الاثنين، 24 أكتوبر، 2016

الاستراتيجيات المتعلقة بالهوية

  الاستراتيجيات المتعلقة بالهوية

إذا كان من الصعب حصر الهوية وتحديدها،  فهذا يعود إلى طابعها الديناميكي المتعدد الأبعاد، وهو ما يضفي المرونة عليها كما أنّ الهوية تشهد تنوعات وتخضع لإعادة صياغات وتداولات.
يلجأ بعض المؤلفين إلى استخدام مفهوم "استراتيجية الهوية" لكي يشيروا إلى البعد المتغير للهوية الذي لا يعد أبداً حلاً نهائياً .في هذا المنظور تبدو الهوية بمثابة وسيلة لبلوغ هدف معين.وبالتالي فهي ليست مطلقة بل نسبية.ويشير مفهوم الاستراتيجية إلى أن الفرد، باعتباره ممثلاً اجتماعياً، لا يفتقر إلى شيء من هامش المناورة.وتبعاً لتقديره للحالة فهو يستخدم مصادره المتعلقة بالهوية بشكل استراتيجي.وطالما أن الهوية تشكل رهاناً لصراعات" التصنيف" الاجتماعية الهادفة  إلى إعادة إنتاج أو إلى قلب علاقات السيطرة، فإن الهوية تتكون من خلال استراتيجيات الممثلين الاجتماعيين
 مع هذا فإن اللجوء إلى مفهوم الاستراتيجية لا ينبغي أن يقود إلى الظن بأن الممثلين الاجتماعيين يتمتعون بحرية كاملة  في تحديد هويتهم  بما يتفق مع مصالحهم المادية والرمزية الآنية.لابد للاستراتيجيات من أن تأخذ الحالة الاجتماعية بعين الاعتبار،  وكذلك علاقة القوة القائمة بين الجماعات ومناورات الآخرين وغير ذلك.فإذا كانت الهوية، عبر مرونتها، قابلة للتجيير(أي تستخدم كوسيلة)-كما يقول ديفيرو  Devereux فهي "أداة" بل "علبة أدوات"-، فلا يمكن للجماعات والأفراد أن يفعلوا ما يحلو لهم فيما يتعلق بالهوية:لأن الهوية هي دائماً ناتج  تحديد شخصية معينة يفرضها الآخرون على المرء وعلى التحديد الذي يؤكده الإنسان بنفسه.
 هناك نمط أقصى من استراتيجية تحديد الشخصية ينطوي على طمس الهوية التي يزعمها الفرد للهروب من التمييز ومن المنفى أو حتى من المذبحة .هناك حالة تاريخية فريدة تمثل هذه الاستراتيجية هي حالة  الماران.والماران  Maranes  هم يهود شبه الجزيرة الإيبيرية الذين تحولوا ظاهرياً إلى الكاثوليكية في القرن الخامس عشر للتخلص من الاضطهاد والإبعاد، لكنهم ظلوا أوفياء لعقيدة أجدادهم وحافظوا على عدد من الطقوس التقليدية بشكل سري.وبذلك استطاعت الهوية اليهودية الانتقال بشكل سري إلى كل عائلة عبر القرون من جيل إلى جيل حتى تمكنت  من الترسخ من جديد بشكل علني.
وسواء أكانت الهوية شعاراً أم سمة فيمكن تجييرها في العلاقات القائمة بين الجماعات الاجتماعية.الهوية لا توجد في حد ذاتها بمعزل عن استراتيجيات التأكيد الهوياتي للمثلين الاجتماعيين الذين هم نتاج الصراعات الاجتماعية  والسياسية وعمادها في الوقت نفسه[ بيل 1975].والتركيز على الطابع الاستراتيجي الأساسي للهوية يسمح بتجاوز القضية الزائفة المتعلقة بالصدق العلمي لتأكيدات الهوية.
 إن الطابع الاستراتيجي للهوية الذي لا يقتضي بالضرورة،  كما يقول بورديو، وعياً كاملاً بالغايات التي يسعى الأفراد إليها يتميز في أنه يسمح بتوضيح ظواهر اختفاء الهويات وظهورها،  وهي ظواهر كثيراً ما تثير تعليقات قابلة للجدل لأنها غالباً ما تتميز بشيء من النزعة الذاتية.فما سمي خلال السبعينات ب"اليقظة الهندية" سواء في أمريكا الشمالية أو أمريكا الجنوبية لا يمكن عده مجرد انبعاث لهوية شهدت كسوفاً وبقيت ثابتة (بعضهم يتحدث بشكل غير مناسب، عن "حالة سبات" لوصف مثل هذه الظاهرة).الواقع أن الأمر يتعلق بإعادة خلق استراتيجي لهوية جماعية في سياق جديد تماماً هو سياق صعود حركات المطالبة التي تقوم بهاالأقليات العرقية في الولايات المتحدة اليوم..
وبشكل أعم يمكن لمفهوم الاستراتيجية  أن يفسر تنوعات الهوية وهو ما يمكن تسميته بانتقالات الهوية.وهذا المفهوم يبين نسبية ظواهر التحقق حيث تنبني الهوية وتتفكك ويعاد بناؤها تبعاً للحالات.إنها دائمة الحركة، وكل تغير اجتماعي يقودها إلى إعادة صياغة نفسها بشكل مختلف.
 في دراسة مثيرة قام موران (1990) بتحليل إعادات تشكل هوية الهاييتيين المهاجرين في نيويورك.الجيل الأول الذي ينتمي إلى موجة الهجرة الكبرى الأولى(في الستينات) والمنحدرة من النخبة الخلاسية في هاييتي اختارت الاندماج في الأمة الأميركية مع محافظتها على اختلافها عن السود الأميركيين للتخلص من الإبعاد الاجتماعي  مستفيدة من كل ما من شأنه الإيحاء بشيء من البياض و"التميز".أما موجة الهجرة الثانية ( في السبعينات) المكونة أساساً من عائلات الطبقة الوسطى (ذات اللون الأسود) فقد اختارت بعد أن صعب عليها الاندماج، استراتيجية أخرى وهي استراتيجية تأكيد الهوية الهاييتية من أجل تجنب الاختلاط بالأمريكيين السود؛لذلك لجأت  إلى التكلم المنتظم باللغة الفرنسية أمام الملأ، وبذلت جهداً لاكتساب الاعتراف بها كمجموعة عرقية نوعية.أما الشباب الهاييتيين،  لاسيما أبناء  الجيل الثاني الذين أحسوا بموجة  التقليل الاجتماعي من قيمة هويتهم الهاييتية التي اشتدت حدتها في الولايات المتحدة  خلال  التسعينات بسبب مأساة  boat people  القوارب الهاييتية التي جنحت عند شواطئ فلوريدا،  وبسبب تصنيف طائفتهم على أنها " مجموعة خطيرة" تسبب انتشار الإيدز فقد كبتوا هذه الهوية  وطالبوا بهوية عبر وطنية كاريبية،  منتهزين فرصة كون نيويورك قد أصبحت أول مدينة كاريبية في العالم بسبب هجرة الكاريبيين إليها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق