الاثنين، 24 أكتوبر، 2016

التاريخ الثقافي

انتصار مفهوم الثقافة



على الرغم من أن الظروف قد ساعدت مفهوم الثقافة أو فكرتها على فرض نفسها،  إلا أن البحث في عمل الثقافة بشكل عام أو الثقافات على وجه الخصوص،   لم يتطور بشكل كبير في كل البلاد التي بدأت فيها الإتنولوجيا بالانطلاق.وحظي هذا المفهوم بأحسن استقبال  في الولايات المتحدة وفي كنف الأنثروبولوجيا  الأمريكية الشمالية  وجد أفضل تعميق نظري له.في هذا السياق العلمي الخاص كان البحث في مسألة الثقافات تراكمياً  ولم يشهد بعدها أي تراجع.وهذا الأمر كان حقيقياً لدرجة أن الكلام"عن أنثروبولوجيا ثقافية"  هو الكلام نفسه من الناحية العملية.وقد بلغ التكريس العلمي ل"الثقافة" في الولايات المتحدة لدرجة اعتماد المصطلح بسرعة،  بمعناه الأنثروبولوجي،  من قبل العلوم المجاورة كعلم النفس وعلم الاجتماع على وجه الخصوص.

أسباب النجاح

البحث العلمي ليس مستقلاً تماماً عن السياق الذي أنتجه.ويعد السياق الوطني الأمريكي سياقاً نوعياً  إذا ما قيس بالسياقات الوطنية الأوربية.والولايات المتحدة تقدم نفسها دائماً على أنها بلد يضم المهاجرين من مختلف الأصول الثقافية.وبالتالي فإن الهجرة في الولايات المتحدة تؤسس وتسبق الأمة التي ترى نفسها كأمة متعددة الأعراق.
الأسطورة الوطنية الأمريكية القائلة بأن شرعية المواطنة ترتبط تقريباً بالهجرة- الأميركي هو مهاجر أو ابن مهاجر- هي أساس الاندماج الوطني المثالي  الذي يقبل بتأهيل الجماعات العرقية الخاصة.وغالباً ما ينسجم انتماء الفرد إلى الأمة مع المساهمة المُعترف بها مع جماعة معينة.لذا فإن بعضهم يصف هوية الأميركان بأنها "صلة وصل"،  إذ،  في الواقع يمكنك أن تكون "إيطالياً أميركياً" و"بولونياً أميركياً" و"يهودياً أميركياً" الخ.وقد نتج عن هذا  الأمر ما يمكن تسميته ب "الفيدرالية الثقافية [ شينابر 1974]،  التي  تسمح باستمرارية معينة لا تخلو من التغيرات بسبب الوسط الجديد والثقافات وأصول المهاجرين.ومع هذا تجدر الإشارة إلى أن الأسطورة الأميركية تقود إلى اعتبار الهنود الذين لا ينطبق عليهم تعريف المهاجرين،  والسود الذين كان تهجيرهم قسرياً، غير أمريكيين تماماً.
وللأسباب التاريخية نفسها فإن علم الاجتماع الأميركي الناشئ يفضل البحث في ظاهرتي الهجرة والعلاقات البيعرقية.وعلماء الاجتماع في جامعة شيكاغو، وهي أول مركز لتعليم علم الاجتماع ونشره في الولايات المتحدة، يضعون مسألة الأجانب في المدينة في صلب تحليلاتهم، مساهمين في هذا بتطوير مجال أساسي بالنسبة للمجتمعات الحديثة،  وهو مجال لم يتطور في فرنسا ولم يحظ بالاعتراف إلا في وقت متأخر.أي في السبعينات .وذلك لأن فرنسا، خلافاً للولايات المتحدة لا تعتبر نفسها بلد هجرة، مع أنها كذلك بشكل كبير وبنيوي منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر.إن التمثل الواحدي للأمة مضافاً إلى تمجيد الحضارة الفرنسية المعتبرة نموذجاً عالمياً، يفسر جزئياً أسباب ضعف تطور التفكير الذي استمر طويلا حول التنوع الثقافي للعلوم الاجتماعية في فرنسا. أما السياق الخاص بالولايات المتحدة الأمريكية فقد فضّل طرح تساؤل منهجي حول التباينات الثقافية واحتكاك الثقافات.
طالما وُصفت الأنثروبولوجيا الأميركية ب"الثقافوية"  culturaliste  وهو مصطلح ينطوي على إيحاء تحقيري.إذا أخذنا المصطلح بصيغة المفرد فإنه يبدو تقليصياً:والحقيقة أنه لا يوجد ثقافوية أمريكية بل ثقافويّات  تمثل، إذا لم تكن إحداها مرتبطة بالباقيات، مقاربات نظرية متباينة  ويمكن جمع هذه الثقافويات في تيارات ثلاثة كبرى : الأول هو التيار الذي ورث تعاليم بواس بشكل مباشر، وينظر إلى الثقافة من زاوية التاريخ الثقافي.والثاني يهتم بتوضيح العلاقات القائمة بين الثقافة (الجماعية) والشخصية (الفردية).أما التيار الثالث فيعدّ الثقافة منظومة اتصالات بين الأفراد.

التاريخ الثقافي:إرث بواس

من بين الطرق التي فتحها بواس نشير إلى البحث في البعد التاريخي للظواهر الثقافية التي سيتمسك بها خلفاؤه المباشرون على وجه الخصوص.وهؤلاء، لاسيما ألفرد كروبر وكلارك فيسلر، سيجهدون في توضيح عملية توزع العناصر الثقافية في المكان. فأخذوا عن الاتنولوجيين"الانتشاريين" الألمان في بداية القرن، مجموعة من الأدوات المفهومية التي حاولوا تهذيبها، لا سيما مفهوم "المجال الثقافي" aire culturelle  ومفهوم السمة الثقافية  trait culturel  الذي يقع على عاتقه، بشكل خاص، السماح بتعريف أصغر مكونات ثقافة معينة، وهو تمرين يبدو في ظاهره بسيطاً لكنه في الحقيقة تمرين صعب بل وهمي طالما أنه ليس من السهل عزل عنصر عن مجموع ثقافي لا سيما في المجال الرمزي،  فكيف إذاً والحال هذه يمكن تحليله!.تقوم الفكرة على دراسة التوزع الفضائي لسمة ثقافية أو أكثر في ثقافات قريبة من بعضها وتحليل عملية انتشارها.وفي الحالة التي يكون فيها تلاق كبير بين السمات الثقافية المتشابهة، يمكن الكلام على"مجال ثقافي"وفي مركز المجال الثقافي تقع الخصائص الأساسية لثقافة معينة:وعلى محيطها تتقاطع هذه الخصائص مع السمات الناشئة عن مجالات مجاورة.
كما بيّن كرومر فإن مفهوم المجال الثقافي "يعمل" جيداً في حالة الثقافات القديمة لأمريكا الشمالية، لأن المجالات الثقافية والزراعية تتلاقى هنا تقريباً.لكن في كثير من مناطق العالم نرى أن طابعها فاعل وقابل للنقاش، لأن الحدود أقل وضوحاً ولا يمكن تعريف المجالات الثقافية إلا بشكل تقريبي وانطلاقاً من عدد ضئيل من السمات المشتركة.ومع  ذلك، إذا استخدم هذا المفهوم بشكل مرن فإننا نرى أنه لا يخلو تماماً من الفائدة الوضعية [كروبر، 1952].
لقد قسونا في بعض الأحيان على التخطيطات النظرية والمفهومية للأنثروبولوجيين الذين يركزون تفكيرهم على الظواهر المسماة ب"الانتشارية" لأن الانتشار هو نتيجة التماس أو الاحتكاك بين مختلف الثقافات وبين حركة السمات الثقافية.وإذا صحّ أن بعض إعادات البناء التاريخية خاضعة للصدفة أو   غير معقولة فمردّ ذلك إلى بعض الباحثين من دعاة الانتشار الواسع hyperdiffusionistes  من الأوربيين وليس الأمريكيين.وأغلب أتباع بواس الذين تأهلوا على دقّته المنهجية التجريبية كانوا حذرين في تأويلاتهم.
بالإضافة إلى التراكم المذهل للملاحظات التجريبية التي ندين بها لبواس هناك  المساهمات النظرية لتيار الأنثروبولوجيا الأمريكية هذا الساعي  لفهم تشكل الثقافات، وهي مساهمات ليست قليلة أبداً.كما ندين لهذا التيار بالمفهوم الأساسي ل"النموذج الثقافي" cultural pattern  الذي يدل على المجموع المتكون للآليات التي تتكيف الثقافة مع وسطها (بيئتها)وقد أخذت مدرسة "الثقافة والشخصية" هذا المفهوم من أجل تعميقه. أدى تركيز بواس وأتباعه أبحاثهم على ظواهر الاحتكاك الثقافي وبالتالي على الاقتراض،  إلى فتح الطريق أمام الأبحاث المستقبلية على المثاقفة والتبادلات الثقافية.وكشفت أبحاثهم عن أن أشكال الاقتراض ترتبط بالمجموعة المُعطية والمجموعة المتلقية في الوقت نفسه.كما صاغ أولئك الكتاب فرضية، سيتم التنظير لها لاحقاً، تقول بعدم وجود اختلاف أساسي بين الاقتراض والإبداع،  على اعتبار أن الإبداع غالباً ما يكون  تغييراً، أي إعادة خلق العنصر المُقتَرَض  لوجوب تكيفه مع النموذج الثقافي للثقافة المستقبلية.

مالينوفسكي والتحليل الوظيفي للثقافة:

مثلما أدت تنظيرات الاتجاه التطوري إلى رد فعل بواس التجريبي، فقد أثارت المبالغات التأويلية لبعض دعاة الانتشارية رد فعل برونيسلاف مالينوفسكي (1884-1942) وهو الأنثروبولوجي الإنكليزي الذي ولد نمساوياً من عائلة بولونية.وقد وقف ضد أية محاولة لتدوين تاريخ الثقافة الشفوية، وطالب بالاكتفاء بملاحظة الثقافات مباشرة في حالتها الراهنة دون السعي إلى تتبع أصولها، الأمر الذي يمثل مسعى مؤقتاً  لأنه لا يستند إلى البرهان العلمي.
ومن جانب آخر، انتقد مالينوفسكي تشظية الواقع الثقافي الذي تؤدي إليه بعض أبحاث التيار الانتشاري المتميز بمقاربة  متحفية  muséographie للوقائع الثقافية المردودة إلى سمات نجمعها ونصفها لذاتها دون أن نكون دائماً قادرين على فهم مكانتها في المنظومة الشاملة.ليس المهم أن تكون هذه السمة أو تلك موجودة هنا أو هناك بل المهم هو قيامها بوظيفة محددة في كلِّ ثقافي معين.ويستبعد دراسة تلك السمات منفصلة عن بعضها  لأن كل ثقافة تشكل منظومة ترتبط عناصرها مع بعضها بعض:
"[في كل ثقافة] يقوم كل من العرف والشيء والفكرة والمعتقد بوظيفة حيوية معينة، وتضطلع بمهمة معينة وتمثل جزءاً لا يمكن استبداله في الكل العضوي"[1944].
علينا تحليل الثقافة من منظور تزامني انطلاقاً من تحليل معطياتها المعاصرة.وفي مقابل الانتشارية التي تهتم بالماضي والتطورية التي تهتم بالمستقبل، اقترح مالينوفسكي الوظيفية التي تركز على الحاضر، وهو الفسحة الزمنية الوحيدة التي يمكن للأنثروبولوجي من خلالها دراسة المجتمعات البشرية بشكل موضوعي.وبما أن كل ثقافة تشكل كلاَ متجانساَ، وأن كل عناصر منظومة ثقافية تنسجم مع بعضها بعض فإن هذا يجعل المنظومة متوازنة ووظيفية، وهو ما يفسر  كون الثقافة تسعى للاحتفاظ بانسجامها مع نفسها.ومالينوفسكي يقلل من أهمية اتجاهات التغير الداخلي الخاص بكل ثقافة.ويعتبر أن التغير الثقافي ينشأ أساساَ عن الخارج بفضل الاحتكاك الثقافي.
ولتفسير الطابع الوظيفي للثقافات المختلفة يضع مالينوفسكي نظرية ستثير الكثير من الجدل، وهي النظرية المسماة بنظرية "الحاجات" أساساَ لنظرية علمية للثقافة.(عنوان أحد كتبه المنشورة عام 1944).و يرى أن من شأن العناصر المكونة لثقافة ما،  تلبية الحاجات الأساسية للإنسان.ويقترض نموذجه من علوم الطبيعة،  ويذكر بأن البشر يشكلون نوعاً حيوانياً. لأن الإنسان يعيش عدداً من الحاجات الفيزيولوجية (الغذاء،  التناسل،  الحماية،  الخ..) التي تفرض مقتضيات أساسية.والثقافة هي تماماَ  الاستجابة الوظيفية لتلك المقتضيات الطبيعية.والثقافة تستجيب لها من خلال "المؤسسات"وهو المفهوم الذي يتبناه مالينوفسكي والذي يشير إلى الحلول الجماعية (المنظمة)للحاجات الفردية.والمؤسسات هي العناصر المادية للثقافة وهي الوحدات الأساسية لأية دراسة أنثروبولوجية أما السمات الثقافية فليست كذلك:إذ لا تتمتع أية سمة بأية دلالة إذا لم تعز إلى المؤسسة التي تنتمي إليها.ليس غرض الأنثروبولوجيا دراسة الوقائع الثقافية بشكل عشوائي معزول، بل دراسة المؤسسات( الاقتصادية، والسياسية والقانونية والتربوية ..)والعلاقات القائمة بين المؤسسات في علاقتها مع المنظومة الثقافية المندمجة فيها.
من نظرية الحاجات هذه التي تضع الأنثروبولوجيا في مأزق، نرى أن مالينوفسكي يخرج من إطار التفكير حول الثقافة  بمعناها الحقيقي لكي يعود إلى دراسة الطبيعة البشرية التي يجهد في تحديد حاجاتها بشكل عشوائي إلى حد ما، ويضع قائمة بالوقائع التي تعزز فكرته عن الاستقرار المنسجم  لأية ثقافة، وهنا تتضح حدود الوظيفية:كما يتبين شيئاً فشيئاً أنها غير قادرة على النظر في التناقضات الداخلية والخلل الوظيفي أي الظواهر الثقافية المَرَضيّة.
ومع ذلك فإن لمالينوفسكي  الفضل الكبير في بيان عجزنا عن دراسة الثقافة من الخارج أو عن بعد.ولم يكتف مالينوفسكي بالملاحظة المباشرة(الميدانية)إذ قام بتنظيم systématisé  استخدام المنهج الاتنوغرافي(وصف الأعراق) المسمى ب"الملاحظة المشارِكة" observation participante (وهو صاحب هذه العبارة) وهي الشكل الوحيد للتعمق في معرفة الغيرية الثقافية التي يمكنها الإفلات من المركزية العرقية ethnocentrisme .في استطلاع مكثف وطويل يتقاسم الاتنولوجي حياة (وجود) شعب يجهد في النفوذ إلى عقليته الخاصة به من خلال تعلم لغة أهل البلاد.ومن الملاحظة الدقيقة للوقائع الأكثر خلواً من الدلالة (ظاهرياً) وهذا يعني أن نفهم بشكل أساسي وجهة نظر ابن البلد الأصلي.وهذا المسعى الناشئ هو وحده القادر بالتدريج على إظهار العلاقات المتبادلة بين كل الوقائع التي تمت ملاحظتها وبالتالي تحديد ثقافة الجماعة المدروسة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق