الأحد، 9 أكتوبر، 2016

القيم الجمالية الأساسية


القيم الجمالية الأساسية
1 – الجميل:
       لقد انشغل الفلاسفة منذ القدم بمقولة "الجميل"، فهذا "أفلاطون"Platon  يقدم نظرته إلى الجميل من خلال عالم المثل الذي يسمو على الواقع، فرأى أن الجمال في المثال مطلق، مرتبط بالخير، وأن الجمال في الأشياء نسبي، وهي جميلة في ذاتها، ففي "فيدون" يرى أفلاطون أنه " إذا كان هناك جمال آخر، خارج الجمال في ذاته، فليس جميلا، لأي داع آخر، غير مشاركته لذلك الجمال"[1]، وبالتالي " فالجميل هو إشعاع الحقيقة .."[2].
       وبهذا، فإن كانت نسبية الجمال في الأشياء محققة وواقعة، فإن زوال هذا الجمال ممكن في الحين، مما يؤكد درجة تفاوته وتواتره في الأشياء. وإذا كان الجمال في عالم المثل مطلقا، فما هو في حقيقته إلا صورة من صور الجمال المدركة في الواقع، ذاك أن كل محسوس ينتقل إلى المجرد في شكل صورة "محاكاة "، إلا ويترك أثره في الواقع – ولعل تركيز"أفلاطون"* على الجوانب المثالية جعل مفهومه للجمال يتجه نحو التجريد، إذ الجمال عنده "صفة لجميع الموجودات، في الكون والمجتمع، والجسد، والنفس، والدولة، والأخلاق، غير أن الجمال الحقيقي هو ما يصدر عن الحقيقة أو عالم المثل، لدى معاينتها "[3].
وبانتقالنا إلى أرسطو، نجده قد تحدث عن الجميل من خلال كتابه "فن الشعر" والجمال عنده، هو "..العلاقة بين النظام والعظمة.."[4]، فجمالية الشيء أو الموضوع إنما هي في انتظامه وتناسبه وانسجامه.
       رغم أن طروحات الفلاسفة الإغريق للموضوع كانت ميتافيزيقية – كما رأينا حين تحدثنا عن علم الجمال – إلا أنها اتخذت من الطبيعة ومن الانسجام الحاصل في الكون** مادة أساسية تحقق بها منظورا جماليا له خصائصه ومواصفاته، هذا المنظور الجمالي ذو المرجعية الطبيعية والكونية يتخذه "أرسطو" لدراسة الفن، فإذا كان "أفلاطون" قد أبعد الشعر والشعراء من "جمهوريته"، فإن "أرسطو" قد رد لهم الاعتبار بأن أعطى أهمية كبيرة للفن بصفة عامة، والشعر والمسرح بصفة خاصة.
       فوظيفة الفن عند "أرسطو" هي التطهير Katharis الذي يهدف إلى تخليص النفس البشرية– التي تتعرض لعملية التلقي الفني (الجمالي) – من الانفعالات والهياجانات السلبية*، ".. فالمأساة تتسم بوحدة الحدث وتكامله، ويقوم التناظر (كقيمة جمالية) فيه على التحول من تشديد الصراع المأساوي إلى حله ..[5]"**
       بعد هذا، نتناول مفهوم الجميل عند أفلوطين (205-270 م)، فنلاحظ أن له جذوره في النظرية الأفلاطونية، من حيث ارتباطها بالأخلاق والخير، فحينما يتساءل أفلوطين في الإلياذة: " كيف يمكن رؤية جمال النفس الخيرة؟ (ويجيب): عد إلى نفسك وانظر، فإذا لم تر الجمال فيك فاصنع ما يصنعه المثال بتمثال ينبغي أن يكون جميلا، فهو يزيل جزءا ويكشط ويهذب ويجفف حتى يستخلص من الرخام خطوطا جميلة. فأزل مثله الزائد وعدل المنحرف، وأجل المعتم ليصبح وضيئا، ولا تكف عن نحت تمثالك حتى يستعلى نور الفضيلة الرباني، وحتى ترى الفضيلة مستقرة على العرش المقدس"[6].***
       إن حقيقة الجميل لدى أفلوطين، كامنة في درجة الاقتراب مما هو علوي ومطلق، ذاك أن الركون إلى المحسوسات لوحدها سيفقدها جوهر الجمال، ولهذا كان لزاما على روحنا أن تتدرب على عملية التلقي والتذوق الجماليين. وبذلك فالتركيز على بعض القيم الجمالية الأخرى المحمولة (كالتناسق، التناسب..) عبر قيمة الجميل، لا يكفي لأن تكون الأشياء جميلة، فالجوانب الروحية والأخلاقية، والخيرية، غير قابلة لأن تهبط من عالم "العرش المقدس" لأنها ذاتها عبارة عن جمال.
فلا قيمة جمالية لعالم المحسوسات، إن لم يشرق عليه نور الفضيلة الرباني، وبهذا تتحقق النزعة الصوفية الجمالية لدى أفلوطين.
       وإذا انتقلنا إلى العصور الوسطى، نجد أن النزعة الدينية هي المسيطرة والغالبة على الأفكار الجمالية لفلاسفة ذلك العصر، فقد صرح القديس أوغسطينSaint- Augustin        (354-430 م) في كتابه "الاعتراف": "أن الله هو الفنان العظيم الذي يعطي الشكل والجمال والنظام لكل شيء، بحسب قوانينه الخاصة، إن الله حقيقة كل جمال بل هو أعظمه[7] ".
       يرتكز هذا الطرح لفكرة الجمال على المرجعية الدينية (المسيحية)، في تفسير وفهم مصدر الجميل. وقد يكون أساس هذه النظرة الدينية راجع إلى الأفلاطونية – الأرسطية، من حيث أخذها بالوحدة، والانسجام، والنظام مع العظمة، وراجع أيضا إلى الأفلاطونية من حيث أخذها بالنظرة الصوفية الآخروية.
والجمال عند هذا الفيلسوف هو ".. الحقيقة المطلقة .."[8] وهو الوحدة، وجمال الجسم في توافق الأجزاء مع جمال اللون.. وتسمى الصورة جميلة إذا كانت مطابقة تماما لذلك الشيء الذي هي صورة مساوية له[9] "* .
       أما القديس توماس الأكوينيThomas Aquaini  (1225-1274) فقد قدم نظرة مختلفة للجميل حينما أقر أن هناك ثلاثة أشياء يجب أن تتوافر في هذا الجميل هي: ".. الكمال، التناسب التام، والوضوح"[10].
       وبانتقالنا إلى عصر النهضة، نجد أن هناك بعض المحاولات لتفسير الجميل، تفسيرا يختلف عن العصور السابقة، ".. ونستطيع أن نلمس بعض الأفكار التي ظهرت في ذلك العصر في (محاورات الحب) 1535 "لليو" الأسباني، .. وفيها يذهب إلى أن كل ما هو جميل، فهو خير، ولكن ليس كل ما هو خيرا جميلا، والجمال هو الذي يحرك الروح ويدفعها إلى الحب"[11]، وإن انتقلنا إلى "إدموند بيرك" Edmond Burke الإنجليزي (1729 – 1797) فنجده ".. قد أخرج الجماليات من الميتافيزيقا إلى علم النفس.."[12]، وذلك في مؤلفه (بحث فلسفي في أصل أفكارنا عن الجميل والجليل)، سنة 1757**، فدرس أحاسيسنا، ومدركاتنا، "وينشأ الجميل عنده من الغريزة الاجتماعية، والجلال من غريزة البقاء .."[13].
       ويتصف الجميل عند "بيرك" ".. بالنظام، والضآلة والرقة، والتنوع المفرح، واختفاء القوة، والتدرج بين الأجزاء، ونعومة المظهر، ووضوح اللون براقا، دون أن يكون خاطفا.. والصوت الناعم الرقيق جميل، والانتقال في الأشياء الجميلة يكون هادئا بعيدا عن المفاجآت، ويجلب الحب، ويبعث على السرور والرضا، والفرح والهناء"[14]، وينفذ "بيرك" إلى عمق القيمة الجمالية، حين يصف الذوق الجمالي بأنه "شعور باللذة الإيجابية، يتولد منه الحب الذي يرافق استرخاء عضلاتنا وأعصابنا "[15].
       إن محاولة "بيرك" إخراج الجمال من الميتافيزيقا، إلى الواقع المحسوس – بتأسيسه لبعض التصورات والأفكار حول الذوق – قد أوقعته في تعميم خصائص النفس البشرية على كل من يلقى الواقعة الجمالية.
       وبانتقالنا إلى كانط Kant في ألمانيا، نجد نظرية جمالية متميزة عما كان يطرح من أفكار جمالية، ذgك أن "كانط" درس الجميل في علاقته مع ملكتي الذوق والرغبة، وصرح أن: "الذوق هو ملكة الحكم على الجميل"[16]، ولقد كان "لبومغارتن" و"بيرك"، وغيرهما من دارسي الجمال الفضل في وضع أرضية نظرية ينطلق منها "كانط "[17].
ولقد أورد "أرموند نيفال" في كتابه "النظريات الجمالية في ألمانيا من "بومغارتن" إلى "كانط"، أن "كانط" قد قدم أهم كتاب من كتبه الثلاثة حول علم الجمال سنة 1790، وهو كتاب "نقد الحكم"la critique du jugement ".. حيث تجمعت فيه الأفكار الجمالية لذلك القرن، بطريقة منسجمة كاملة .."[18]،


[1] - دني هويسمان. مرجع سبق ذكره. ص 29.
2 - Etienne Sauriau . Catégories esthétiques. op .cit. p .10.

* -  في محاورة " هيبياس " Hippias  يجري أفلاطون حواره كما يلي :
- سقراط: أفي الحجر الجميل جمال كذلك؟
- هيبياس: إذا كان في مكانه الصحيح وجب أن نوافق على ذلك.
- سقراط: وإذا سألنا السائل عما إذا كان قبيحا عندما يكون في غير مكانه، أأوافقه أم لا؟
- هيبياس: يجب أن توافقه.
- سقراط: عندئذ سيقول: "أبلغت بك حكمتك إلى تقرير أن العاج والذهب يجعلان للأشياء منظرا جميلا عندما يكونان مناسبين للغرض وإلا فهي قبيحة". أنظر: عز الدين إسماعيل، الأسس الجمالية..، مرجع سبق ذكره، نقلا عن :
- Carritt . E.F  .philosophies of beauty . (Oxford Clarendon press, 1931) p.p 6-7
[3]- نايف بلوز. مرجع سبق ذكره، ص 10.
[4] - Etienne Sauriau . Catégories esthétiques. op. cit. p 10                                                      
**-  يرى أفلاطون، أن ".. العالم آية فنية رائعة الجمال، دقيقة النظام، مترابطة الأجزاء، على تناسق وانسجام تامين .." أنظر: عبده الشمالي. دراسات في تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية وآثار رجالها. ط 4، بيروت: دار صادر، 1965، ص 24.
* - خلال عملية تعرض الجمهور لمضمون بعض البرامج التلفزيونية ( الترفيه والفكاهة ) يحدث لدى هذا الجمهور نوع من الاسترخاء ، والتنفيس، خاصة إذا حدث نوع من التوافق بين الجمهور وما يبثه التلفزيون، وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة تقارب مضمون التلفزيون من المنظومة القيمية للجمهور.
[5] - نايف بلوز. مرجع سبق ذكره، ص 11.
** - استفادت كل من القصة والرواية من هذا الطرح الأرسطي لتدرج أحداث المأساة، كما استفاد السيناريو أيضا من هذا الطرح.
[6] - عز الدين إسماعيل. الأسس الجمالية..، مرجع سبق ذكره، ص 40، عن :
Charles Bernard. Esthétique et critique. Paris: Edition formes,1946, p. 23.
*** - كأن أفلوطين يؤسس هنا لما يسمى "التجميل" أو "التزيين" "الماكياج".
 - إنصاف جميل الربضي. مرجع سبق ذكره، ص 50.[7]
[8]- Etienne Sauriau . Catégories .. op. cit . P .10.
[9]- عز الدين إسماعيل. الأسس الجمالية .. مرجع سبق ذكره، ص 45، عن:
Croce (B) . Aesthetic, 2 nd inpot . 2 nd ed ,vision oress and Pater owen  1953 . p 175
* - كانت أهدافه تكييف مضمون الأرسطية مع الدين المسيحي.
- [10] عز الدين إسماعيل. الأسس الجمالية .. مرجع سبق ذكره، ص 47
[11] - المرجع نفسه، ص 49.
[12] - La grande encyclopédie des sciences des lettres et des arts. Paris: Société anonyme de la  grande encyclopédie. 61 rue de Renne .Tome 16 . p.406.                                                      
** - هناك من الدارسين من استعمل تاريخ 1756، لصدور كتاب بيرك، إلا أننا رجحنا هذا التاريخ لوروده في الموسوعة السابقة الذكر.
[13] - دني هويسمان. مرجع سبق ذكره. ص 52
[14]- إنصاف جميل الربضي. مرجع سبق ذكره، ص 77 وما بعدها.
   - [15]دني هويسمان. مرجع سبق ذكره، ص 52.
[16] -Kant . op.cit.p.49
- [17] للتوسع أنظر: La Grande encycopédie. Op.cit. p.p.405-406
[18]- Armand Nivelle .op.cit. p. 12  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق