الأحد، 9 أكتوبر، 2016

وسائل الإعلام والمنظومة القيمية والثقافية

ـ وسائل الإعلام والمنظومة القيمية والثقافية:
      تعتبر الرسالة الإعلامية وعاء لتجميع المعلومات والحقائق والأفكار والقيم والثقافات والرموز، وكانت بذلك أهم الركائز التي بنيت عليها الدراسات الإعلامية.
       وفي دراستنا لدور التلفزيون في تشكيل القيم الجمالية لدى الشباب الجامعي الجزائري، نعتقد أنه لا يمكن الحديث عن انتقال مجموعة من القيم، أو الرموز، أو الثقافة، أو سلوكات معينة إلى الجمهور المتلقي، إن لم يكن لهذه القيم والرموز، وتلك الثقافة والسلوكات مرجعية في الرسالة الإعلامية.
       وبناء على هذا فقد جاءت بعض الدراسات (الدراسات الثقافية) محاولة كشف واستخراج المنظومة القيمية التي تحتويها الرسالة الإعلامية، مستعملة مناهج بحثية مختلفة، تستعين أساسا بأداة تحليل المضمون (الكمي والكيفي).
       ويمكن حصر هاته الدراسات في اتجاهين:
ـ الاتجاه الأول: حاول دراسة الرسالة الإعلامية باعتبارها منتجة – في سياقها الاجتماعي الحضاري – لمجموعة من القيم تختص بما هو إعلامي اتصالي، سميت القيم الإخبارية NEWS VALUES رغم ترابطها مع القيمي داخل المجتمع. 
فقد طور كل من  "جالتونج وروج " Galtung And Ruge مجموعة من القيم الإخبارية – انطلاقا من علم نفس الإدراك – أهمها[1] :
1 – التردد: Fréquency                     
2ـ الاستهلالية :The Shold                  
3 – جلاء الحدث وبساطته :Unambiquity  
4 – المعنى الهادف: Meaningfulness      
5 – وثاقة الصلة: Relavance    
6 – التقارب الثقافي: Cultural proximity
7 – الإيجابية والسلبية: Negativeness And Positiveness
8 – اللاتوقعية: Unpredictability
9 – نخبة الأمم :The élite nation    
10 – نخبة الشعب : The élite people
11 ـ  نخبة الأشخاص:  The élite persons
       ولقد توصلت دراسة أخرى حول "القيم الإخبارية في الصحافة العمومية"[2] في الجزائر، إلى أن عينة الصحافة المدروسة، قد ركزت على مجموعة من القيم الإخبارية نوردها كما يلي:
-    التركيز على قيم السلبية والصراع، والتشخص ..
-    أتضح أن هناك علاقة بين قيم (الصراع، والمصلحية، والاستقرار).
-    كما كشفت نتائج تحليل المضمون أن الأخبار المنشورة بالجرائد المدروسة قد ركزت على القيم الإخبارية بدرجات متفاوتة، إذ اقترنت قيمة التشخص بالأخبار السياسية الرسمية والحزبية، (التركيز على الأشخاص أكثر من الواقعة). كما اقترنت قيمة السلبية بالأخبار والحوادث الأمنية التي شهدتها فترة الدراسة.
       وتوصلت دراسة أخرى عن التلفزيون الجزائري[3]، إلى أن القيم الإخبارية التي عكستها الجريدة المصورة أثناء فترة الدراسة هي: قيمة الإيجابية، والنخبوية، والتعبوية، والتنموية، الحذف، الحذف الذاتي.
       تلتقي نتائج هاتين الدراستين مع مضمون النظرية السلطوية* والمسؤولية الاجتماعية في الإعلام، إضافة إلى أنها قدمتا مجموعة من القيم الإعلامية.
ـ الاتجاه الثاني:
      حاول دراسة الظاهرة القيمية (القيم الاجتماعية، الثقافية الحضارية، صورة الآخر كبنية قيمية إيديولوجية..)، كما نعرفها وندركها في المجتمع، من خلال انعكاسها في مضمون وسائل الإعلام، فقد توصل "حلمي خضر ساري" في دراسته عن "صورة العرب في الصحافة البريطانية"[4] أن الجرائد المدروسة باستثناء جريدة The Morning Star قد عكست وضمت تحيزا ثقافيا استعلائيا عرقيا في نشرها لأخبار وأحداث الوطن العربي، كما ظهر النفط كمحرك (قيمة) فيما يتعلق بالمصالح الاقتصادية الغربية والبريطانية، وهذا ما أسماه الباحث، المصالح الذاتية والاقتراب الثقافي في القيم الإخبارية، كما أتضح من خلال رسومات الكاريكاتير أن هناك قيما وصفات، يقدم بها الإنسان العربي، فغالبا ما يرسم العربي ببطن منتفخ، أنف طويل، عباءة وقميص، بدوي (غير متمكن).
       نلاحظ بهذا أن المضمون الإعلامي غير محايد، فهو حامل للقيم والثقافات على حسب ما يريد من يمتلك ويسيطر على وسائل الإعلام خدمة لمصالحه وأهدافه، وطروحاته.
       ولقد توصلت دراسة عن "أثر البث التلفزيوني المباشر على الشباب الجزائري[5] في جانبها التحليلي (تحليل مضمون بعض الأفلام في بعض القنوات الفرنسية M6 , F2 , TF1) إلى أن عينة الأفلام المدروسة (36) فيلما خلال الفترة من 1 جويلية إلى 30 ديسمبر 1997، قد عكست مجموعة من القيم الإيجابية، والسلبية، فالقيم الإيجابية تمثلت في الأمانة، الشجاعة، التسامح، حب السلم، حب الخير، حب الوطن، التضحية، الكفاح لأجل هدف سامي، التعقل والاتزان، العلم والمعرفة، الانضباط ، النظام العام، الإيمان بالله، احترام الأسرة، الصدق.
أما القيم السلبية فتمثلت في الغش، الجبن، التعصب، حب الحرب، حب الشر، الخيانة، الإثارة والجنس، الكذب، الغاية تبرر الوسيلة، العنف والعدوان، التواكل، السرقة، الاختطاف، مخالفة القانون، الانتهازية ..
ولقد تأكد للباحث غلبة القيم السلبية بنسبة 62.8% على القيم الإيجابية بنسبة 37.2% في عينة الأفلام المدروسة.
       وبهذا يلتقي الباحث مع نتائج الدراسة التي أجراها كل من "جالتونج وروج" من أن السمة البارزة للأخبار في الغرب هي السلبية، كما تلتقي نتائج الدراسة التحليلية لعينة الأفلام المدروسة مع ما توصل إليه "كلاوس شوينباخ" من أن الدول الغربية تتوقع حدوث التقدم (والتطور)، ولذلك فالفشل (السلبي) جدير بالتقديم إخباريا لأنه خروج عن المألوف.."[6]، وينبغي الإشارة هنا إلى أن هذه الدراسة حينما صنفت القيم إلى إيجابية وسلبية من خلال عينة الأفلام المدروسة، حاولت مقابل ذلك إجراء دراسة ميدانية على عينة من الشباب الجزائري* لمحاولة الاقتراب من مدى تمكن الرسالة الإعلامية (الغربية) من عملية التأثير على القيم والعادات والتقاليد التي يحملها هذا الشباب.
       هذا، ويمكن الإشارة في سياق هذه الدراسة في جانبها التحليلي، أن القيم (الإيجابية والسلبية) التي أفرزتها الأفلام المدروسة، تبقى نسبية ومتداخلة، انطلاقا من البيئة الثقافية والقيمية والحضارية للمجتمع الذي عملت فيه ومن خلاله هذه القنوات التلفزيونية الفرنسية المدروسة، والشركات المنتجة للأفلام، ووصولا إلى المجتمع، أو المجتمعات التي تتلقى وتشاهد هذا الكم الهائل من الأفلام، ومن ثم التعرض لمجموع المنظومة القيمية المضمنة في تلك الأفلام.
       فنسبية القيم وتداخلها، قد تجعلان قيمة إيجابية في مجتمع منتج للأفلام، قيمة أقل إيجابية، أو سلبية في مجتمع آخر. بمعنى آخر أن ما يعتبر قيمة عندنا، قد لا يعتبره الآخر قيمة عنده، والأمر نفسه حين نتحدث عن السلبية، والقيم الأخرى.
       وفي إطار الجانب التحليلي السابق للأفلام المدروسة، توصلت دراسة حول "تدفق البرامج من الخارج في تلفزيون جمهورية مصر العربية" ".. إلى أن أكثر القيم السلبية ظهورا في الأفلام الأجنبية التي تعرض على الشاشة المصرية هي: الفردية، التعصب، الإثارة العاطفية، الخيانة.. وأن هذه الأفلام– لا سيما الأمريكية– تروج باستمرار لجوانب التفسخ والانحلال الخلقي، كإقامة علاقات جنسية غير مشروعة بين الفتيان والفتيات، كما أنها تعكس ضعف الروابط الأسرية والاجتماعية على حد سواء .."[7] .
       إن الطرح النظري، والمعالجة المنهجية التحليلية للظاهرة القيمية داخل الرسالة الإعلامية ـ رغم جديتها– لم يأخذا الاهتمام الكبير من قبل الدارسين؛ ذاك أن القيم التي درست كانت تتكرر بصفة عامة، في معظم البحوث والدراسات التحليلية، مقابل ذلك، وبالنظر في عمق هذه البحوث والدراسات، لا نكاد نجد التركيز، أو دراسة بعض القيم الجمالية –خاصة في الدراسات العربية - داخل الرسائل الإعلامية، على اعتبار أن هذه القيم جزء من الظاهرة القيمية.


[1] ـ سمير لعرج. القيم الإخبارية في الصحافة العمومية المكتوبة بالعربية، دراسة تحليلية للأخبار الداخلية. رسالة ماجستير، جامعة الجزائر، معهد علوم الإعلام والاتصال، 1995، ص 86 وما بعدها، عن:
Cohen, Stangy and young, Jack. Manufacture of news : Social problemes, devience, and the mass Media. London : constable .1993,p. 66.
[2] ـ سمير لعرج. مرجع سبق ذكره، ص11.
[3] ـ السعيد بومعيزة. عملية إنتاج الأخبار في التلفزيون الجزائري. المجلة الجزائرية للاتصال، معهد علوم الإعلام والاتصال، بن عكنون: ديوان المطبوعات الجامعية، العددان 6ـ7، 1992.
* ـ تخلخل وتراجع مضمون هذه النظرية مع التطور التكنولوجي في ميدان الإعلام والاتصال.
[4] ـ حلمي خضر ساري. صورة العرب في الصحافة البريطانية. ترجمة عطا عبد الوهاب، الطبعة الأولى، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1988.
[5] ـ نصير بوعلي. أثر البث التلفزيوني الفضائي المباشر على الشباب الجزائري، دراسة تحليلية وميدانية. أطروحة لنيل شهادة دكتوراه الدولة في علوم الإعلام والاتصال، جامعة الجزائر، كلية العلوم السياسية والإعلام، قسم علوم الإعلام والاتصال، 2003، ص 103 وما بعدها.
[6] ـ جون مارتن وأنجو جروفر. نظم الإعلام المقارنة. ترجمة علي درويش، مراجعة محمد رضوان. الطبعة العربية الأولى، القاهرة: الدار الدولية للنشر والتوزيع، 1991، ص 46.
* ـ سنعرض أهم نتائج هذه الدراسة الميدانية في العنصر الخاص بتأثير البرامج التلفزيونية على قيم وسلوكات وثقافة الشباب.
[7] ـ نصير بوعلي. أثر البث التلفزيوني الفضائي، مرجع سبق ذكره، ص 26. عن: عدلي سيد رضا. تدفق البرامج من الخارج في تلفزيون جمهورية مصر العربية". دراسة تحليلية لمضمون بعض البرامج الأجنبية في التلفزيون المصري، رسالة ماجستير، غير منشورة، كلية الإعلام، جامعة القاهرة، 1979.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق