل وبالتالي على تهميشه.والعلامات الوحيدة المقبولة بالنسبة للأطفال هي تلك التي تشير إلى  ما يمكن "تفسيره كعلامات اندماج اجتماعي على طريق التحقق في سلوكهم"[رايان، 1979، ص 141].إن علم تربية وولف  يقوم أساساً على تربية التواصل، وتعلم الاستخدام الاجتماعي  الشديد الترميز للكلام هو "تعلم قواعد العلاقات الاجتماعية[المرجع السابق، ص 142].وفي نهاية المطاف  فإن المكتسبات الاجتماعية أهم من المكتسبات التقنية التي تعلمها بشكل غير منهجي،  وأهم من التفتح "الشخصي"للطفل.
لقد اغتنى مفهوم الثقافة كثيراً بفضل الثقافويات المختلفة ولم تعد الثقافة تظهر كمجرد مجموعة من السمات المتفرقة بل كمجموع منظم من العناصر المترابطة فيما بينها وشكلها يساوي في أهميته  مضمونها إن لم يكن أكثر .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق