الجمعة، 28 أكتوبر، 2016

قياس الأداء المتوازن

قياس الأداء المتوازن:
يعتبر قياس الأداء من العمليات المهمة سواء على مستوى الفرد أو على مستوى المنظمة، تخيل انك تعمل بدون أن تقيس ما تعمله، هل يمكن أن تعرف انك تسير فى الطريق الصحيح؟، هل أنت فعلا متجه نحو الهدف؟، هل أنت محتاج إلى تطوير؟، هل الخطط التى تعمل بها صالحة أم هى  فى حاجة إلى تطوير؟، وغيرها الكثير من الأسئلة، والإجابة عنها توحى بأهمية القياس. فلو انك فى يوم أبحرت على سفينة فإنك ترى الربان من وقت إلى آخر ينظر فى أجهزة الإتجاهات والسير لكى يتأكد من انه يسير فى الإتجاه الصحيح نحو الهدف. وبالتالى تتضح هنا أهمية القياس، وعندما ننظر إلى تاريخ القياس نجد أنه  شهد االكثير من الإهتمام فهو قديم قدم الإدارة نفسها، وفى الفترات الأخيرة ظهر الاتجاه نحو القياس المؤسسى أى  قياس أداء المؤسسة ككل. وفى هذه المقالة يتم عرض فكرة سريعة عند بداية الإهتمام بقياس العناصر غير الملموسة وليس التركيز على الأصول الملموسة فقط وهى بداية القياس المؤسسى  وبداية ظهور مدخل قياس الأداء المتوازن.

دوافع التوجه نحو قياس الأداء المتوازن:
تبين من الدراسات التى تم تنفيذها فى كثير من المنظمات، أن إستخدام المنظمات لمؤشرات تمد الإدارة بمعلومات عن مستقبل المنظمة يعتبر عملية هامه وأساسية فى نجاح هذه المنظمات.   وهذه المؤشرات تعتبر مؤشرات وقائية  تسمح للمنظمات أن تخطط للمستقبل وتستطيع مواجهة ومعالجة المشكلات قبل وقوعها. أما المقاييس المالية تعتبر مؤشرات تاريخية (علاجية)،  فهى تقدم تقريرا عن  الأداء فى الماضى  ولا تتنبأ بما يمكن أن يحدث فى المستقبل. ومقاييس الأداء المالية وحدها  نادرا ما تمكن المديرين من المعلومات التى يحتاجونها فى صناعة القرارات الإستراتيجية. والإعتماد على  المؤشرات المالية فقط يؤدى إلى  التركيز على الأجل القصير والنظرة الضيقة ، كما أن الإعتماد على المؤشرات المالية فقط يعرقل المنظمة من تبنى الفرص فى الأجل الطويل أو التعامل مع تهديدات المستقبل.(38)
        كما تبين من الدراسات التى تمت فى مجال الصحة  على المنظمات التى طبقت مدخل قياس الأداء المتوازن أن أحد الدوافع الرئيسية هو الاهتمام بجودة المقاييس المستخدمة، وأصبح التركيز على ضرورة فهم أهمية المقاييس والمؤشرات عاملا أساسيا لتحقيق الأهداف،  فمؤشرات العائد المالى  تقيس مدى تحقيق أهداف المنظمة المالية فقط، ولكنها لا تقيس باقى العوامل الأخرى،  فعملية الوصول إلى فهم  حاجات وتوقعات وأهداف المرضى فى قطاع الصحة على سبيل المثال  ربما لا يكون سهلا بقدر فهم الأهداف المالية. وحتى يمكن تحقيق  رضاء المريض فمن البديهى أن تكون المقاييس المستخدمة مرتبطة بحاجات وتوقعات المريض، لأنها لو لم تتم بهذا الشكل فإنها لا تحقق النتائج المطلوبة. (39)
        ويرى كل من Kaplan and Norton   أن هناك العديد من الدوافع وراء  تبنى المنظمات لهذا الاتجاه: (40)
1-    اتجاه المنظمات إلى التركيز على تنفيذ الإستراتيجية  إنطلاقا من مفهوم أن تنفيذ الإستراتيجية أهم من الإستراتيجية نفسها. ويعتبر هذا الاتجاه مثيرا للدهشة ففى خلال العقدين الماضيين كان التركيز منصبا على صياغة الإستراتيجية عكس ما هو موجود الآن. و ترى المنظمات أن المشكلة الحقيقية ليست فى الصياغة غير الدقيقة للإستراتيجية  ولكن المشكلة فى التنفيذ الخاطىء للإستراتيجية.
2-     إعتماد المنظمات على إستراتيجية وحيدة مصاغة بشكل جيد بهدف تحقيق القيمة للمنظمة ليس كافيا لنجاحها، نظرا للتغير الذى يحدث فى البيئة وبالتالى التغير فى كل العوامل المحيطة مع بقاء أدوات القياس كما هى دون تغيير. أيضا تحول المنظمة  من التركيز على إدارة الأصول الثابتة إلى التركيز على إستراتيجيات إدارة المعرفة  والتى تقوم بتوظيف الأصول غير الملموسة  مثل علاقات العميل، إبتكار منتجات وخدمات جديدة،  تكنولوجيا المعلومات، الجودة، قواعد البيانات، قدرات ومهارات العاملين والدافعية.
3-    شدة المنافسة وعدم صلاحية الإستراتيجيات التى كانت صالحة للمنافسة فى عصر الصناعة، فكثير من المنظمات حتى نهاية السبعينيات كانت  تعتمد على الرقابة المركزية من خلال الأقسام الوظيفية الكبيرة. وفى الفترة الحالية أدركت معظم المنظمات هذه المشكلات، وأصبحت تعمل من خلال فرق العمل وإستخدام اللامركزية فى وحدات الأعمال، حيث أدركت هذه المنظمات أن الميزة التنافسية  تتحقق من المعرفة، والقدرات ،  وعلاقات الموظفين،  أكثر من الاستثمار فى الأصول الثابتة. ومع التغير السريع فى التكنولوجيا  والمنافسة، و نظم المعلومات، أصبحت عملية  المشاركة  فى صياغة وتنفيذ الإستراتيجية  فى المنظمة عملية هامه، وأن هناك ضرورة لتحقيق التوازن بين كل الأطراف داخل المنظمة. فالمنظمات اليوم فى حاجة إلى لغة لتوصيل الإستراتيجية،  أيضا فى حاجة إلى عمليات ونظم تساعدها فى تنفيذ الإستراتيجية  والحصول على تغذيه عكسية حول إستراتيجيتها التى تقوم بتطبيقها.
4-    يجعل قياس الأداء المتوازن المنظمة تحتفظ بالمعايير المالية التي تعتمد عليها،  بالإضافة إلى المعايير غير المالية والتى أصبح من الضرورى أن تعمل بها المنظمات، ويحاول هذا الاتجاه الإعتماد على المعايير غير المالية التى تعطى رؤية عن المستقبل، وعدم الإعتماد فقط على المعايير المالية التى توفر للمديرين معلومات تاريخية عن أداء المنظمة. وبالتالى كل معايير ومؤشرات القياس فى مدخل قياس الأداء المتوازن تأتى من رؤية وإستراتيجية المنظمة.
كما يضيف البعض مبررات أخرى أدت إلى تبنى المنظمات فكرة التوجه نحو قياس الأداء المتوازن وهى: (41)
5-    مدخل قياس الأداء المتوازن يضع إطار لوصف إستراتيجية المنظمة ويربط بين الأصول الملموسة وغير الملموسة لخلق قيمة للمنظمة. فمدخل قياس الأداء المتوازن لا يحاول خلق قيمة من الأصول غير الملموسة فقط ولكن يقيس هذه الأصول. ويستخدم قياس الأداء المتوازن الخرائط الإستراتيجية التى تبين علاقات السببية لتوضيح كيف تتكامل الأصول غير الملموسة مع الأصول الأخرى لخلق قيمة للعميل وتحقيق النتائج المالية المرغوبة.
6-    نظم الرقابه أصبحت الآن فى غاية الأهمية للربط بين تنفيذ الإستراتيجية وتعديلها. ففى الماضى كان هناك إنطباع بأن  الإستراتيجية يمكن أن تنفذ بنجاح بدون تعديل أو تصحيح، ولكن هذه الرؤية تغيرت الآن فالسبب الرئيسى فى عملية القياس هو تحديد كيف ومتى يحدث تغيير فى الخطة. ومقاييس الأداء متعددة الأبعاد تعتبر قلب نظام الرقابة الإستراتيجية الفعالة. فهى تمدها  بأسس التعلم التنظيمى من خلال تحليل نتائج أداء المنظمة. وهناك اهتمام بمداخل قياس الأداء متعددة الأبعاد، ومدخل قياس الأداء المتوازن هو أحد هذه المداخل، يقدم أربعة محاور أساسية تساعد المدير فى تحديد مقاييس للإستراتيجية وقياس العناصر الملموسة وغير الملموسة.
7-    و نظام قياس الأداء يهدف إلى تحسين أداء الإدارة وليس التركيز على الإجراءات التى تتم لتقييم العلاقة بين إستراتيجية المنظمة والخطط التكتيكية  اللازمة لتحقيق الأهداف. من هنا جاء الإهتمام بمدخل قياس الأداء المتوازن الذى يعرض مؤشرات الأداء والتى تؤثر بشكل مباشر على العاملين والمديرين، وعلى هذا تشجع التغيير فى السلوك والأنشطة لتحقيق إستراتيجيات المنظمة. والمؤشرات المستخدمة  فى مدخل قياس الأداء المتوازن تركز على  مدى تطوير العاملين، كفاءة العمليات الداخلية، رضاء العميل،  والأداء المالى فى الأجل الطويل.   وقياس نتائج الأداء فى نظم قياس الأداء الأخرى تسمى المؤشرات اللاحقة Lagging indicators لأنها تقيس الأعمال التى تمت. بينما محركات الأداء فى قياس الأداء المتوازن  تسمى المؤشرات المستقبلية leading Indicators  لأنها تقيس بناء القدرات  لتحسين الأداء وتركز على محركات الأداء فى المستقبل. كما أن مدخل قياس الأداء المتوازن يربط مقاييس النتائج بمحركات القياس مما يساهم فى تطوير و تحسين الأداء.(42)
        ويتضح أيضا من خلال الدراسات  أن المقاييس التقليدية  تعطى إشارات مضللة  لا تساعد المنظمة فى تحقيق التحسين والإبتكار، و تجعل توقعات المديرين حول المقاييس التشغيلية غير واقعية نظرا لإعتمادها  بشكل أساسى على المقاييس المالية. والمديرون بحاجة إلى القدرة على رؤية الأداء من مختلف الأبعاد وبشكل متزامن. ومن هنا جاء التركيز على إستخدام المؤشرات غير المالية مع المؤشرات المالية. (43)

وقياس الأداء المتوازن هو نظام متكامل لقياس الأداء  الحالى مع التركيز على محركات الأداء فى المستقبل، كما يركز على قياس النواحى المالية و غير المالية، ويعمل على تزويد المديرين فى المنظمات بالنظرة الواقعية لما يحدث داخل وخارج المنظمة. والخصائص الرئيسية التى تميز مدخل قياس الأداء المتوازن هى كونه يتضمن مقاييس  واضحة ترتبط برسالة وإستراتيجية المنظمة لدفع الجهود تجاه تحقيق الأهداف. أيضا يعتبر قياس الأداء المتوازن أداة قياس إستراتيجية  وليس نظاما لمراقبة الأداء بعد حدوثة. وعلى ذلك فإن مدخل قياس الأداء المتوازن الفعال يحقق التوازن بين المقاييس التشغيلية  والمقاييس الإستراتيجية.(44)
         والأساس فى مدخل قياس الأداء المتوازن هو إستخدام مجموعة متكاملة من المقاييس والمؤشرات الخاصة بالأداء، تضم مؤشرات مالية ومؤشرات غير مالية لتبين الجوانب المختلفة لقدرة المنظمة على الأداء، وتحقيق أهدافها الإستراتيجية بشكل متوازن من خلال  التركيز على المحاور الأربعة التالية:
المحور المالى Financial Prospective : ويركز على إستراتيجية النمو والربحية  ورؤية أصحاب المصلحة للمنظمة.
محور العميل Customer Prospective : يركز على إستراتيجية خلق القيمة للعميل وكيف تبدو المنظمة من منظور العميل.
محور العمليات الداخلية Internal Process Prospective : ويركز على الأولويات الإستراتيجية لمختلف العمليات  والتى تحقق الرضاء للعملاء وأصحاب المصلحة.، ويهتم بالعمليات التى تتفوق فيها المنظمة.
محور التعلم والنمو Learning and Growth Prospective  : ويركز على الأولويات لخلق المناخ الذى يدعم التغير التنظيمى  والإبتكار والنمو.
        ويشيرKaplan and Norton إلى أن مقاييس الأداء التي يتضمنها مدخل قياس الأداء المتوازن تختلف عن مقاييس الأداء التى تتضمنها مداخل قياس الأداء الحالية ويمكن توضيح هذا الإختلاف فى النقاط التالية (45)
1-    مقاييس الأداء فى مدخل قياس الأداء المتوازن يتم تحديدها على أساس الأهداف الإستراتيجية للمنظمة ومتطلبات البيئة التنافسية التى تعمل بها، فالمقاييس تعكس الرؤية والإستراتيجية والتى يعبر عنها فى المحاور الأربعة للنموذج.
2-    مقاييس الأداء فى مدخل قياس الأداء المتوازن تعتبر عنصرا أساسيا لمتابعة مدى نجاح المنظمة فى تنفيذ إستراتيجيتها، وهذا على عكس ما تقوم به نظم قياس الأداء المتعارف عليها حيث يقتصر دورها على نتائج الماضى دونما أن تحدد إمكانية التحسين والتطوير فى المستقبل.
3-    المعلومات التى يوفرها مدخل قياس الأداء المتوازن  من خلال محاوره الأربعة تعمل على تحقيق التوازن بين مصلحة الأطراف الداخلية والخارجية، وبالتالى تحقيق أهداف المنظمة دون أن يؤثر ذلك على العوامل الجوهرية التى تتعلق بنجاح المنظمة.
4-    يتصف  مدخل قياس الأداء المتوازن بالمرونة حيث تنقل الأولويات الإستراتيجية فى المنظمة إلى مختلف المستويات الإدارية، كما يمكن المنظمة من إحداث التعديل والتغيير فى هذه المقاييس بما يتلائم مع ظروف المنظمة.

المميزات التى يحققها مدخل قياس الأداء المتوازن فى المنظمات:
        بينت  إحدى الدراسات  التى تم تنفيذها على المنظمات التى طبقت مدخل قياس الأداء المتوازن بأنه أداة إدارية هامه يستخدمها مجلس الإدارة، وتمكن كل فرد من أفراد المنظمة من تحقيق الحاجات والمتطلبات لمختلف أصحاب المصلحة ( المتعاملين مع المنظمة). وعلى الرغم من أن هناك بعض الصعوبات التى تظهر عند التطبيق العملى إلا أن هذا المدخل يحقق كثيرا من المميزات.(46)
وقد تبنت العديد من المنظمات مدخل قياس الأداء المتوازن  ومن خلال خبرة هذه المنظمات فى تطبيق هذا المدخل يتبين أنه يحقق الميزات التالية: (47)
1-    يمكن المنظمة أن تقدم فى تقرير واحد معلومات عن الأولويات التى يجب أن تهتم بها المنظمة: توجهات العميل، تحسين الجودة، التركيز على فرق العمل، تخفيض وقت تقديم  الأصناف الجديدة فى الأسواق، وتخفيض الوقت المطلوب لتنفيذ العمل ، والتركيز على العمل الجماعى.
2-     يعمل هذا المدخل على تحقيق تحسن كبير فى الأداء  من خلال تشجيع المديرين على الأخذ فى الإعتبار كل المقاييس التشغيلية، وبالتالى التأكد من أن  التحسين والتطوير فى أحد المجالات لم يتحقق على حساب مجال أخر.
3-    يترجم قياس الأداء المتوازن رؤية المنظمة وإستراتيجيتها فى مجموعة مترابطة من مقاييس الأداء، تضم مقاييس المخرجات ومحركات الأداء لهذه المخرجات، وبالتالى يساعد فى الربط بين المخرجات ومحركات الأداء، ويساعد المديرين فى توجيه الطاقات والقدرات والمعلومات لتحقيق أهداف المنظمة بدرجة عالية من الكفاءة والفعالية.
4-    قياس الأداء المتوازن ليس أسلوبا للرقابة التقليدية ولكنه نظام للمعلومات لأن المقاييس المستخدمه فيه هى نتيجة لترجمة رؤية وإستراتيجية المنظمة.
5-    وقياس الأداء المتوازن ليس نظاما تشغيليا للقياس فمعظم المنظمات تستخدمه كنظام للإدارة الإستراتيجية لإدارة إستراتيجيتها فى المدى الطويل. فهى تستخدم قياس الأداء المتوازن لإنجاز عملياتها الهامه.

كما يضيف البعض عددا من النقاط الهامه التى تعتبر من الميزات التى يحققها تطبيق مدخل قياس الأداء المتوزان: (48)
6-    يحدد مدخل قياس الأداء المتوازن توجهات المنظمة وإستراتيجيتها نحو الأسواق والعميل.
7-    يسهل مراقبة وتقييم إستراتيجية المنظمة، وبالتالى التأكد من أن عملية التنفيذ تتم بشكل سليم.
8-    يساعد فى تفعيل آليات التعاون والتنسيق داخل المنظمة.
9-    يساعد فى تحقيق المساءلة عن الأداء فى كل مستويات المنظمة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق