الاثنين، 24 أكتوبر، 2016

الثقافة المهيمنة والثقافة الخاضعة

الثقافة المهيمنة والثقافة الخاضعة

القول بأنه حتى المجموعات الخاضعة اجتماعياً ليست مجردة من الموارد الثقافية الخاصة بها،  لاسيما من قدرتها على  إعادة تأويل الانتاجات الثقافية التي تفرض نفسها عليها إلى حد ما، لا يعني العودة إلى تأكيد أن المجموعات كلها متساوية وأن ثقافاتها متكافئة.
في فضاء اجتماعي معين، هناك دائماً تراتب ثقافي.ولم يخطئ كارل ماركس ولا ماكس ويبر حينما أكّدا على أن ثقافة الطبقة المهيمنة  تبقى كذلك باستمرار.وفي قولهما هذا، فهما لا يزعمان حتماً، أن ثقافة الطبقة المهيمنة تتمتع بنوع من التفوق الداخلي(الجوهري)أو حتى بقوة انتشار تكتسبها من "جوهرها" الخاص والذي يجعلها تسيطر "بشكل طبيعي"على الثقافات الأخرى.ويعتبر كل من ماركس وويبر أن القوة النسبية التي تتمتع بها الثقافات المختلفة في التنافس القائم بينها يرتبط مباشرة بالقوة الاجتماعية النسبية للجماعات البشرية التي تشكل حاملاً لها.والبحث عن ثقافة "مهيمنة" أو عن ثقافة"خاضعة"ليس إلا من باب المجاز.إذ ما نراه موجوداً في الواقع، هو عبارة عن جماعات اجتماعية بينها علاقات هيمنة وتبعية إزاء بعضها بعضا.
 من هذا المنظور، ليست الثقافة الخاضعة بالضرورة ثقافة مغتربة وتابعة تماماً.إنها ثقافة لم تستطع عبر تطورها، أخذ الثقافة المهيمنة(والعكس صحيح أيضاً وإن كان بدرجة أقل) بعين الاعتبار.لكنها تستطيع إلى حد ما، مقاومة الفرض الثقافي المهيمن.وعلاقات الهيمنة الثقافية، كما يفسرها كل من كلود غرينيون وجان كلود باسرون(1989) لا يمكن فهمها عن طريق تحليل علاقات الهيمنة الاجتماعية نفسه.لأن العلاقات القائمة بين الرموز لا تعمل وفقاً للمنطق نفسه القائم بين المجموعات أو الأفراد.فغالباً ما نلاحظ تغييرات بين آثار(أو الآثار المضادة) الهيمنة الثقافية وبين آثار الهيمنة الاجتماعية.فالثقافة المهيمنة لا تستطيع فرض نفسها أبداً على ثقافة خاضعة كما تفرض مجموعة نفسها على مجموعة أخرى أضعف منها.فالهيمنة الثقافية لا تكون أبداً شاملة ولا تتحقق بشكل نهائي، ولذلك فهي تترافق دائماً بعمل تلقيني لا تكون آثاره دائماً وحيدة الجانب.وتكون هذه الآثار أحياناً "آثاراً حضارية" مخالفة لتوقعات المهيمنين، لأن التعرض للهيمنة لا يعني دائماً القبول بها.
 وكما يوصي عالما الاجتماع السابقان، فإن الصرامة المنهجية تفرض دراسة ما تدين به الثقافات الخاضعة باعتبارها ثقافات مجموعات خاضعة، وبالتالي باعتبارها تبني أو تعيد بناء نفسها في وضع الهيمنة.لكن هذا لا يمنع دراستها أيضاً في حد ذاتها، أي باعتبارها منظومات تعمل وفق نوع من التجانس الخاص وإلا فلا داع للحديث عن ثقافة.

الثقافات الشعبية

إن تناول الحديث عن ثقافات الجماعات الخاضعة هو حتماً تعرض للنقاش الدائر حول مفهوم "الثقافة الشعبية".في فرنسا تأخر تدخل العلوم الاجتماعية نسبياً عن الدخول في هذا النقاش الذي أطلقه في البداية، أي في القرن التاسع عشر، المحللون الأدبيون لأنه كان آنذاك محصورا في النظر إلى الأدب المسمى ب "الشعبي" لا سيما أدب "البيع المتجول".فيما بعد وسّع دارسو الفلكلور منظور البحث وانصب اهتمامهم على التقاليد الفلاحية.ولم يتطرق الأنثروبولوجيون وعلماء الاجتماع لدراسة هذا المجال إلا منذ فترة قريبة.
لقد عانى مفهوم الثقافة الشعبية،  في بداياته، من بعض الغموض الدلالي نظرا لتعدد معاني حديه.فالمؤلفون الذين يلجؤون إلى هذه العبارة لا يعطون كلهم التعريف نفسه لكلمتي "ثقافة"و/أو "شعبية"، مما جعل النقاش بينهم أمراً صعباً.
ترى العلوم الاجتماعية أنه ينبغي تجنب أطروحتين وحيدتي الجانب ومتعارضتين تماماً.الأطروحة الأولى،  التي يمكن وصفها بالتبسيطية، لا تعترف بأن الثقافة الشعبية تنطوي على ديناميكية أو قدرة إبداعية خاصة بها.وهي لا ترى فيها سوى مشتقات من الثقافة المهيمنة الوحيدة التي يمكن الاعتراف بشرعيتها، والتي من شأنها الارتباط بالثقافة المركزية، أي ثقافة المرجع.وهي ليست سوى ثقافات هامشية أو نسخ مشوهة عن الثقافات الشرعية التي لا تتميز عنها إلا بعملية الإفقار.كما أنها ليست سوى تعبير عن الاغتراب الاجتماعي الذي تعانيه الطبقات الشعبية التي تفتقر إلى أي نوع من أنواع الاستقلال الذاتي.وبالتالي يتم تحليل الفروق  التي تميز الثقافات الشعبية عن ثقافة المرجع من هذا المنظور، على أنها نواقص وتشويهات وعدم فهم.وبعبارة أخرى، ، الثقافة "الحقيقية" الوحيدة هي ثقافة النخب الاجتماعية، على اعتبار أن الثقافات الشعبية ليست سوى منتجات فرعية لم تكتمل بعد.
وفي مقابل هذا المفهوم البائس، هناك أطروحة الحد الأقصى التي تزعم أنها ترى في الثقافات الشعبية ثقافات ينبغي اعتبارها ثقافات مساوية لثقافات النخب إن لم تكن أرفع منها.ويرى القائلون بهذه الأطروحة أن الثقافات الشعبية هي ثقافات أصيلة، وأنها ثقافات مستقلة تماماً ولا تدين بأي شيء لثقافة الطبقات المهيمنة.والأغلبية يقولون بعدم إقامة أية تراتبية بين الثقافتين الشعبية و"المتعلمة".وبعضهم لا يتوقف عند هذا الحد، فيذهبون في جنوح إيديولوجي شعبوي إلى التأكيد أن الثقافة الشعبية قد تكون أرفع شأناً من ثقافة النخب، لأن حيويتها تكمن في القدرة الإبداعية ل"الشعب" وهي قدرة تفوق قدرة النخب الإبداعية.يتضح في هذه الحالة، أننا نصبح أقرب إلى الصورة الأسطورية للثقافة الشعبية منّا إلى الدراسة الدقيقة للواقع.
 لكن الواقع أعقد مما تعرضه هاتان الأطروحتان المتطرفتان.فالثقافات الشعبية تبدو، بعد التحليل، لا تابعة تماماً ولا مستقلة تماماً، ولا هي محاكاة صرف ولا إبداع خالص.وعلى هذا فهي لا تؤكد سوى أن الثقافة الخاصة هي مجموعة من عناصر أصيلة وأخرى مستوردة، ومن اختزالات خاصة واقتراضات.والثقافة الشعبية، مثلها مثل أية ثقافة،  ليست متجانسة، لكن هذا لا يعني أنها تخلو من الانسجام.الثقافات الشعبية تعريفاً، هي ثقافات مجموعات اجتماعية  تابعة.وبالتالي فإنها تتكون في ظروف الهيمنة.بعض علماء الاجتماع الذين يأخذون هذه الظروف بعين الاعتبار، يشيرون إلى كل ما تدين به الثقافة الشعبية للهيمنة الثقافية.فالتابعون يردون على الفرض الثقافي عبر السخرية والتحريض والتباهي الإرادي ب"فساد الذوق".إن الفلكلور، لا سيما العمالي أو فلكلور "الجندي البسيط" bidasse  يوضح الكثير من أشكال التحول أو اللعب التهكمي إزاء التلقين الثقافي.فالثقافة الشعبية هي،  بهذا المعنى، ثقافة احتجاجية.
إن وجود هذا المظهر في الثقافة الشعبية لايعني بالتأكيد أنه كاف لتعريفها.وإذا ألحينا  على هذا البعد التفاعلي فإننا نخشى الوقوع،  مرة أخرى، في الأطروحة التبسيطية التي تنكر على الثقافة الشعبية أية قدرة إبداعية مستقلة.وكما يشير غرينيون وباسرون فإن الثقافة الشعبية ليست معبأة باستمرار لكي تكون في موقع الدفاع المقاتل.إنها تعمل في حالة الهدوء أيضاً. والغيرية الشعبية كلها لاتجد نفسها في الاحتجاج.ومن جانب آخر، فإن قيم موقف المقاومة الثقافية وممارساته لا تكفي لتأسيس استقلالية ثقافية كافية لكي تنبثق ثقافة أصيلة، بل تضطلع رغماً عنها، بوظائف دامجة نظراً لسهولة استعادتها من قبل المجموعة المهيمنة.
 ودون أن ننسى ظرف الهيمنة، علينا، لكي نكون أكثر دقة، أن ننظر إلى الثقافة الشعبية على أنها مجموعة من التصرفات التي "تتماشى مع" تلك الهيمنة وليس باعتبارها نموذج مقاومة منتظم ضد الهيمنة.
 لقد قدم ميشيل دو سيرتو هذه الفكرة(1980) وعرّف الثقافة الشعبية على أنها الثقافة "العادية" لأناس عاديين، أي أنها ثقافة تتشكل تبعاً للواقع اليومي ومن خلال النشاطات العادية المتجددة كل يوم.وهو يرى أن الإبداع الشعبي لم يختف،  لكننا لا نجده حيث نبحث عنه في المنتجات التي يمكننا العثور عليها والمحددة بشكل واضح، لأنها متعددة الأشكال ومبعثرة:"فهي تهرب عبر ألف درب ودرب". ولفهمها علينا  فهم الإدراك العملي للناس العاديين لا سيما في استخدامهم للإنتاج الجماهيري.ويرتبط بالإنتاج المعقلن والمنمّط والتوسعي والمركزي إنتاج يسميه دوسيرتو ب"الاستهلاك".وهو يرى أن الأمر يتعلق ب"إنتاج" :فإذا كان الإنتاج لا يدل على نفسه بواسطة المنتجات خاصة فإنه يتميز من خلال "أشكال المسايرة"،  أي أشكال استخدام المنتجات التي يفرضها نظام الاقتصاد المهيمن.
 بعد أن أعاد سيرتو الاعتبار إلى نشاط الاستهلاك بأوسع معانيه عرّف الثقافة الشعبية على أنها "ثقافة الاستهلاك"التي يصعب الكشف عنها لأنها تتميز بالمراوغة والسرية.من جانب آخر، هذا "الاستهلاك-الإنتاج الثقافي" هو شديد التبعثر كما يثيرنا تغلغله في كل مكان.بتعبير آخر، لا يمكننا معرفة هوية المستهلك أولايمكننا وصفه استناداً إلى المنتجات التي يتمثلها. لذلك علينا البحث عن "المؤلف" الكامن خلف المستهلك:إذ بينه(الذي يستخدمها)وبين المنتجات(مؤشرات النظام الثقافي التي تفرض نفسها عليه)هناك فارق الاستخدام الذي يقوم به.وفي هذا الفارق يقع البحث الجاري حول الثقافات الشعبية.
 وبالتالي لابد من تحليل الاستخدامات في حد ذاتها، لأنها فنون حسن التصرف الأصيلة وتنتمي تبعاً للحالة كما يقول دوسيرتو، إلى التدبيرbricolage  أو الاسترجاع أو المخالفة، أي إلى الممارسات المتعددة الأشكال والمتراكبة التي لا تزال مجهولة.وعن طريق هذه المسايرات يسجل المستهلكون معنى للوجود مختلفاً عن المعنى الذي أُسقط على المنتجات المنمّطة.
وذهب الأمر بميشيل دو سيرتو إلى حد القول بوجود تشابه بين هذا النشاط الاستهلاكي اللامبالي وعمليات القطاف التي تتم في المجتمعات التقليدية.المستهلكون والقطافون ينتجون القليل من الناحية المادية، لكنهم ماهرون في الاستفادة من محيطهم.وهذه المهارة هي أيضاً خلاقة من الناحية الثقافية مثلها مثل تلك التي تؤدي إلى منتجات نوعية.هذه المنتجات-السلع تشكل إلى حد ما، الجعبة التي يلجأ من خلالها المستهلكون إلى عمليات ثقافية خاصة بهم.
لمثل هذا التحليل فضيلة بيان ما إذا كانت الثقافة الشعبية مضطرة لأن تكون، ولو جزئياً،  بمثابة ثقافة خاضعة بالمعنى الذي يقول بأنه على  الأفراد الخاضعين  أن "يسايروا" دائماً ما يفرضه المهيمنون أو يرفضونه، لأن هذا لا يمنعها من أن تكون ثقافة قائمة في حد ذاتها على قيم وممارسات أصيلة تعطي معنى للوجود.
 ومع ذلك، فإن هذا التحليل لا يوضح بشكل كاف ثنائية الثقافات الشعبية التي يعدها غرينيون وباسرون ميزة أساسية لها، ويريان أن الثقافة الشعبية هي ثقافة قبول وثقافة رفض في الوقت نفسه، الأمر الذي يؤدي إلى تفسير الممارسة (العملية نفسها) على أنها تنطوي على منطقين متناقضين.وكمثال على ذلك، فإن عملية التدبير المعروفة لدى الطبقات الشعبية قد تم تحليلها من قبل بعض علماء الاجتماع على أنها  نتيجة  لشكل من أشكال الغربة عن العمل،  لأن العامل مضطر لأن ينجز بنفسه ما لا يستطيع الحصول عليه أو ما يعتقد أنه مجبر للحصول عليه، أو حتى، كما تقول التحليلات الأخرى، لأنه لم يعد يعرف ما يفعله بوقت فراغه سوى أن يجعل منه وقتاً للعمل.لكن باحثين آخرين يرون في التدبير إبداعاً حراً.إذ يبقى الفرد سيد إدارة وقته وتنظيم نشاطه واستخدام المنتج النهائي لتدبيره.لا شك أن هذا الوجه الثاني هو الذي يفسر نجاح التدبير باعتباره وقتاً للفراغ: التدبير يعيد للمرء فضاء من الاستقلال الذاتي في عالم تهيمن عليه القيود.والواقع أن التدبير المنزلي (مثل تنسيق الحديقة أو الخياطة أو الحياكة بالنسبة للنساء المأجورات)يمكن أن يبدد الضجر والعمل المجاني والرغبة في المبادرة والقيود وأن يتسم بطابع الحرية.
 إن الإصرار على أن الثقافات الشعبية تدين لكونها ثقافات لمجموعات خاضعة يعني المبالغة في التقليل من شأن استقلالها الذاتي.هذه الثقافات غير المتجانسة، في بعض أوجهها، تتسم بتبعيتها للثقافات المهيمنة، وفي أوجه أخرى تكون،  على العكس، أكثر استقلالية.لأن الجماعات الشعبية ليست في مواجهة دائمة، وفي كل مكان،  مع المجموعة المهيمنة.في الأماكن وفي الأوقات التي يختلي فيها المرء إلى نفسه" فإن نسيان الهيمنة الاجتماعية والرمزية يسمح بقيام نشاط ترميزي أصيل.والواقع أن نسيان الهيمنة هو الذي يمكّن الطبقات الشعبية من القيام بنشاطات ثقافية مستقلة.إن الأماكن والأوقات الناجمة عن المواجهة غير المتكافئة متعددة ومتنوعة مثل: عطلة يوم الأحد، المسكن الذي يرتبه صاحبه على طريقته، وهي أماكن وأوقات الإلفة الاجتماعية بين أفراد متماثلين (المقاهي والألعاب الخ).ويخلص باسرون وغرينيون من هذا إلى أن القدرة على الغيرية الثقافية التي يتمتع بها أضعف الناس هي حتماً الأكثر إنتاجية من الناحية الرمزية بعيداً عن الأكثر قوة، ولهذا فهم يتخلصون من المواجهة والعزلة، حتى حين تتحول إلى تهميش، يمكن أن تكون أحد مصادر الاستقلال الذاتي(النسبي)والإبداع الثقافي.

مفهوم (الثقافة الجماهيرية)

 شهد مفهوم "الثقافة الجماهيرية"نجاحاً كبيراً في فترة الستينات،  والسبب في هذا يعود،  جزئياً، إلى عدم دقته الدلالية وإلى الخلط بين مصطلحي "الثقافة" و"الجماهير" من وجهة نظر التقاليد ذات النزعة الإنسانية.ومن المدهش استخدام هذا المفهوم لدعم تحليلات واضحة الاختلاف.
بعض علماء الاجتماع مثل ادغار موران(1962)على سبيل المثال شددوا على صيغة إنتاج تلك الثقافة التي تخضع إلى أنظمة الإنتاج الصناعي الجماهيري.وتزامن تطور وسائل الاتصال الجماهيري مع الإدخال الحاسم إلى حد كبير، لمعايير المردود والريعية في كل ما يتعلق بالإنتاج الثقافي.وأصبح "الإنتاج"يتجه للحلول محل "الإبداع".
مع ذلك فإن غالبية المؤلفين كرسوا أساس تحليلاتهم لمسألة استهلاك الثقافة التي تنتجها وسائل الاتصال الجماهيري، وبدا عدد لا بأس به من التحليلات أنها خلصت إلى شكل معين من التنميط  uniformisation الثقافي الذي قد يكون هو أيضاً نتيجة لتعميم وسائل الاتصال الجماهيري.في هذا المنظور،  يفترض بوسائل الاتصال أن تسبب اغتراباً ثقافياً ومحق أية قدرة إبداعية لدى الفرد الذي لا يملك الوسائل التي تجنبه الوقوع تحت وطأة الرسالة المنقولة.
الواقع أن مفهوم الجماهير يعاني من عدم الدقة، لأن كلمة "جماهير" تحيل تبعاً لبعض التحليلات، تارة إلى مجموع السكان وطوراً إلى المكون الشعبي لأولئك السكان.وقد ذهب الأمر ببعض من تصدى لهذا المكون إلى حد إدانة ما يظنون أنه "خبل" الجماهير.وهذه الاستنتاجات تنطوي على خطأ مزدوج لأن هناك خلطاً بين "ثقافة من أجل الجماهير" وبين "ثقافة الجماهير". إذ ليس لأن كتلة من الأفراد تستقبل الرسالة نفسها يعني أن هذه الكتلة تشكل مجموعاً متجانساً.صحيح أنه هناك تنميط للرسالة الإعلامية، لكن هذا لا يسمح باستنتاج تنميط استقبال هذه الرسالة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى،  من الخطأ التفكير بأن الأوساط الشعبية قد تكون الأقل مناعة إزاء وسائل الإعلام.إذ بينت بعض الدراسات السوسيولوجية أن تأثير الاتصال الإعلامي يكون أكثر عمقاً لدى الطبقات الوسطى منه لدى الطبقات الشعبية.
 لابد من النظر إلى شروط الاستقبال بعين الاعتبار.فقد بين ريشار هوغارت أن قابلية استقبال الرسالة الإعلامية تكون شديدة الانتخابية لدى الطبقات الشعبية، وترتبط هذه القابلية بما يسميه "الانتباه المنحرف" الناجم عن موقف عام ينم عن الحذر والشك بكل ما لا يصدر عن الوسط الشعبي الذي ننتمي إليه:" لا بد من معرفة ما نأخذ منه وما نترك" لا سيما عدم الخلط بين الحياة"الجادة" وبين اللهو الذي لا يؤدي إلى نتيجة(هوغارت، 1957).وبالتالي فإن دراسة الاتصال الجماهيري لا يمكنها الاكتفاء بتحليل الخطابات والصور المبثوثة.ولكي تكون الدراسة كاملة، عليها أن تضاعف اهتمامها بما يفعل المستهلكون بما يستهلكون.إنهم يختصون بتلك الخطابات والصور ويعيدون تأويلها  من أجل منطقهم الثقافي الخاص بهم.هناك مسلسلات تلفزيونية أميركية مثل دالاس، والتي شهدت نجاحاً شبه عالمي، حتى في مدن الصفيح في ليما عاصمة البيرو،  وفي القرى الصحراوية في الجزائر، لم تٌفهم ولم ينظر إليها بالطريقة نفسها للأسباب نفسها هنا وهناك، وفي هذا الوسط الاجتماعي أو ذاك.ومهما كان منتوج البث "عاماً"فإن استقباله لا يمكن أن يكون منمطا لأنه يرتبط بالخصوصيات الثقافية بكل مجموعة، وبالحالة التي تعيشها المجموعة في لحظة الاستقبال.

        الثقافة الطبقية

إن ضعف القيمة الاستكشافية لمفهوم الثقافة الجماهيرية وعدم دقة مفهومي الثقافة المهيمنة والثقافة التابعة قاد الباحثين  إلى إعادة نظر موضوعية  في مفهوم الثقافة (أو الثقافة التابعة) الطبقية من خلال الانطلاق-من الآن فصاعداً- من تحقيقات ميدانية تجريبية وليس من خلال الاختزالات الفلسفية كما في بعض التقاليد الماركسية.
 لقد بينت عدة دراسات أن منظومات القيم ونماذج السلوك ومبادئ التربية تتنوع بشكل ملموس، من طبقة لأخرى.هذه الاختلافات الثقافية يمكن ملاحظتها حتى في الممارسات اليومية العادية جداً.وبناء عليه فقد بيّن كل من كلود وكريستيان غرينيون  أن هناك أساليب غذائية مختلفة ترتبط بمختلف الطبقات.والتسوق من نفس المتجر الذي قد يعطيك انطباعاً بوجود تجانس في أشكال الاستهلاك، يخفي خلفه خيارات متناقضة.ففي مجال الغذاء تجد أن العادات المرتبطة  بتقاليد مختلف الأوساط الاجتماعية هي شديدة الاستقرار.ولا يعود السبب الأساسي إلى الفروق في القوة الشرائية.لأن الممارسات الغذائية المرتبطة بالأذواق لا تختلف كثيراً عن بعضها  لأنها تحيل إلى صور غير واعية وإلى أشكال التعلم وإلى ذكريات الطفولة.إنك ترى التفاوت الاجتماعي حتى في اختيار الخضار واللحوم والفواكه والحلويات.فهناك لحوم "بورجوازية" مثل لحم الخروف والعجل،  ولحوم "شعبية" مثل لحم الخنزير والأرنب والنقانق الطازجة(في فرنسا).وهناك أيضاً تراتب في الخضار الطازجة تبدأ من أغناها كالأنديف إلى أكثرها فلاحيه مثل الكرّاث،  وأكثرها عمّالية مثل البطاطا.وطريقة الطهي تكشف بدورها عن أذواق الطبقات.وبالتالي فإن الأكل هو شكل يبيّن انتماء الفرد إلى طبقة اجتماعية معينة[ كلود وكريستيان غرينيون، 1980].

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق