الأحد، 9 أكتوبر، 2016

دراسة المونتاج المكان الصوت

دراسة المونتاج:
اعتبرت الدراسات السينمائية عملية المونتاج عملية أساسية في إنجاح العمل الفني من حيث مدى التوفيق في تنسيق اللقطات، وتعبيرها عن مضمون الفيلم، ومدى علاقات الصور مع بعضها البعض من حيث بنائها، وترابطها، والإيقاع الذي تنتجه.
ولقد قدم جون ميتيري  Jean Mitryبنية الصورة السينمائية من خلال اللقطات والزوايا؛ مثل "اللقطة البعيدة؛ اللقطة العامة؛ اللقطة المتوسطة؛ اللقطة القريبة؛ اللقطة الكبيرة؛ اللقطة الكبيرة جدا..."[1].
ويبدو أن في هذا التقسيم نوعا من النقص؛ حيث ركز صاحبه على ما يعكس الفيلم السينمائي من أوضاع للقطات؛ في حين كان بالإمكان الاعتماد على الفنون الأخرى كالرسم؛ والتصوير الفوتوغرافي والكاريكاتوري؛ والنحت في تقديم بعض اللقطات؛ ففي فن الرسم توجد بعض الوضعيات؛ كالوضعية المستلقية والوضعية النائمة؛ ..وفي الكاريكاتير توجد بعض الطرائق في الرسم؛ كالتشويه والسخرية؛  .. وفي النحت توجد وضعية الصورة الجامدة.
ولقد اعتبر إبستاين Epstien اللقطة الكبيرة بمثابة روح السينما بما تثيره من إمكانية التلاقي مع المشاهد؛ الذي ينتج ما أسماه بياربسورلان "شعرية اللقطة الكبيرةLa poésie du gros plan "[2].
ـ دراسة المكان السينمائي:
باعتباره مكانا فنيا داخل الفيلم المدروس؛ ويتم التركيز على معرفة مدى "..الدور الجمالي الذي تلعبه تقنية التقريب والإبعاد؛ والعمق.."[3]، من حيث درجة وضوح الصورة، أو عدم وضوحها، وهذا يرتبط بالعلاقة، "... بين الكاميرا وكمية الضوء المسلط على الموضوع.."[4]، وفي دراسة جماليات المكان السينمائي أبرز بيار سورلان، في معرض حديثه عن باسوليني Pasolini، أن الفيلم المدروس يعكس قيما جمالية تتسم بالقبيح La Laideur، سواء كان ذلك على مستوى "..القبح الجسدي للبطل، أو تصرفاته الأخلاقية، أو على مستوى قبح المدينة المتسخة غير النظيفة..."[5] وفي هذا، إشارة إلى الجماليات البيئية، وجماليات المدينة.
إن بروز المكان السينمائي بكل أشكاله، يظل مكانا فنيا افتراضيا، يتموقع في إطار الشاشة، وفي زمن الإنتاج، والتلقي. هذا المكان الفني يبدع ما أسماه يوري لوتمانIouri Lotman، الإحساس الفني حيث قال: ".. إن تحديد المكان الفني في إطار مادي يولد أيضا الإحساس الفني المتشعب"[6].  
ـ تحليل الصوت:
اعتبر الدارسون السينمائيون الصوت ظاهرة مكملة للصورة السينمائية في كليتها، وفي أداء وظيفتها الإبلاغية، ".. فلقد تحدث ميكافورفسكي Mukavorsty منذ سنوات الثلاثينات عن الوظيفة المماثلة للصوت... (حيث لاحظ) أن الصوت يعطي انطباعا متغيرا تبعا لمصدره، ... واقترح بأن تظهر في الشاشة عربة مدفوعة بسرعة فائقة على الجمهور؛ في حين يحدث الشريط الصوتي، صوت وقع حوافر الفرس، التي لا ترى على الشاشة، وهنا سنشعر بأن المجال الفني (الصوت) غادر مساحة الشاشة، قد اكتسب بعدا ثالثا.."[7].
ويبدو أن هذه الرؤية الجمالية للصوت قد استفادت من فن الرسم في اعتماده، وإنتاجه للبعد الثالث، كما قدمت المتلقي كطرف في عملية إنتاج المعنى الفني.
كما استفاد الفيلم السينمائي من فن الموسيقى، من حيث طريقة التوظيف التي ".. تقدم قيمة جمالية ووظيفة درامية، إن أحسن استخدامها"[8].
وإذا كانت الظاهرة الصوتية قد اكتسبت صفة الجمالية في السينما، فقد كان هناك نوع فني سينمائي هزلي، عرف باسم السينما الصامتة ".. حيث رفض شارلي شابلن Charlie Chaplin، السينما الناطقة.. وقبل جون ابستاين هذا الفصل، شريطة إرجاع الكاميرا حركتها المفقودة.."[9]، لتعويض النقص الذي يتركه غياب الصوت.
يبدو من خلال هذا العرض السابق، أن هناك صعوبات جمة في عملية دراسة الجماليات السينمائية، من حيث البنية الفيلمية، ومن حيث صعوبة وندرة الدراسات التي تتناول عمليات التلقي السينمائي من الناحية الجمالية.
وعلى الرغم من هذا فقد قدم الدارسون الأوائل محاولاتهم في دراسة الفن السابع جماليا.
وعلى ضوء هذه المحاولات والدراسات الجمالية، انطلقت الدراسات الجمالية التلفزيونية، ولقد ارتبطت هذه الجماليات، بتاريخية الدراسات النقدية التلفزيونية، حيث كان النقد التلفزيوني بمثابة العملية الفنية الثانية لإعادة تقييم وتقويم ما قدمه التلفزيون.
لقد أجمع معظم الدارسين على أن سنوات بداية الخمسينات هي بداية الدراسات النقدية التلفزيونية، فقد نشر أندريه بازان Andre Bazin "... في فرنسا سنة 1952 أول دراسة نقدية تلفزيونية.. ثم أتبعها بعشرات المقالات الأخرى، ما بين سنتي 1955-1956.. وكانت تدور حول البرامج التلفزيونية..، حيث كان يتوجه فيها إلى مشاهدين افتراضيين.."[10]
وفي منتصف الخمسينات من القرن العشرين، ظهرت دراسات حول "..النقد التلفزيوني في ألمانيا على يد أكبر الكتاب.."[11]، وكان النقد هنا يتمحور حول عمليات الإنتاج للبرامج التلفزيونية (كالممثلين، والمخرجين، والكتاب) وعمليات التلقي لدى الجمهور التلفزيوني، وبذلك بدأت تتطور الرؤية الجمالية حول هذا الخطاب (النقدي) باعتباره فنا.
ولقد اجتهد معظم الدارسين في تبرير فنية التلفزيون، انطلاقا من كون السينما فنا سابعا، لكن الإشكال الذي واجه هؤلاء الدارسين، كان في مدى درجة الإبداع الفني الموجود داخل التلفزيون، وفي مدى تقيد وخضوع هذا التلفزيون لمبادئ نظرية الفن.
الحقيقة أن الإجابة عن بعض الإشكالات المتعلقة بفنية التلفزيون، قد بدأت تتضح خلال الفترة الزمنية لبداية النقد التلفزيوني (الخمسينات)، على اعتبار أن النقد عملية تقويمية، تقييمية، للبرامج التلفزيونية من حيث مدى توفيقها، أو عدم توفيقها في بنائها الداخلي، ومدى الاستجابات التي يمكن أن تحققها لدى المشاهدين، ويبدو أن نظرية النقد التلفزيوني، قد استفادت من النقد في الفنون الأخرى، كالسينما، والمسرح والأدب..، لكن التطورات التي عرفها التلفزيون خاصة فيما يتعلق ببداية البث المباشر، قد غيرت من مبادئ النقد التلفزيوني التقليدي القائم على دراسة "..كاميرات التصوير، والمتلقين، وحساب المسافة الفاصلة بين المشاهد والمشهد.."[12]، وبدأت بعض معالم استقلالية التلفزيون عن السينما تظهر من خلال ظهور نوع الدراما، والتراجيديا التلفزيونيين المباشرين.


[1] - Jean Mitry. Op. cit. P.94.
[2] - Pierre Sorlin. Op. cit. P. 73.
[3] - J. Aumont. et les autres… op. cit. P.22.
[4] - Ibid. P.22.
[5] - Sorlin. Op. cit. P.17.
[6] - Iouri Lotman. Op. cit. P.54.
[7] - Iouri Lotman. Op. cit. P. 54.
[8] - Litwin mario . Le film et sa musique: création, montage. Paris: éditions Romillat, 1992, P.14.
[9] - J. Aumont et les autres, op. cit. P.33.
[10] - Andre Bazin . Critique de télévision .in: Jérôme Bourdon .. op. cit.P. 48.
[11] - Knut Hicke Thier. La critique en Allemagne. in: Jérôme Bourdon. Op.cit. P.120.
[12] - Jérôme Broudon. La critique impossible, Positions du journalisme de télévision en France. In : Jérôme Broudon. op. cit. P.30.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق