الأحد، 23 أكتوبر، 2016

تـاريخ اصل الثقافة

يعتبر مفهوم الثقافة ملازما للعلوم الاجتماعية،  وهو ضروري لها إلى حد ما، للتفكير حول وحدة البشرية من خلال التنوع بشكل يختلف عن التفكير المستند إلى البيولوجيا. ويبدو أن هذا المفهوم يقدم أكثر الأجوبة إقناعاً على سؤال الفارق بين الشعوب، وذلك لأن الجواب " العرقي" أخذ يفقد من قيمته  شيئاً فشيئاً مع تطور علم الوراثة البشري.
الإنسان بالأساس كائن ثقافي.وعملية التحول الطويلة إلى إنسان التي بدأت قبل عشرة ملايين سنة، انطوت في جوهرها على الانتقال من التكيّف الوراثي مع البيئة الطبيعية إلى التكيّف الثقافي.وعبر مسيرة ذلك التطور الذي أدى إلى نشوء الإنسان العاقل أي الإنسان الأول،  تراجعت الغرائز تراجعاً كبيراً، وحلّت الثقافة تدريجياً محلها وهو التكيف الذي تمكن الإنسان من السيطرة عليه.وقد تبين أن هذا التكيّف أكثر فاعلية  من التكيف الوراثي لأنه أكثر مرونة وأسهل وأسرع قابلية للانتقال .والثقافة لا تتيح للإنسان التكيف مع بيئته فحسب،  بل تتيح له إمكانية تكييف هذه البيئة لحاجاته ومشروعاته، بمعنى آخر، الثقافة تجعل تغيير الطبيعة أمراً ممكناً.
وحتى لو امتلك كل البشر المخزون الوراثي نفسه لكنهم يختلفون عن بعضهم في خياراتهم الثقافية حيث يتمكن كل شعب من إيجاد الحلول الملائمة.ولكن،  يمكن رد هذه الاختلافات  إلى بعضها بعض لأنها تمثل تطبيقا للمبادئ الثقافية الشاملة نظراً للوحدة الثقافية التي تجمع البشرية، على اعتبار أن هذه التطبيقات عرضة للتطور بل وللتغيّر.
وبالتالي يبدو أن مفهوم الثقافة يعد أداة مناسبة لوضع حد للتفسيرات الطبيعية للتصرفات البشرية.وطبيعة الإنسان يمكن تفسيرها كلها من خلال الثقافة.والاختلافات التي تبدو شديدة الارتباط بالخصائص البيولوجية الخاصة مثل اختلاف الأجناس، على سبيل المثال، لا يمكن ملاحظتها أبداً في حد ذاتها"في الحالة الأصلية"(الطبيعية)، لأن الثقافة تستولي عليها مباشرة:التقسيم الجنسي للأدوار وللمهام في المجتمعات البشرية ينتج أساساً عن الثقافة،  ولهذا نراها تتنوع من مجتمع لآخر.
الإنسان لا يملك أي شيء طبيعي خالص.حتى الوظائف البشرية المرتبطة بالحاجات الفيزيولوجية كالجوع والنوم والرغبة الجنسية وما إلى ذلك، تمليها الثقافة: المجتمعات  لا تقدم تماماً الأجوبة نفسها بالضبط،  على تلك الحاجات.وفي المجالات التي تخلو من الإكراه البيولوجي تقوم الثقافة بتوجيه السلوك. لذا فإن الأمر :"كن طبيعيّاً"،  وهو أمر نوجهه غالباً للأطفال في الأوساط البورجوازية على وجه الخصوص،  يعني في الواقع :" كن متوافقاً مع نموذج الثقافة التي نقلت إليك".
إذا أدركنا مفهوم الثقافة بمعناها الواسع  على أنه  الذي يحيل إلى أساليب الحياة والفكر، فإنه اليوم مفهوم مقبول بشكل واسع حتى لو انطوى هذا الفهم على شيء من الغموض.لكن الأمر لم يكن دائماً كذلك.فمنذ أن برزت الفكرة الحديثة للثقافة في القرن الثامن عشر أثارت مناقشات حادة.ومهما كان المعنى الدقيق الذي أمكن خلعه على هذه الكلمة وما أكثر تعريفات الثقافة!- فقد بقيت  هناك اختلافات حول تطبيقها على هذا الواقع أو ذاك.لأن استخدام مفهوم الثقافة يدخلنا مباشرة في النظام الرمزي وفي ما يتعلق بالمعنى، أي في أصعب ما يمكننا الاتفاق عليه.
على الرغم من توجه العلوم الاجتماعية نحو الاستقلالية الابيستمولوجية،  لم تكن أبداً مستقلة عن السياقات الفكرية واللغوية التي تقيم فيها خطاطاتها النظرية والمفهومية.لذا فإن النظر في المفهوم العلمي للثقافة يقتضي دراسة تطورها التاريخي المرتبط مباشرة بالفكرة الحديثة للثقافة.ويكشف هذا الأصل الاجتماعي عن أنه خلف الاختلافات الدلالية حول التعريف الصحيح الذي ينبغي وضعه لهذه الكلمة،  تختبئ اختلافات اجتماعية وقومية[] وصراع التعريفات هو في واقع الأمر تعبير عن  صراعات اجتماعية حول المعنى الذي يجب خلعه على الكلمات الناجمة عن رهانات اجتماعية جوهرية، كما يقول عبد الملك صيّاد:
" وهكذا يمكن أن نضيف إلى الحديث عن التاريخ الدلالي، أي عن أصل الدلالات المختلفة لمفهوم الثقافة، حديثاً عن التاريخ الاجتماعي لهذه الدلالات:التغيرات الدلالية التي تبدو ظاهرياً ذات طبيعة رمزية صرفة ترتبط، في الواقع، بتغيرات ذات طبيعة مختلفة، بتغيرات في بنية علاقات القوة القائمة بين الجماعات الاجتماعية الموجودة في كنف المجتمع الواحد، من جهة، وبين المجتمعات التي يقوم بينها فعل متبادل من جهة أخرى، أي التغيرات التي تصيب المواقع التي يشغلها مختلف الشركاء المهتمين بالتعاريف المختلفة لمفهوم الثقافة [ 1987، ص 25].
بعد ذلك سنتحدث عن اختراع المفهوم العلمي للثقافة الذي يقتضي الانتقال من التعريف المعياري إلى التعريف الوصفي.وخلافاً لمفهوم المجتمع الذي ينتمي إلى الحقل الدلالي نفسه، فإن مفهوم الثقافة لا ينطبق إلا على ما هو إنساني.وهذا المفهوم يتيح إمكانية فهم وحدة الإنسان في تنوع أنماط حياته ومعتقداته،  لأن التركيز يتم على الوحدة على التنوع [ الفصل الثاني]
ما أن دخل هذا المفهوم في علوم الإنسان حتى شهدنا تطوراً ملحوظاً في الأبحاث المنصبّة على مسألة التنوعات الثقافية، لا سيما في العلوم الاجتماعية الأميركية لأسباب لا تعود إلى الصدفة وهي ما سيتم تحليلها لاحقاً.والتحقيقات التي أُجريت على مجتمعات شديدة التنوع بيّنت الانسجام الرمزي (وهو ليس تجانساً على الإطلاق) لمجموع الممارسات (الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية الخ) لتجمع معين أو لمجموعة من الأفراد [الفصل الثالث].
إن الدراسة الدقيقة لتلاقي الثقافات  تبين أن هذا التلاقي يتحقق وفق صيغ شديدة التنوّع ويفضي إلى نتائج بالغة التضاد تبعاً لحالات التماس.وسمحت الأبحاث المهتمة ب "المثاقفة" بتجاوز عدد من الأفكار المسبقة المتعلقة بخصائص الثقافة وتجديد مفهومها بشكل عميق.المثاقفة ليست ظاهرة عرضية ذات |آثار تخريبية، بل إحدى الصيغ العادية للتطور الثقافي لكل مجتمع
[ الفصل الرابع]
وتلاقي الثقافات لا ينشأ عن المجتمعات  الشاملة globalesفقط،  بل أيضاً عن جماعات اجتماعية تنتمي إلى المجتمع المركب نفسه.وبما أن هذه الجماعات متراتبة في ما بينها، نلاحظ أن التراتبات الاجتماعية تحدد التراتبات الثقافية، وهذا لا يعني أن ثقافة الجماعة المهيمنة تحدد طابع الجماعات المهَيمن عليها اجتماعياً.فثقافات الطبقات الشعبية لا تخلو من الاستقلالية ولا من القدرة على المقاومة [الفصل الخامس].
إن الدفاع عن الاستقلالية الثقافية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمحافظة على الهوية الجماعية ."الثقافة" و" الهوية" مفهومان يحيلان إلى الواقع نفسه منظورا إليه من زاويتين مختلفتين.والمفهوم الذاتيe    essentialiste للهوية لم يعد يقف في وجه الفكرة القائلة بأن الجماعة لا يمكن فهمها إلا بدراسة علاقاتها بالجماعات المجاورة لها[الفصل السادس].
إن التحليل الثقافي يحتفظ اليوم بكل ما يملك من ملاءمة، ويبرهن على أنه قادر على تأسيس المنطق الرمزي المعمول به  في العالم المعاصر، شريطة عدم إهمال دروس العلوم الاجتماعية.ولا يكفي أن نستعير من هذه العلوم كلمة "ثقافة" لكي نفرض قراءة للواقع، غالباً ما تخفي محاولة فرض رمزي.وسواء أكنا نتحدث عن المجال السياسي أو الديني في المؤسسات أو بخصوص المهاجرين، فإن الثقافة لا تُملى بقرار، ولا يتم التعامل معها كأداة ثانوية لأنها تنجم عن عمليات شديدة التعقيد غالباً ما تكون غير واعية

Ò



الأصل الاجتماعي لكلمة “ثقافة” وفكرتها



للكلمات تاريخ وهي تصنع التاريخ إلى حدٍ ما.إن صحَّ هذا القول على الكلمات كلها فيمكن التحقق منه في ما يتعلق بلفظة "ثقافة" على وجه الخصوص.إن وزن الكلمات، كما يقال في وسائل الإعلام،  ثقيل بعلاقته بالتاريخ،  التاريخ الذي صنعها والتاريخ الذي تساهم في صناعته.
تنشأ الكلمات للإجابة على بعض التساؤلات، وعلى بعض القضايا التي تُطرح في فترات تاريخية محددة وفي سياقات اجتماعية وسياسية نوعية.والتسمية تعني طرح القضية وحلها في آنِ معاً بشكل ما من الأشكال.
إن اختراع مفهوم الثقافة يكشف في حد ذاته عن مظهر أساسي من مظاهر الثقافة التي تحقّق في كنفها هذا الاختراع الذي سنطلق عليه حالياً اسم الثقافة الغربية لعدم وجود مصطلح آخر أكثر ملاءمة منه.وفي المقابل، من المثير ألا نجد مقابلاً لكلمة" ثقافة " culture  في أغلب اللغات الشفوية للمجتمعات التي يقوم علماء الإناسة بدراستها.وهذا،  بطبيعة الحال،  لا يقتضي (وهي حتمية لم يتم الاتفاق عليها بعد) أن تكون تلك المجتمعات مفتقرة للثقافة، بل لأنها لا تطرح على نفسها سؤال معرفة ما إذا كانت تملك ثقافة ما، أو تحديد الثقافة التي تختص بها على أقل تقدير.
لذا، إذا أردنا إدراك المعنى الحالي لمفهوم الثقافة واستخدامه في العلوم الاجتماعية، لا بدّ من العودة إلى أصله الاجتماعي، وإلى نسبه généalogie،  بمعنى آخر، نريد النظر في كيفية تشكل الكلمة ثم المفهوم العلمي المرتبط بها.وبالتالي البحث عن أصله وعن تطوره الدلالي.ونحن هنا لسنا بصدد تحليل لغوي بل بصدد توضيح الروابط القائمة بين  تاريخ كلمة " ثقافة" وبين تاريخ الأفكار.
إن تطور أية كلمة يستند إلى عدة عوامل ليست ذات طابع لغوي، وميراثها اللغوي يخلق نوعاً من الارتباط بالماضي في استخداماته المعاصرة.
من مسيرة كلمة" ثقافة"  لا نحتفظ إلا بما يوضح تكون المفهوم بالشكل الذي تستخدمه به العلوم الاجتماعية.كانت الكلمة، وستبقى دائماً،  مطبقة على علاقات شديدة التنوع (ثقافة الأرض، ثقافة جرثومية الخ) وبمعانٍ شديدة الاختلاف لدرجة أنه من المستحيل علينا الإحاطة بتاريخها كاملاً.

تطور كلمة ((ثقافة)) في اللغة الفرنسية منذ القرون الوسطى حتى القرن التاسع عشر

من المشروع أن نتوقف بشكل خاص، على المثال الفرنسي في استخدامه لكلمة " ثقافة" إذ يبدو واضحاً أن التطور الدلالي النهائي للكلمة التي ستتيح لاحقاً اختراع المفهوم قد برز في اللغة الفرنسية منذ عصر الأنوار قبل انتشارها عن طريق الاقتراض  اللغوي  في اللغات الأخرى المجاورة (كالإنجليزية والألمانية).
إذا استطعنا اعتبار فترة تشَكُّل المعنى الحديث للكلمة تعود إلى عام 1700 إلا أن كلمة "ثقافة"  هي كلمة قديمة في المفردات الفرنسية.وهي كلمة تعود في أصلها إلى اللغة اللاتينية  cultura التي تعني رعاية الحقول أو قطعان الماشية.ثم ظهرت في القرن الثامن عشر لتدل على جزء من الأرض المزروعة ( حول هذه النقطة وغيرها،  أنظر بينيتون [ 1975]).
في بداية القرن السادس عشر لم تعد هذه الكلمة تدل على حالة(حالة الشيء المزروع) بل على فعل،  أي فعل زراعة الأرض:ولم يتكون معناها المجازي إلا في منتصف القرن السادس عشر، حيث أصبح يدل على تثقيف المَلَكة      culture d’une faculté  أي العمل على تطوير تلك المَلَكة.لكن هذا المعنى المجازي بقي قليل الشيوع حتى نهاية القرن السابع عشر ولم يتم الاعتراف به أكاديمياً على الإطلاق، ولم يظهر في غالبية معاجم تلك الفترة.
وحتى نهاية القرن الثامن عشر، لم يتأثر المضمون الدلالي للكلمة إلا قليلاً مع تطور الأفكار وبالتالي فقد لحق بالحركة الطبيعية للغة التي تستخدم الكناية (تحول الثقافة من حالة إلى فعل) من جهة، وبالاستعارة من جهة أخرى(تحوّل المعنى من تهذيب الأرض إلى تهذيب العقل) محاكية بذلك نموذجها اللاتيني cultura التقليدي باعتباره قد كرّس استخدام الكلمة بمعناها المجازي.
ولم تبدأ كلمة " ثقافة" بفرض نفسها مجازياً إلا في القرن الثامن عشر.ودخلت بمعناها هذا معجم الأكاديمية الفرنسية (طبعة عام 1718).ومذّاك أُلحق بها المضاف وصار يقال : "ثقافة الفنون" و "ثقافة الأدب"و"ثقافة العلوم" كما لو كان تحديد الشيء المُهَذّب ضرورياً.
ودخلت الكلمة في مفردات لغة عصر الأنوار دون أن يستخدمها الفلاسفة.والموسوعة التي كرّست مقالة طويلة ل"تهذيب أو ثقافة الأرض" لم تخصص مقالة نوعية لمعنى "الثقافة " المجازي.لكنها لم تتجاهلها لأن هذه الكلمة برزت في مقالات أخرى مثل (" تربية"، "عقل"، "أدب"، "فلسفة"، "علوم").
وشيئاً فشيئاً، تحررت كلمة "ثقافة" من مُضافاتها وانتهى بها الأمر إلى أن استُعملت للدلالة على " تكوين" و " تربية" العقل أو النفس. وعبر حركة معاكسة لتلك التي لاحظناها سابقاً، تمّ الانتقال من كلمة "ثقافة" باعتبارها فعلاً (فعل أو عملية التعليم"   instruire إلى اعتبارها حالة (حالة العقل المثقف عن طريق التعلٌّم، حالة الفرد "الذي يملك ثقافة").وتكرّس هذا الاستخدام في نهاية القرن الثامن عشر من قبل معجم الأكاديمية(طبعة 1798) الذي تحدث عن "عقل طبيعي بدون ثقافة"مشيراً بذلك إلى التعارض المفهوميّ بين كلمتي " طبيعة"و"ثقافة".وأصبح هذا التعارض أساسياً عند فلاسفة عصر الأنوار الذين نظروا إلى  الثقافة على أنها سمة مميزة للنوع البشري، واعتبروا الثقافة محصّلة المعارف التي تُراكمها البشرية عبر تاريخها وتغيرها باعتبارها كليّة.
وفي القرن الثامن عشر لم تستخدم كلمة"ثقافة" إلا بالمفرد، وهو ما يعكس عالمية النزعة الإنسانية للفلاسفة من حيث أن الثقافة أمر خاص بالإنسان  دون أن يعني هذا أي تمييز بين الشعوب أو الطبقات.وبالتالي فقد ترسّخت كلمة "ثقافة" في إيديولوجية عصر الأنوار واقترنت بأفكار التقدم والتطور والتربية والعقل التي كانت تحتل مكان الصدارة في تلك الفترة.صحيح أن حركة الأنوار نشأت في إنجلترا  إلا أن لغتها ومفرداتها قد نشأت في فرنسا، وسرعان ما اتسع صداها في أرجاء أوروبا الغربية كلها،  لا سيما في الحواضر الكبرى مثل أمستردام وبرلين وميلان ومدريد ولشبونة وحتى سان بطرسبرغ.واكتسبت فكرة الثقافة طابع التفاؤل السائد في تلك الفترة،  ذلك التفاؤل القائم على الثقة التي يمكن للكائن البشري أن يرقى بها إلى الكمال  perfectible .فالتقدم ينشأ  دائما عن التعلّم أي عن الثقافة الأكثر اتساعاً.
وبالتالي فقد اقتربت كلمة "ثقافة" كثيراً من تلك الكلمة التي ستشهد نجاحاً كبيراً (بل أكثر من النجاح الذي حققته كلمة "ثقافة") في مفردات اللغة الفرنسية إبان القرن الثامن عشر وهي كلمة "حضارة".والكلمتان تنتميان إلى الحقل الدلالي نفسه وتعكسان المفاهيم الأساسية  نفسها.وإن ارتبطت هاتان  الكلمتان ببعضهما أحياناً،  إلا أنهما غير متكافئتين.فكلمة "ثقافة" أكثر دلالة على التطورات الفردية أما كلمة "حضارة" فتدل على التطورات الجماعية.
إن كلمة حضارة هي مفهوم واحدي ولا تستخدم إلا بصيغة المفرد، مثلها في ذلك مثل كلمة "ثقافة" .لكن سرعان ما تحرر المعنى الحديث لهذه الكلمة (لم تظهر هذه الكلمة إلا في القرن الثامن عشر) من دلالته على تهذيب الأخلاق عند الفلاسفة الإصلاحيين لكي يدل عندهم على العملية التي  تخلص الإنسانية من الجهل واللاعقلانية.وباقتراحهم هذا المفهوم الجديد لكلمة " حضارة" فقد فرض المفكرون البورجوازيون الإصلاحيون، الذين لا يعوزهم التأثير السياسي، مفهومهم حول حكومة المجتمع التي يرون وجوب استنادها على العقل والمعارف.
إذاً تُعرّف الحضارة على أنها عملية تحسين المؤسسات والتشريع والتربية.الحضارة حركة أبعد ما تكون عن الاكتمال ولا بدّ من دعمها نظراً لأثرها على المجتمع كله بدءاً بالدولة  التي يجب أن تتحرر من كل ما هو غير عقلاني في عملها.أخيراً يمكن للحضارة أن تشمل   كل الشعوب التي تتكون البشرية منها.وإذا كانت بعض الشعوب أكثر تقدماً من شعوب أخرى في هذه الحركة، وبلغ بعضها (كفرنسا) درجة عليا من التقدم الذي يمكننا من اعتبارها شعوباً "متحضرة"، فإن الشعوب كلها، حتى الأكثر بدائية، لديها الاستعداد للدخول في حركة الحضارة نفسها، على اعتبار أن من واجب الشعوب الأكثر تقدماً مساعدة الأكثر تخلفاً لسد فجوة التأخر هذا .وقد جعلت شدة التأثر بهذا الفهم التقدميّ للتاريخ المتشككين،  مثل روسّو وفولتير، يتجنبون استخدام هذا المصطلح ولكنهم لم يتمكنوا من فرض مفهوم أكثر نسبية لأنهم ظلّوا أقلية.
إذاً، فاستخدام كلمتي" ثقافة" و "حضارة" في القرن الثامن عشر قد حدد ظهور فهم جديد لا يقدس التاريخ.وتحررت الفلسفة(فلسفة التاريخ) من لاهوت "التاريخ"وعلى هذا يمكن اعتبار أفكار التقدم المتفائلة، التي يتضمنها مفهوما "الثقافة "و "الحضارة" بمثابة شكل بديل للأمل الديني.ومن الآن فصاعداً سيجد الإنسان نفسه في مركز التفكير وفي مركز الكون. وبرزت فكرة إمكانية وجود "علم الإنسان"، وهو مصطلح استخدمه ديدرو للمرة الأولى عام 1755( في مقالة "موسوعة" في الموسوعة).وفي عام 1787 ابتدع ألكساندر دو شافان مصطلح علم الإناسة  (إتنولوجيا)باعتباره العلم الذي يدرس "تاريخ تقدم الشعوب نحو الحضارة".

المناقشات الفرنسية-الألمانية حول الثقافة، أو النقيضة ((ثقافة))- ((حضارة)) القرن التاسع عشر-بداية القرن العشرين

ظهرت كلمة   kultur  بالمعنى المجازي في اللغة الألمانية، في القرن الثامن عشر.وبدت وكأنها نقل أمين للكلمة الفرنسية   culture .وكان لاستخدام اللغة الفرنسية _الذي كان علامة مميزة للطبقات العليا في ألمانيا آنذاك- وتأثير عصر الأنوار أكبر الأثر على ذلك النقل، وهما يفسران هذا الاقتراض.
 ومع هذا فإن كلمة  kultur  ستشهد تطوراً سريعاً وأكثر تحديداً من نظيرتها الفرنسية.وستلاقي نجاحاً أكثر من ذلك الذي لم تكن قد عرفته بعد كلمة   culture الفرنسية، لأن كلمة "حضارة" كانت قد احتلت مكان الصدارة في مفردات المفكرين الفرنسيين آنذاك.ويقول نوربير إلياس   N .Elias [1939]: إن سبب هذا النجاح يعود إلى اعتماد هذا المصطلح من قبل البورجوازية الثقافية والأرستقراطية الألمانية وإلى استخدامها لـه في معارضتها لأرستقراطية البلاط.الحقيقة أنه لا يوجد روابط وثيقة بين البورجوازية والأرستقراطية في ألمانيا على عكس الوضع في فرنسا.فقد كانت طبقة النبلاء معزولة نسبياَ عن الطبقات الاجتماعية الوسطى وكانت قصور الأمراء محكمة الإغلاق كما استُبعِدت البورجوازية بشكل كبير، عن أي عمل سياسي.وهذه المسافة الاجتماعية غذّت شعوراَ  بالمرارة  لدى عدد كبير من المثقفين الذين وضعوا،  في النصف الثاني من القرن، القيم المسماة ب"الروحية" القائمة على العلم والفن والفلسفة إضافة إلى الدين، في مقابل قيم "المجاملات" الأرستقراطية.وهم يرون أن القيم الروحية وحدها  هي القيم الأصيلة والعميقة،  أما الأخرى فهي قيم سطحية وتفتقر إلى الصدق.

هؤلاء المثقفين المنحدرين غالباً من الأوساط الجامعية، يأخذون على الأمراء الذين يحكمون مختلف الدول الألمانية إهمالهم للفن والأدب وتكريس جلّ وقتهم لاحتفالات البلاط باعتبارهم يقلدون الأساليب "المتحضرة"للبلاط الفرنسي.كلمتان ستتيحان لهم تحديد هذا التقابل بين منظومتي القيم المذكورتين:كل ما ينشأ عن الأصالة ويساهم في الإغناء الفكري والروحي سيُعتَبرُ ناجماً عن الثقافة، أما المظاهر البراقة والخِّفة والتهذيب السطحي فينتمي إلى الحضارة.إذاً فالثقافة تتعارض مع الحضارة كما يتعارض العمق مع السطحية.وتعتبر الطبقة المثقفة البورجوازية الألمانية طبقة نبلاء البلاط متحضرة لكنها تفتقر إلى الثقافة.وكما أن الرعاع يفتقرون إلى الثقافة أيضاً فإن الطبقة المثقفة تعتبر نفسها مُكلَّفة، نوعاً ما، بمهمة تطوير الثقافة الألمانية وتلميعها.
مع هذا الوعي انتقلت النقيضة  antithèse  "ثقافة"-"حضارة" شيئاً فشيئاً من التعارض الاجتماعي إلى التعارض الوطني أو القومي[ إلياس 1939]وسنرى أن عدة وقائع متلاقية ستتيح هذا الانتقال.فمن جهة، تعززت القناعة بالروابط الوثيقة التي توحد الأخلاق المتحضرة للبلاط الألماني مع حياة البلاط الفرنسي، وهو ما ستتم إدانته باعتباره شكلاً من أشكال الاغتراب.ومن جهة أخرى برزت تدريجياً إرادة رد الاعتبار للغة الألمانية (لم تكن الطليعة المثقفة تعبر عن نفسها إلا بهذه اللغة)وتحديد ما هو ألماني،  نوعياً، في مجال العقل.وبما أن الوحدة القومية الألمانية لم تتحقق ولا تبدو قابلة للتحقق على الصعيد السياسي، فقد قامت الطبقة المثقفة التي صارت تعي رسالتها تدريجياً، بالبحث عن هذه الوحدة في الجانب الثقافي.
إن الصعود المتنامي لهذه الطبقة الاجتماعية التي كانت في ما مضى عديمة التأثير والذي أكسبها الاعتراف بها الناطق الرسمي باسم الوعي القومي الألماني وغير المعطيات كما غير سُلّم النقيضة "ثقافة"-"حضارة.
غداة اندلاع الثورة الفرنسية فقدَ مصطلح "حضارة" في ألمانيا دلالته الإيحائية الأرستقراطية الألمانية وأصبح يحيل إلى فرنسا والقوى الغربية بشكل واسع.

وبالطريقة نفسها تحولت كلمة "ثقافة"من كونها علامة مميزة للبورجوازية الألمانية المثقفة في القرن الثامن عشر إلى علامة مميزة للأمة الألمانية كلها في القرن التاسع عشر.
وأصبحت السمات المميزة للطبقة المثقفة التي كانت تستعرض ثقافتها كالصدق والعمق والروحانية، سمات نوعية ألمانية.
ويرى إلياس أن خلف هذا التطور تكمن آلية نفسية واحدة ترتبط بشعور بالدونية.الفكرة الألمانية عن الثقافة أوجدتها طبقة وسطى غير واثقة من نفسها.وتشعر أنها مستبعدة، نوعاً ما من السلطة، ومن مراتب الشرف فبحثت لنفسها عن مشروعية اجتماعية أخرى.وبعد أن انتشرت هذه الفكرة في"الأمة"الألمانية كلها  أصبحت قليلة الوضوح وصارت تعبر عن وعي وطني يتساءل عن الطابع النوعي للشعب الألماني الذي لم يتوصل بعد إلى تحقيق وحدته السياسية.وفي مقابل الدول الأخرى المجاورة مثل فرنسا وإنجلترا على وجه الخصوص، سعت "الأمة" الألمانية، التي أضعفتها الانقسامات السياسية وفجرتها إلى عدة إمارات، لتأكيد وجودها عبر الرفع من شأن ثقافتها.
 لذا فإن المفهوم الألماني للثقافة  kultur سعى منذ القرن التاسع عشر إلى تحديد الاختلافات القومية وتعزيزها.وبالتالي فإن هذا المفهوم  يعتبر مفهوماً ذاتياً     particulariste  يتعارض مع الفهوم الفرنسي العالمي ل"الحضارة" ؛وهو فهوم يعبر عن أمة حققت وحدتها القومية منذ زمن بعيد.
منذ عام 1774 انحاز يوهان غوتفريد هردر،  لوحده نسبياً، عبر نص سجالي أساسي وباسم "العبقرية القومية "لكل شعب انحاز إلى مفهوم تنوع الثقافات وغنى البشرية، ووقف ضد العالمية التوحيدية       uniformisant  التي نادى بها عصر الأنوار وحكم عليها بأنها تؤدي إلى الإفقار.كان هردر يريد أن يعيد لكل شعب كبرياءه بدءاً بالشعب الألماني وذلك في مقابل ما يعتبره إمبريالية ثقافية تنادي بها فلسفة عصر الأنوار الفرنسية.الواقع أن هردر يعتبر أن لكل شعبِ قَدَراً   خاصاً به عليه مجابهته عبر ثقافته الخاصة به، لأن كل ثقافة تعبّر،  بطريقتها الخاصة عن وجه من أوجه الإنسانية.ومفهوم هردر للثقافة التي تتميز بالانقطاع الذي لا يستبعد تواصلاً ممكناً بين الشعوب، يقوم على فلسفة أخرى للتاريخ(عنوان كتابه الصادر عام 1774) تختلف عن فلسفة عصر الأنوار.ومن هنا يمكن اعتبار هردر رائد المفهوم النسبي للثقافة: "هردر هو الذي فتح أعيننا على الثقافات"[ديمون، 1986، ص 134].
بعد هزيمة الألمان في معركة يينا عام 1806 على يد قوات نابليون، شهد الوعي الألماني انبعاث النزعة القومية تُرجمت من خلال التشديد على التأويل الذاتي للثقافة الألمانية.واتسعت الجهود الرامية إلى تعريف "الطابع الألماني"، ولم يتم التأكيد على مفهوم أصالة الثقافة الألمانية فحسب بل على تفوقها أيضاً.واستنتج بعض الأيديولوجيين من هذا التأكيد أن الشعب الألماني يضطلع برسالة نوعية إزاء الإنسانية.
وتطورت الفكرة الألمانية حول الثقافة قليلاً في القرن التاسع عشر تحت وطأة النزعة القومية، وازداد ارتباطها بمفهوم "الأمة".الثقافة تنشأ عن روح الشعب وعن عبقريته.والأمة الثقافية تسبق الأمة السياسية وتستدعيها.وتبدو الثقافة كمجموعة من الفتوحات الفنية والفكرية والأخلاقية التي تشكل ميراث أمة ما وتعتبر هذا الميراث متحققاً بشكل نهائي وهو يؤسس وحدتها.
ينبغي ألا نخلط هذه الفتوحات الروحية بالإنجازات التقنية المرتبطة بالتقدم الصناعي والمنبثقة عن نزعة قومية تفتقد إلى الروح.وصار ظاهراً للعيان خلال القرن التاسع عشر أن الكتّاب الرومانسيين الألمان أخذوا يقابلون الثقافة،  بماهي تعبير عن الروح العميقة لشعب معين، بالحضارة التي أصبحت تُعرف من الآن فصاعدا من خلال التقدم المادي المرتبط بالتطور الاقتصادي والتقني.هذه الفكرة الذاتية  essentialiste والحصرية  particulariste عن الثقافة تتطابق تماماً مع المفهوم العرقي-العنصري للأمة(مجموعة من الأفراد الذين يجمعهم أصل واحد) الذي تطور في الوقت ذاته في ألمانيا وشكل أساساً لتكون الدولة-الأمة الألمانية[ ديمون، 1991].
أما في فرنسا فقد اختلف تطور الكلمة خلال القرن التاسع عشر اختلافاً كبيراً.ولا شك أن نوعاً من الافتتان الذي ساد بعض الأوساط المثقفة إزاء الفلسفة والآداب الألمانية التي كانت في عزّ ألقها، قد ساهم في توسيع فهم الكلمة الفرنسية    culture .ف"الثقافة" اغتنت ببعد جماعي ولم تعد تُنسَبُ إلى التطور الفكري للفرد فحسب.بل تشير أيضاً إلى  مجموعة من الصفات الخاصة بجماعة بشرية معينة، بمعنى غالباً ما كان واسعاً ومشوشاً.كما نجد تعابير مثل" ثقافة فرنسية أو ألمانية أو"ثقافة الإنسانية".وهنا تقترب كلمة "ثقافة" كثيراً من كلمة "حضارة"ولطالما استخدمت إحداهما للدلالة على الأخرى.
وبالتالي فقد بقي المفهوم الفرنسي متميزاً  بتركيزه على فكرة وحدة النوع البشري.واستمر مفهوم الفكر العالمي في فرنسا طيلة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.الثقافة بالمعنى الجماعي، هي" ثقافة البشرية" قبل أي شيء.وعلى الرغم من التأثير الألماني، فإن فكرة الوحدة انتصرت على فكرة وعي التنوع:إذ وراء الاختلافات التي يمكن ملاحظتها بين "ثقافة ألمانية"و"ثقافة فرنسية" هناك وحدة الثقافة الإنسانية. أكد أر نست رينان في محاضرة شهيرة له عام 1882 بعنوان "ما لأمة؟" في جامعة السوربون على أنه "قبل الثقافة الفرنسية والثقافة الألمانية والثقافة الإيطالية كانت هناك الثقافة الإنسانية".
لكن أهمية النزعات الذاتية تضاءلت.ولم يقبل المثقفون أن تكون الثقافة قومية قبل أي شيء، كما رفضوا المقابلة التي يقيمها الألمان بين "الثقافة"و"الحضارة".وتبعاً للمنطق السليم،  فإن الفكرة العالمية الفرنسية حول الثقافة تنسجم مع المفهوم الانتقائي  elective للأمة، وهو من مفاهيم الثورة،  يقول رينان:" إن من يرى نفسه في الأمة الفرنسية مهما كان اصله فإنه ينتمي إليها."
في القرن العشرين أدت المنافسة بين النزعتين القوميتين الفرنسية والألمانية، وكذلك المواجهة الشرسة إبان حرب 1914-1918 بين فرنسا وألمانيا أدت إلى تفاقم الجدل الإيديولوجي بين مفهومين حول الثقافة.وتحولت الكلمتان إلى شعارين يتم استخدامهما كما تستخدم الأسلحة.يرد الفرنسيون على الألمان الذين يزعمون الدفاع عن الثقافة (بالمعنى الذي يفهمونه) بقولهم أنهم أبطال الدفاع عن الحضارة.وهذا ما يفسر الانحدار النسبي الذي أصاب فرنسا في بداية القرن العشرين عبر استخدامها لمصطلح "الثقافة"  بمفهومه الجماعي.وتميزت الإيديولوجية القومية الفرنسية بوضوح عن منافِستها الألمانية حتى في مفرداتها.ومع ذلك، فقد امتد صراع الكلمات بعد انتهاء صراع الأسلحة كاشفاً النقاب عن تعارض إيديولوجي عميق يمكن اعتباره بمثابة دعاية حربية.
إن الجدل الفرنسي-الألماني الذي امتد من القرن الثامن عشر حتى القرن العشرين هو نقاش نمطي(أولي) archétypique للصراع بين مفهومين للثقافة وهما في العمق شكلان لتحديد مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية المعاصرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق