الاثنين، 24 أكتوبر، 2016

مفهوم الثقافة في فرنسا

فكرة الثقافة لدى مؤسسي الإناسة الفرنسية
عبرت فرنسا عن أصالة في تطوير العلوم الاجتماعية بالقياس إلى البلدان المجاورة لها.إذ نشأ فيها علم الاجتماع باعتباره فرعاً علمياً.لكن هذه الأسبقية ستكون سبباً في تأخر نهوض الإناسة الفرنسية.في المرحلة الأولى يمكن القول أن علم الاجتماع الفرنسي قد احتل مساحة البحث كلها حول المجتمعات البشرية.والإناسة- والأصح أن يقال علم وصف الأعراق(      ethnographie عٌدّت مجرد ملحق لعلم الاجتماع.وكانت "المسألة الاجتماعية" تهيمن على "المسألة الثقافية" وتطمسها.

غياب المفهوم العلمي
للثقافة في بدايات البحث الفرنسي

في فرنسا وفي القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين،  التزم الباحثون الفرنسيون في العلوم الاجتماعية باستخدام اللسانيات التي كانت مهيمنة في تلك الفترة، وكانوا يستخدمون مصطلح "الحضارة" الذي كرّسه المؤرخون، ولم يستخدموا أبداً مصطلح "الثقافة" بالمعنى الجماعي والوصفي. ومع أنهم كانوا مطلعين على الأعمال العلمية الألمانية، إلا أنهم رفضوا أغلب الأحيان،  ترجمة       kultur بنظيرها الفرنسي culture  وفضلوا عليه مصطلح "الحضارة".وكتاب تايلور الثقافة البدائية لاقى صدى في الأوساط العلمية الفرنسية، لكن عنوان الترجمة الفرنسية لهذا الكتاب تحول إلى :الحضارة البدائية.
بقي مصطلح "ثقافة" culture تحت أقلام الباحثين مرتبطاً،  على وجه العموم، بمفهومه التقليدي في المجال الفكري القومي:ولم يكن يعني عندها سوى مجال الروح كما لم يُفهم إلا بالمعنى النخبوي الضيق وبمعنى فرداني individualiste (ثقافة شخص "مثقف")
من الواضح أن السياق الخاص بفرنسا القرن التاسع عشر قد أوقف انبثاق المفهوم الوصفي للثقافة.وكان علماء الاجتماع وعلماء الأعراق أنفسهم مشبعين تماماً بالعالمية المجردة لعصر الأنوار مما منعهم من التفكير بالتعددية الثقافية في المجتمعات البشرية بطريقة أخرى دون العودة إلى الحضارة.لأن السياق التاريخي لم يكن يشجع على التساؤل حول هذه المسألة.فالملحمة الكولونيالية "الاستعمارية" كانت تجري تحت اسم "الرسالة التحضيرية"التي تضطلع بها فرنسا.وقد ولّدت المنافسة  لألمانيا والصراع معها تعارضاً بين اتجاهين قوميين يستخدمان مفهوميّ "kultur و civilisation  كأسلحة دعائية. أخيراً،  اعتمدت الدولة-الأمة الفرنسية التي واجهت، في الثلث الأول من القرن التاسع عشر تنامي الهجرة الأجنبية السريع، اعتمدت سياسة ثقافية  إدماجية assimilationniste لهؤلاء الناس طبقاً للنموذج المركزي الذي سبق له وأن ترك آثاره على ثقافات مناطق البلاد.
في الإتنولوجيا الفرنسية المبتدئة لمعَ مفهوم الثقافة على الرغم من عدم وجوده.وكان لا بد من انتظار مارسيل غريول وميشيل ليريس،  في الثلاثينات، ليبدأ استخدام هذا المصطلح بالظهور.في تلك السنوات اكتسبت الإتنولوجيا نوعاً من الاستقلالية إزاء علم الاجتماع وكوّنت أدواتها المفهومية الخاصة بها.وقد شجعت مواجهتها المباشرة والمستمرة مع الغيرية altérité والتعددية pluralité  الثقافية على انبثاق مفهوم ثقافة عن طريق إدخال شيء من النسبية الثقافية.
لكن هذا المفهوم لم يظهر في فرنسا إلا بشكل متدرج. بما في ذلك الأدب الإتنولوجي وترتب على كلمة "حضارة" أن تتصدى لكلمة "ثقافة"،  لأن المصطلحين  بقيا قيد الاستخدام بشكل غير مباشر حتى الستينات.وترجم كتاب روث بينيدكت الكلاسيكي patterns of culture  في عام 1950. تحت عنوان (تعيس بكل المقاييس) :عيّنات حضارية.

        دوركهايم والمقاربة الواحديّة للوقائع الثقافية

شاءت الصدف الغريبة أن يولد إميل دوركهايم (1858-1917) في السنة نفسها التي ولد فيها فرانز بواس، واحتل مكانة "تأسيسية" في الأنثروبولوجيا الفرنسية مثلما احتل بواس مكانته المعروفة في الأتثروبولوجيا الأمريكية.وكان دوركهايم عالم اجتماع أكثر منه عالم إتنولوجيا(أعراق)، لذا فقد وضع علم اجتماع ذي توجهات أنثروبولوجية.وكان في الحقيقة، يطمح إلى فهم [العامل ]الاجتماعي في كل أبعاده ومظاهره بما في ذلك البعد الثقافي من خلال المجتمعات كلها.
وما أن تأسست مجلة "السنة السوسيولوجية" عام 1897 حتى ساهم دوركهايم في تأسيس الإتنولوجيا الفرنسية وأمّن الاعتراف الوطني والعالمي بها من خلال نشره لموضوعات إتنوغرافية وملخصات كتب إتنولوجية  أجنبية في أغلب الأحيان وذلك في سلسلة أعداد هذه المجلة.ولم يستخدم دوركهايم من جهته أبداً مصطلح "الثقافة" وكانت مجلته تُتَرجمُ كلمة "ثقافة" الواردة باللغات الأجنبية إلى كلمة "حضارة" باللغة الفرنسية.وهو إن لم يكن يلجأ،  إلا عَرَضاً،  إلى مصطلح الثقافة فليس لأنه لم يكن مهتماً بالقضايا الثقافية بل لأنه كان يرى أن القضايا الاجتماعية تنطوي بالضرورة على بعد ثقافي لأنها ظواهر رمزية في الوقت نفسه.
لقد ساهم دوركهايم كثيراً في إخراج الفرضيات الإيديولوجية المسبقة والمستترة،  إلى حد ما،  من مفهوم الحضارة.في مقالته "ملاحظة على مفهوم الحضارة" التي كتبها بالاشتراك مع مارسيل ماوس ونشرت عام 1913 جاهد لاقتراح مفهوم موضوعي وليس معيارياً للحضارة التي كانت تنطوي على فكرة تعددية الحضارات دون التقليل من أهمية وحدة الإنسان.ولم يكن يشك أبداً في وحدة البشرية ولا يرى اختلافاً بين البدائيين والمتحضرين من حيث طبيعتهم.و ماوس، الذي كان يتفق مع دوركهايم ويتعاون معه بشكل وثيق، كان أكثر وضوحاً حينما صرح منذ عام 1901:
" إن حضارة شعب ما ليست سوى مجموع ظواهره الاجتماعية؛والحديث عن وجود شعوب غير مثقفة"بدون حضارة"، وعن شعوب "طبيعية" ما هو إلا حديث عن أشياء غير موجودة. (السنة السوسيولوجية، ج4، ص141).
وإذا كان دوركهايم يتفق مع بعض أوجه النظرية التطورية،  إلا أنه كان يبتعد عن أكثر طروحاتها تقليصية،  لاسيما الأطروحة المتعلقة بالشكل الوحيد الاتجاه للتطور الذي تشترك فيه المجتمعات كلها.وفي تلخيصه لأحد الكتب الألمانية التي تدرس "علم نفس الشعوب" وكان ذلك علماً شائعاً جداً في ألمانيا كتب يعبر عن عدم اتفاقه مع فرضية هذا الكتاب الرئيسية التي تطرح فكرة المصير المشترك للبشرية جميعها، كتب يقول: " لا شيء يسمح بالاعتقاد بأن مختلف أنماط الشعوب تتجه كلها في الاتجاه نفسه؛لأن بعضها يسير في أكثر الطرق تنوعاً، ويجب أداة يتمثل التطور البشري على شكل خط تتوضع عليه المجتمعات  تلي الواحدة الأخرى كما لو أن المجتمعات الأكثر تقدماً كانت استكمالاً واستمراراً للمجتمعات الأكثر بدائية، بل يجب تمثيلها على شكل شجرة ذات أفنان متعددة ومتنوعة.ولا شيء يثبت أن حضارة الغد ستكون امتداداً لحضارة اليوم المتطورة بل ربما سيكون صانعوها  تلك الشعوب التي نعدها اليوم أدنى منّا  كالصين على سبيل المثال.وقد يسيرونها في اتجاه جديد غير متوقع.)السنة السوسيولوجية، ج 7،  1913،  ص 60-61).
إذاً،   لم يكن فكر دوركهايم يفتقر إلى رهافة الحس إزاء النسبية الثقافية الناشئة عن فهمه العام للمجتمع وللمعيارية الاجتماعية.وكان يتطرق إلى هذه المسألة من خلال اعتماد مسعى نسبي :المعيارية نسبية لكل مجتمع ولمستوى تطوره، وبالتالي فقد كان مفهومه للمعيارية فهماً وصفياً بحتاً قائماً على نوع من "الوسطي" الخاص بكل مجتمع من المجتمعات.
في السنوات اللاحقة، استكمل ماوس في عام 1929 فكر دوركهايم بأسلوب أكثر سجالية وصراحة.وجاء في محاضرة له حول "الحضارات":
"إن  رجال الدولة والفلاسفة،  والجماهير،  وأكثر منهم الصحفيون تراهم يتحدثون عن الحضارة.في المرحلة الوطنية،  الحضارة التي يتحدثون عنها هي ثقافتهم وثقافة أمتهم لأنهم يجهلون،  على وجه العموم، حضارة الآخرين.أما في المرحلة العقلانية، وعموماً في المرحلة العالمية الشاملة[.....] فإن الحضارة تنطوي على حالة من الأشياء المثالية والواقعية ؛عقلانية وطبيعية، سببية وغائية،  في هذه المرحلة يقوم التقدم  الذي لاشك فيه بتخليصهم تدريجياً  من أحاديثهم  تلك [ ..]
وهذه الماهية ESSENCE  لم يكن لها أي وجود أبداً إلا على شكل أسطورة أو شكل تمثل جماعي.هذا الاعتقاد العالمي والقومي في الوقت نفسه، هو سمة حضاراتنا العالمية والقومية في الغرب الأوربي وفي أمريكا غير الهندية  [ 1930، ص 103-104]".
كان دوركهايم منطقياً مع نفسه وهذا ما أوصله إلى تفضيل الاستخدام المرن لمفهوم الحضارة الذي جعله يعمل كمفهوم "ذي هندسة متغيرة".في مقالته "ملاحظة حول مفهوم الحضارة" التي كتبها بالاشتراك مع ماوس بذل جهده لإخراج  هذا المفهوم من العمومية الغائمة التي كان يتصف بها آنذاك ولإعطائه مضموناً مفهومياً فاعلاً "أل"الحضارة لا تختلط بالبشرية ولا بمصيرها، كما لا تختلط بأي مفهوم خاص؛ما هو موجود وما ندرسه هو الحضارات المختلفة.وعلينا أن نفهم "الحضارة"  على أنها مجموعة من :
"الظواهر الاجتماعية التي لا ترتبط بهيئة اجتماعية خاصة؛وهذه الظواهر تمتد على مجالات تتجاوز أي أرض وطنية،   أو أنها تتطور على مراحل زمنية تتجاوز تاريخ المجتمع الواحد[ 1913، ص47].
وقد مدَّ هذا التعريف النظرية الانتشارية DIFFUSIONNISTE  مفهوم "المجال"(الجغرافي وإلى النظرية التطورية مفهوم الحقبة أو المرحلة"   على الرغم من أن دوركهايم كان يعارض إعادة تشكيل تاريخي محفوف بالمخاطر لهاتين المدرستين.ولأنه كان مهتماً بتأسيس منهج دقيق لدراسة الوقائع الاجتماعية، لم يعترف بصلاحية المسعى التجريبي ورفض  أي شكل من أشكال المقارنة التنظيرية.
علينا ألا نبحث عند دوركهايم عن نظرية منهجية للثقافة، لأن تفكيره حول الثقافة لا يشكل مجموعاً موحداً.ولأن همه الأساسي كان يتركز على تحديد طبيعة الرابط الاجتماعي.ومع ذلك فإن فهمه للمجتمع ككلِّ عضوي يحدد فهمه للثقافة أو للحضارة ويرى أن الحضارات هي "منظومات مركبة ومتضامنة".
كان دوركهايم مناهضاً للأطروحات الفردانية INDIVIDUALISTES ويرفضها لنزعتها النفسانية  psychologisme  مؤكداً على أفضلية المجتمع على الفرد.وهنا يتضح أن فهمه للظواهر الثقافية قد تطبع بطابع النظرية [K.M1] الكلية للإنسان   holisme .وفي كتابه الأشكال الأولية للحياة الدينية وقبله الانتحار (1897) وضع نظرية حول "الوعي الجماعي"  الذي يعدّ شكلاً من أشكال النظرية الثقافية.ويرى أن المجتمع يتمتع ب "وعي جماعي"تكوّن بفضل التمثلات الجماعية والمُثل والقيم والمشاعر المشتركة بين أفراد المجتمع كافة.وهذا الوعي الجماعي سابق على الفرد وهو مفروض عليه لأن الفرد خارجي ومصعّد. وهناك انقطاع بين الوعي الجماعي وبين الوعي الفردي فالأول "أعلى" من الثاني لأنه أكثر تعقيداً ودقة. والوعي الجماعي هو الذي يحقق وحدة المجتمع وتجانسه.
وقد مارست فرضيات دوركهايم حول الوعي الجماعي تأثيراً أكيداً على  نظرية الثقافة باعتبارها "هيئة عليا"  superorganisme سبق وأن نادى بها ألفرد كروبر A.Kroeber  عام  1917. ويمكننا تقريب مفهوم الوعي الجماعي (الذي يعزوه دوركهايم إلى الخصائص الروحية) من مفهوميّ   patterns الثقافي ومفهوم "الشخصية الأساسية" الذين تحدث عنهما الأنثروبولوجيون الثقافويون الأميركان[K.M2] ..دوركهايم نفسه كان يستخدم  أحياناً عبارة "الشخصية الجماعية" بمعنى قريب جداً من معنى " الوعي الجماعي".
حتى وإن كان مفهوم الثقافة غائباً من الناحية العملية عن  أنثروبولوجيا دوركهايم فذلك لم يمنعه  من اقتراح تأويلات للظواهر التي غالباً ما أشارت إليها العلوم الاجتماعية على أنها ظواهر ثقافية.

 [K.M1]نظرية تقول بأن الإنسان كل لا يتجزأ ولا يُفَسَّر بمكوناته المختلفة سواء أكانت فيزيائية أم نفسية ولذلك يجب النظر إلى هذه المكونات بشكل منفصل(المترجم)
 [K.M2]الثقافوية :مذهب سوسيولوجي  تقول بتأثير الوسط والأشكال المكتسبة للسلوك على الفرد(المترجم)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق