الثلاثاء، 11 أكتوبر، 2016

توحيد الحكم القضائي، ومعالجة العقبات التي تقف في وجهه

توحيد الحكم القضائي، ومعالجة العقبات التي تقف في وجهه([1]):
إن توحيد الحكم القضائي، في الأمة ضروري، و نعني بتوحيد الحكم القضائي وحدة التقنين من الفقه، و ذلك بأن يختار في كل مسألة من مسائل المعاملات من بين الآراء الفقهية فيها-إذا كانت متعددة-ما هو أصلح أو أعدل أو أوجه دليلا أو أيسر تطبيقا، فتقننه السلطة المختصة حتى يكون هو وحده النافذ المعمول به في القضاء.
فهذا التدبير النظامي في أحكام المعاملات بغية توحيد الحكم القضائي فيها هو واجب في طريق إقامة النظام و تحقيق العدل، و لا يتنافى مع تعدد الآراء و المذاهب الفقهية مهما كثرت و اختلفت.
و ذلك كما حصل في وضع مجلة الحكام العدلية في أواخر عهد الدولة العثمانية، حيث اختير أحسن الآراء الفقهية المختلفة من المذهب الحنفي، و صيغت في مواد متسلسلة، و أصدرت سنة 1293هـ فكانت أول قانون مدني مستمد من الفقه الحنفي، و أصبح بها القضاة و المتقاضون جميعا في الدولة أمام حكم إلزامي واحد في كل مسألة من المسائل و القضايا التي تناولتها المجلة بالتقنين، مهما كانت الآراء في مصادرها الفقهية متعددة و مختلفة.
فلا يجوز أن يُترك القاضي لاجتهاده بين الآراء الفقهية المختلفة ليختار هو منها ما يقضي به، لأنَّ هذا الإطلاق يتنافى مع مبدأ علنية الشرائع الذي يوجب أن يكون الملكف في كل مجتمع نظامي ( دولة) على علم مسبق بمصير أعماله و تصرفاته في حكم النظام الذي سيقضي به القاضي له أو عليه، و إلا كان القضاء فوضى، و المكلف لا يعرف كيف يتصرف مطيعا للنظام، لأنه لا يستطيع أن يتنبأ مسبقا بموقف القضاء من تصرفاته مادام القاضي سيقضي باجتهاده هو واختياره، و ليس بحكم معلن معروف.
هذا، و إن اختيار بعض الآراء الفقهية في وقت ما لتقنينه و توحيد الحكم القضائي عليه لا يمنع تغير هذا الاختيار، واستبدال غيره به من الآراء الفقهية الأخرى كلما تبدلت الظروف و الحاجة، أو رؤي غيره أصلح منه.
و هكذا تتحقق للأمة مصلحتان: توحيد الحكم القضائي و هو أمر ضروري، و الاستفادة من جميع المذاهب الفقهية.
و هذا الأمر-أعني: تقنين الفقه و توحيد الحكم القضائي فيه من بين مختلف الآراء الفقهية- موضوع عميق و ذو ملابسات تعصبية، فبعض العلماء لا يقبلونه، و يريدون إطلاق الاجتهاد للقاضي في أحكامه دون مبالاة بمحاذير هذا الإطلاق، و منافاته لمبدأ علنية النظام و وقواعده، و مجال القول في هذا الشأن واسع، ويكتفى بهذه الإشارة.
والعوائق الأساسية الذي تحول دون توحيد الحكم القضائي هي:
الأول: هو التعصب المذهبي في بعض البلاد؛ الذي ساد فيها أحد المذاهب و حجب عنها مزايا المذاهب الأخرى، فصارت دراسة الفقه مذهبية لا مقارنة.
الأمر الثاني: اتجاه فريق من المسؤولين و المثقفين ذوي النفوذ في بلاد عربية أو إسلامية أخرى ممن عمل فيهم الغزو الفكري الأجنبي عمله، فجهلوا واحتقروا قيمة تراثهم الفقهي المنقطع النظير، و يريدون تقنينا أجنبيا، إذ يرون أن كل تقليد للغرب، أو استمداد من حضارته الأجنبية في المظهر أو في الجوهر الحضاري هو عنوان التقدمية، و هذا نتيجة بعدهم عن الإسلام علما و عاطفة و صبغة حضارية، و هذا السبب نسميه: الاستغراب.
ـ فأما السبب الأول ( التعصب المذهبي ) فهو بحمد الله في هذا العصر آخذ في الاضمحلال، إذ أصبح الانفتاح على المذاهب الفقهية جميعا من سمات الفقيه المعاصر النَّير، و محلا للتقدير.
ـ و أما السبب الثاني و هو الاستغراب فعلاجه أن يوضح للمسؤولين وسائر المستغربين قيمة تراثهم الفقهي و أصالته و سعته و سموه و دقته و امتيازه حتى يدركوا قيمته، و يتجهوا إليه، نتيجة لشعورهم بشخصيتهم الحضارية المستقلة، و يأنفوا من التبعية التي تذيبهم، و على علماء الإسلام و فقهائه أن يبرزوا لأعينهم صور هذا التراث الإسلامي الرائعة، بالأسلوب و الطريقة و اللغة التي يستطيعون فهمها.
 و هذا لشعور قد ظهرت بوادره- و الحمد لله- أيضا نتيجة للكوارث التي لحقت بالبلاد العربة و الإسلامية وأهلها من جراء تلك التبعية الحضارية للطامعين ذوي الأهداف الاستعمارية.



([1]) الأستاذ الدكتور مصطفى الزرقا http://www.ahlalhdeeth.cc/vb/showthread.php?t=127115.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق