الأربعاء، 26 أكتوبر، 2016

الأُصول الاعتقادية للاقتصاد الإسلامي

الأُصول الاعتقادية للاقتصاد الإسلامي
     لكل نظام اقتصادي أصوله وقواعده الفكرية التي يؤمن بها وينطلق منها في رسم أنظمته وسياساته الاقتصادية .

     وإذا كان النظامان الرأسمالي والاشتراكي ينطلقان من قاعدة اعتقادية واحدة هي ( المادية ) أو ( تقديس المال ) فإن النظام الاقتصادي الإسلامي يختلف عنهما في الوجهة حيث يقيم أصوله الفكرية على قاعدة أعظم وأهم ، بل هي الأصل لكل جوانب الحياة ، ألا وهي قاعدة الإيمان .

     فالإيمان يمثل المنطلق الرئيس والركيزة الأولى لكل جوانب ومجالات الاقتصاد الإسلامي ، فهو في حقيقته وجوهره  فرع من فروع عقيدة الإيمان ومهمته أن يحمي هذه العقيدة ويعمق جذورها وينشر نورها ، ويضع الصور العملية التي تعبر عنها وتحقق أهدافها في واقع الحياة ([1]) .

         ولذا نجد أن الله سبحانه وتعالى يوجه الخطاب في كتابه الكريم إلى الذين آمنوا وذلك في سائر الأحكام الشرعية ومنها أحكام المعاملات .

  فوجه الخطاب إلى عباده المؤمنين طالباً منهم تقواه وذلك بتركهم الربا إن كانوا مؤمنين حقاً ([2]) ، وفي آخر الآيات أعاد الأمر بتقواه والحذر من عقوبته في الدار الآخرة 
       والمسلم حين يلتزم بهذه الأوامر والنواهي من إيتاء الزكاة وبذل الصدقات وترك الربا والغش ... الخ فإنه إنما يلتزم بها لأنها من عند الله عز وجل وهو يدرك في قرارة نفسه أنها خير له في عاجل أمره وآجله ([3]) .

     وارتباط الاقتصاد الإسلامي بالعقيدة يظهر في علاقته المباشرة بأركان الإيمان وخاصةً ( الإيمان بالله ) و ( الإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره ) وسنبين هذه الأصول الثلاثة ثم نبين بعض المبادئ الاعتقادية المتفرعة عنها .

الأصل الأول : الإيمان بالله :
     أن أهم ما يقوم عليه الاقتصاد الإسلامي عقيدة الإيمان بالله ، والتي تتضمن التوحيد بأنواعه الثلاثة ( توحيد الربوبية ، والألوهية ، والأسماء الصفات ) وخاصة النوعيين الأوليين .

أولاً : توحيد الربوبية :
     يظهر ارتباط الاقتصاد الإسلامي بتوحيد الربوبية من خلال الإيمان بأن الله هو الخالق ، المالك ، الغني ، الرازق .
1
2)   وإذا كان الله سبحانه هو خالق كل شيء فإن هذا يستتبع أنه المالك لكل ما خلق وهو كل شيء موجود في هذا الوجود ،
         وإذا كان الإنسان مجبولاً على حب المال والبخل فإن الله سبحانه وتعالى كريم يعطي العطاء الجزيل .
أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين :لو أنتم تملكون خزائن رزق ربي لبخلتم خشية الفقر لأن الإنسان مطبوع على شدة الحرص والبخل والله هو الغني الكريم " ([4])
     وجاء في الحديث القدسي: ( يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ) ([5]) .
4)   الرازق هو الله : إن مصدر الرزق من عند الله ، فهو سبحانه وهو سبحانه يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر الرزق عمن يشاء:
     وقد كتب سبحانه الأرزاق لجميع الخلق ، بل حتى الدواب التي لا تستطيع أن تحمل رزقها وتدخره قد يسر الله لها أسباب الرزق والحياة فالإنسان قد كُتب مقدار رزقه قبل أن يوجد على الأرض كما جاء في الحديث عن النبي r : "إن الملك عندما ينفخ الروح في الجنين يُؤمر بأربع كلمات بكتابة رزقه ، وأجله ، وعمله ، وشقي أو سعيد" ([6]) .

      وقد فاضل سبحانه بين البشر في أرزاقهم لحكمة بينها وهي أن يخدم بعضهم  بعضا فالأغنياء مسخرون للفقراء ، والفقراء مسخرون للأغنياء([7]) .

   وإذا كان الله قد سخر بعضنا لبعض ، فإنه من رحمته ولطفه قد سخر لنا أيضاً الأرض بما فيها حتى نستطيع الاستفادة منها ومما فيها من الخيرات والطيبات .
فهو مالكنا وما نملك من الأموال والثروات .وليس هناك تعارض بين ملكيتنا الخاصة للأموال وملكية الله لها لأننا عباد الله ونحن مملوكون له وما نملك يتبعنا في ملكية الله له]ففي هاتين الآيتين نسب الله سبحانه وتعالى المال إليه وأثبت ملكيته له لأنه هو الخالق له وهو الذي رزقنا إياه ، وأثبت أيضاً ملكية البشر للمال حيث نسبه إليهم (آتَاكُمْ ،رَزَقْنَاكُم ) .
        وفرق بين ملكية الخالق جل وعلا للأموال وملكية البشر لها فملكيته عامة لكل الأموال وشاملة لكل البشر وسواء كانت الأموال مملوكة أو غير مملوكة ، أما ملكية البشر فهي خاصة ولابد أن يوجد لها سبب معين يؤدي إلى اكتسابها كالزراعة أو الصناعة أو الصيد أو الشراء أو غيرها .
2)     وإذا كان الله قد سخر هذا الكون للإنسان فإن هذا لا يعني حصول الإنسان على الأموال والطيبات من دون جهد أو عمل ، بل عليه أن يعمل بقدر طاقته لأجل أن يحصل على الرزق الذي قسمه الله له ، 3)     يجب على المسلم أن يستفيد مما سخر الله في هذه الأرض من الطيبات والخيرات فيأكل منها ويستخدمها فيما أباح الله مما يحقق عمارة الأرض

ثانياً : توحيد الألوهية :
     إن مقتضى الإيمان بتوحيد الربوبية وأن الله هو الخالق المالك الرازق توحيده بالعبادة فلا يُسأل إلا الله ولا يُطلب الرزق إلا منه جل وعلا ،وقد بين ذلك سبحانه في كتابه الكريم حيث ضرب مثلاً بأنه فضل بعض البشر على بعض في الرزق فجعل رزق السادة أفضل من رزق مملوكيهم ، فهل هؤلاء السادة معطوهم نصف أموالهم ليكونوا على حد المساواة معهم ، وإذا كان الجواب لا مع أنهم بشر مثلهم ، فكيف يرضون أن يشركوا مع الله غيره من مخلوقاته مع أنها لم ترزقهم شيئاً وإنما الذي رزقهم هو الله وحده .ومقتضى ذلك حتماً أن لا يعبد إلا الذي  يرزق جل وعلا
 ثم بين سبحانه بعد هذه الآية أن هؤلاء المشركين يعبدون غير الله من الأوثان وهي لا تملك لهم رزقاً وأن الرزق من الله سبحانه

     فهذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله لا تملك لكم رزقاً ، وإنما الذي يرزق هو الله فالتمسوا الرزق منه وحده وخصوه بالعبادة والشكر على أنعمه . ([8])

ويقتضي الإيمان بتوحيد الألوهية :
1)     الاعتماد على الله في طلب الرزق والالتجاء إليه وحده دون غيره من المخلوقين ،وقال × :( من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ، ومن أنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل ) ([9])
كما يجب على المسلم أن يتوكل على الله في طلب الرزق ، فمن توكل على الله كفاه ويسر له أمر رزقه ، قال × :( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصاً وتروح بطاناً ) ([10]) .
2)     أن الإيمان الصادق بأن الله هو المُصَرف للرزق ، يبعد عن الإنسان الصفات الذميمة كالحسد والغل وبخس الناس أشياءهم .

الأصل الثاني : الإيمان باليوم الآخر :
     يدرك المسلم أن الدنيا ما هي إلا مزرعة للآخرة وأن الثواب والعقاب الحقيقي في تلك الدار
     والدار الآخرة ليست محلاً للتفاضل المالي ، حيث لن يضر الفقير فقره إذا كان قد قام بما أوجب الله عليه ، كما أن الغني لن ينفعه غناه إذا كان مقصراً في طاعة ربه
كما أن الدار الآخرة ليست محلاً للعوض المالي ،
من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه ، وجمع عليه شمله ، وأتته الدنيا وهي راغمة ، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدر له ). ([11])
2)     أن معيار الربح يختلف عند المسلم من غير المسلم ، فغير المسلم لا يمكن أن يقدم على عمل تجاري إلا وقد غلب على ظنه أن له مردوداً مادياً ، أما المسلم فإنه قد يعمل العمل الذي ليس له مردود مادي عن رضا وقناعة بل ويسابق الآخرين إليه وما ذلك إلا لإدراكه أن جزاءه في الدار الآخرة التي هي خير وأبقى من هذه الحياة الدنيا .
        وقد رتب سبحانه وتعالى جزاء الأعمال الصالحة من الصدقات ونحوها في الدار الآخرة        كما أن المسلم قد يمتنع عن بعض الأعمال التجارية التي تحقق عائداً مرتفعاً بسبب أنها محرمة شرعاً وذلك خشية من عذاب الله وعقوبته .
3)     يجب على المسلم أن يراقب نفسه وتصرفاته فلا يأخذ إلا حقه ولا يعتدي على حق غيره وعليه أن يسارع في براءة ذمته من حقوق الآخرين . وذلك لأنه إذا لم يؤدها في الدنيا فإنه سيؤديها في الدار الآخرة .قال ×:(لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) ([12]) .

الأصل الثالث : الإيمان بالقدر خيره وشره :
     يؤمن المسلم بعقيدة القضاء والقدر وأن الله سبحانه قد قدَّر كل شيء     وعن عبد الله بن عمرو قال سمعت رسول الله r يقول:( كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ) ([13]).

     وقد كتب الله أرزاق بني آدم كما ورد في الحديث :( أن الملك عندما ينفخ  الروح في الجنين يُؤمر بأربع كلمات ، بكتابة رزقه ، .... ) ([14]).

ويترتب على الإيمان بالقضاء والقدر ما يلي :
1)     يجب على المسلم أن يطلب الرزق من محله ويسعى في تحصيله قدر استطاعته ، فكل آتيه رزقه كما كُتب له . جاء في الحديث:( لا تستبطئوا الرزق ، فإنه لن يموت عبد حتى يبلغه آخر رزق هو له ، فأجملوا في الطلب ، أخذ الحلال وترك الحرام). ([15])
        أما التواكل وعدم العمل وادعاء الاعتماد على ما كُتب للإنسان من رزق فإن هذا غير صحيح إذ التوكل والرضا بالقدر لا يقتضي عدم العمل بل كما قال الرسول r :( اعملوا فكل ميسر لما خُلق له ) ([16]) ، وكما ورد في الحديث: ( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصاً وتروح بطاناً ) ([17])
        فالطير تعمل وتأخذ بالأسباب من الذهاب لطلب الرزق وتحصيله وترجع إلى أعشاشها وقد حصلت عليه وهي في كل ذلك معتمدة على ربها جل وعلا .
2)     يجب على المسلم أن يرضى بما قُدِّر عليه ولا يضجر ، فإذا ربح في تجارته فإنه يشكر نعمة الله عليه ، وإذا خسر أو أصابته مصيبة من سرقة أو حريق أو غرق بضاعة أو غير ذلك من الأقدار المكتوبة رضي وصبر وهذا هو سبب اطمئنان المؤمن كما جاء في الحديث عن النبي ×:( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ) ([18]).

المبادئ المرتبطة بهذه الأصول :
    من المبادئ المرتبطة بهذه الأصول الثلاثة والناتجة عن الإيمان بها مبدأ الاستخلاف ، ومبدأ أن المال وسيلة لطاعة الله،ومبدأ كفاية الخيرات لحاجات البشر ،وسنبين هذه المبادئ الثلاثة :

المبدأ الأول : الاستخلاف :
     إذا كان المالك للمال هو الله سبحانه وتعالى فإنه قد استخلفنا في هذه الأموال عمن كان قبلنا ، وأمرنا أن نقوم بحق هذا الاستخلاف من عدم صرف المال في المحرمات أو الإسراف في المباحات ،كما أمرنا بإنفاق بعضه في وجوه الخير والإحسان .

فقد أمر الله سبحانه وتعالى بالإيمان به وبرسوله على الوجه الأكمل ، وحث على الإنفاق مما جعلنا مستخلفين فيه عمن كان قبلنا ، وسيكون لمن بعدنا ، ثم بين سبحانه جزاء من قام بحق هذا الاستخلاف بأن لهم أجراً كبيراً في الدار الآخرة([19]) .

إشارة إلى أنه سيكون مخلفاً عنك فلعل وارثك أن يطيع الله فيه فيكون أسعد بما أنعم الله به عليه منك ، أو يعصى الله فتكون قد سعيت إلى معاونته على الإثم والعدوان([20]) .

والإيمان بهذا المبدأ يجعل الإنسان يدرك أن هذه النعم منةٌ من الله عليه استخلفه فيها ، فتبعد بينه وبين الأشر والاستكبار فلا يطغيه الغنى لأنه مدرك أن المال مال الله وأن الله قد استخلفه فيه ويسر له الانتفاع منه .
       
إن هناك فرقاً كبيراً بين إنسان ينظر إلى المال من خلال شخصه هو، فهو وحده الذي جمعه ،والذي بخبرته استطاع تنميته ، ولذا فإنه بمفرده هو الذي يستحق أن يستمتع بثمراته ، وبين إنسان يرى نفسه مستخلفاً في هذا المال من الله ، والمال في الحقيقة مال الله ، هو الذي أنشأ مادته ، وهو الذي سخره له ، ثم هو الذي وهبه قدرةً على اكتسابه فهو أمين عليه ومستخلف فيه، وعليه أن يرعى حق هذه الأمانة وهذا الاستخلاف ([21]) .

     ولقد ضرب القرآن المثل برجلين أحدهما مسلم والآخر كافر ، أما المسلم    – وهوسليمان عليه السلام-
المبدأ الثاني : المال وسيلة لطاعة الله :
     تتفاوت الفلسفات والأديان في نظرتها للمال تفاوتاً متبايناًً . فحينما نجد الأفكار التي ترفض المال ومتع الدنيا معه وتصور أنها شر يجب الخلاص منه([22]) نجد في مقابل ذلك تلك الأفكار التي تقدس المال وتجعله هو الإله الذي يجب أن      يُعبد ([23]) .
  وبين هذين الاتجاهين المتناقضين يقف الإسلام موقف الوسط ، فهو يعتد بالمال، ويضع له قيمته ويعتدُّ بمكانته في نفس الإنسان المجبول على حبه إنه خير وصلاح لمن أخذه من حله فوضعه في محله ، ولكن الإسلام لا يغالي في مكانة المال لدرجة التقديس والعبادة ، بل إنه يحذر من هذا المسلك مبيناً أن المال فتنة وابتلاء للإنسان ، وأن على المسلم أن لا يجعله همه وغايته في هذه الحياة  ويقول ×:( تعس عبد الدينار ، والدرهم ، والقطيفة ، والخميصة ، إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض ) ([24]).

      إن الإسلام يجعل المال وسيلة للدار الآخرة ، فالدنيا في حقيقتها ما هي إلا مرحلة زائلة والدار الباقية هي الدار الآخرة ، وإذا كانت الدنيا كلها ما هي إلا وسيلة للدار الآخرة فالمال وسيلة أيضاً للوصول إلى تلك الدار .

     يقول تعالى مبيناً هذه المنزلة، وكان من دعاء المصطفى ×: ( اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري ، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي ، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي ، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي من كل شر ) ([25]) .

   فالإنسان المؤمن بالله يملك المال ولا يملكه المال ، إنه يجعله في يده لا في قلبه ، إنه يسعى لتحصيله واستثماره بما أباح الله لا بما أوحى إليه هواه واشتهت نفسه. أن المال في نظره وسيلة وطريق ، ذلك أن هدفه في هذه الحياة أعظم وأجل ، إنها طاعة الله التي خلق لها
المبدأ الثالث : كفاية الخيرات لحاجات البشر :
     يقرر الإسلام أن الخيرات التي أودعها الله في الأرض والتي سيودعها كافية لحاجات البشر من الغذاء والكساء والسكن وسائر الضرورات والحاجات التي يحتاج إليها الإنسان بل وكل دابة في الأرض
أي ما من شيء نافع للبشرية هي في حاجة إليه لقوام حياتها عليه إلا عند الله خزائنه ومن ذلك الأمطار ، لكن ينزله بقدر معلوم حسب حاجة المخلوقات إليه ، وما تتوقف عليه مصالحهم " . ([26])

  وعلى ذلك فإن الاقتصاد الإسلامي يقوم على مبدأ أن الخيرات التي أوجدها الله في الأرض ، وما سيوجده فيها سبحانه كاف لحاجات البشر ، ليس في ذلك ندرة مطلقة ، ولا زيادة مفرطة بل كل شيء بقدر معلوم .

فلو وسع الله الرزق لجميع عباده – كما يبتغون – لطغوا في الأرض وظلموا " ([27]) .
     وهنا يثار سؤال عن أسباب المجاعات التي تعاني منها بعض الدول ، هل هو لعدم كفاية الموارد الطبيعية ، وهو ما لا يتفق مع هذا المبدأ الذي أثبتناه ، أم يرجع إلى أسباب أخرى ؟.

    والجواب على ذلك : إن الفقر ليس في حقيقة الأمر نتيجة لقلة الثروات الطبيعية في هذه الأرض، بل إننا نجد أن بعض الدول الفقيرة التي تعاني من المجاعات تمثل المصدر الرئيس للمواد الأولية ، وإنما توجد أسباب أخرى كان لها الأثر المباشر أو غير المباشر في ظهور هذه المجاعات ، ومن أهم هذه الأسباب ما يلي :
1)     عدم استخدام الإنسان لكامل جهوده الذهنية والبدنية . وقصوره في استغلال الموارد التي أنعم الله بها عليه ، ومن ذلك الفساد الإداري وضعف التخطيط الاقتصادي وسوء التوزيع للموارد والتي تعاني منه كثير من الدول .

3)     مبالغة البشر في حاجاتهم المادية ، وعدم وجود الرشد الاستهلاكي المناسب سواءٌ على المستوى الفردي أو الإقليمي أو الدولي .
4)     اختلاف توزيع الموارد الطبيعية والكثافة السكانية على مستوى الدول .
5)     الأزمة الروحية التي يعاني منها العالم لغياب التعاليم الدينية الصحيحة عنه ، مما سبب التظالم بين الشعوب والمجتمعات وساعد في إيجاد الحروب التي كان لها الأثر في المآسي الإنسانية والخسائر المادية الفادحة .
        وعلى الرغم من كثرة الاجتماعات الدولية التي تهدف إلى مساعدة الدول الفقيرة ، إلا أن أثرها لا يزال محدوداً ، ففي الوقت الذي تعاني منه هذه الدول من نقص المواد الغذائية نجد دولاً أخرى لديها فائض من هذه المواد وتعزف عن تلبية حاجات تلك الدول ، إما لأسباب اقتصادية أو سياسية ، وفي حال قيامها بتلبية تلك الرغبات فإنها لا تنسى استخدام أسلوب الابتزاز السياسي لتلك الدول . ([28])
6)     قد يكون هذا النقص الفردي أو الدولي ابتلاء من الله





([1])        انظر: دور القيم والأخلاق في النظام الاقتصادي الإسلامي _ د. يوسف القرضاوي ص37.
([2])        انظر :المنتخب في تفسير القرآن الكريم ص67 .
([3])        انظر: في الاقتصاد الإسلامي د. رفعت العوضي ص81 .
([4])        المنتخب ص434 وانظر تفسير البغوي 3 / 114 وتفسير التسهيل للكلبي 1 / 498.
([5])        رواه مسلم كتاب البر والصلة والآداب – باب تحريم الظلم برقم 4674 .
([6])        متفق عليه , رواه البخاري في كتاب بدء الخلق باب ذكر الملائكة رقم 3208 , ومسلم في كتاب القدر باب كيفية الخلق الأولى رقم 2643 .
([7])        انظر: قواعد الأحكام للإمام العز بن عبد السلام ص236 .
([8])        المرجع السابق ص593 .
([9])        رواه أبو داود في كتاب الزكاة باب الاستعفاف برقم 1402  , والترمذي في كتاب الزهد , باب ما جاء في الهم في الدنيا برقم 2248 وقال حديث حسن غريب وصححه الألباني – صحيح الجامع برقم 6566 .
([10])       رواه الإمام أحمد – مسند عمر بن الخطاب – برقم200 , والترمذي في كتاب الزهد باب التوكل على الله برقم 2266 وصححه الألباني – صحيح الجامع برقم 5254 .
([11])       رواه الترمذي في كتاب صفة القيامة والرقائق برقم 2465 , وابن ماجة في كتاب الزهد باب الهم بالدنيا برقم 4157 , وصححه الألباني – صحيح الجامع برقم 6510 . 
([12])       رواه مسلم كتاب البر ولصلة باب تحريم الظلم برقم 4679 .
([13])       رواه مسلم كتاب القدر باب حجاج آدم وموسى برقم 4797 .
([14])       متفق عليه رواه البخاري في كتاب بدء الخلق باب ذكر الملائكة برقم 3208 , ومسلم في كتاب القدر باب كيفية الخلق الأول برقم 2643 .
([15])       رواه ابن ماجه في كتاب التجارات باب الاقتصاد في المعيشة , ورواه الحاكم في كتاب البيوع برقم 2134 وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وصححه الألباني – صحيح الجامع برقم 7323 .
([16])       متفق عليه : رواه البخاري في كتاب التفسير باب قوله فأما من أعطى واتقى برقم 4564 , ومسلم في كتاب القدر باب كيفية خلق الآدمي برقم 4789 .
([17])       رواه الترمذي في كتاب الزهد باب في التوكل على الله برقم 2266 وابن ماجه في كتاب الزهد برقم 4154 واحمد برقم 200 وصححه الألباني – صحيح الجامع – برقم 5254 .
([18])       رواه مسلم كتاب الزهد , باب المؤمن أمره كله خير برقم 5318 .
([19])       انظر: تفسير الطبري 11 / 671 والبغوي 4 / 268 وروح المعاني 15 / 259 وأيسر التفاسير
5 / 263 .
([20])       تفسير ابن كثير 4 / 306 .
([21])       انظر: دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي د. يوسف القرضاوي ص42 .
([22])       وهذا موقف البراهمة في الهند , والبوذيين في الصين والمانويين في فارس , والرهبان في النصرانية , وقد كان لهذا الاتجاه رواج وأنصار في الحضارات السابقة ولكنه قلَ أتباعه في العصور الحديثة لغلبة اتجاه تقديس المال وحب المادة .
([23])       وهذا ما عليه الدهريون في كل زمان ومكان وعلى هذه النظرة ظهر المذهبان الرأسمالي والشيوعي , انظر: دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي د. يوسف القرضاوي ص91.
([24])       رواه البخاري في كتاب الجهاد باب الحراسة في سبيل الله برقم 2673 , وكتاب الرقاق باب ما يتقى من فتنة المال برقم 5955 .
([25])       رواه مسلم كتاب الذكر والدعاء , باب التعوذ من شر ما عمل برقم 2720 .
([26])       ايسر التفاسير 3 /78 , وانظر: تفسير فتح القدير 3 / 126 .
([27])       المنتخب ص718 .
([28])       انظر: مدخل للفكر الاقتصادي في الإسلام د. سعيد مرطان ص72 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق