الاثنين، 24 أكتوبر، 2016

التباين الثقافي

المقاربة التفاضلية
مع أن أعمال لوسيان ليفي-بروهل(1857-1939) لم تشهد الصدى والتأثير  نفسه الذي شهدته أعمال دوركهايم لكننا نلاحظ  أن الإتنولوجيا الفرنسية،  في بداياتها وعبر اثنين من مؤسسيها  كانت تتردد بين مفهومين للثقافة : الأول واحدي  unitaire والثاني تفاضلي différentielle  وقد بلغت المواجهة بين هذين المفهومين عبر مناقشات علمية أشدها ،  الأمر الذي ساهم كثيراً في تطوير الإتنولوجيا الفرنسية.ويحق لنا اعتبار ليفي-بروهل أحد مؤسسي فروع الإتنولوجيا في فرنسا. والواقع أنه من أوائل الباحثين الفرنسيين الذين كرّسوا قسماً كبيراً من أعمالهم لدراسة الثقافات البدائية.أما على الصعيد المؤسسي فنحن ندين له بتأسيس  الإتنولوجيا في جامعة باريس عام 1929  التي أهّلت الجيل الأول من الإتنولوجيين الميدانيين تحت إشراف مارسيل ماوس  M.Mauss  وبول ريفيه  P.Rivet الذين أوكل إليهما الأمانة العامة للمعهد المذكور.
منذ عام 1910 وضع ليفي-بروهل،  عبر كتابه الوظائف العقلية في المجتمعات الدنيا،   قضية التباين الثقافي في مركز تفكيره.وتساءل عن الفروق القائمة بين "العقليات" التي يمكن أن تكون موجودة بين الشعوب.ومفهوم "العقلية "هذا لم يكن بعيداً  عن المفهوم الإتنولوجي للثقافة الذي لم يستخدمه أبداً.وانصبّ جهد بروهل كله على دحض النظرية التطورية الوحيدة الاتجاه   unilinéaire  وعلى أطروحة التقدم العلمي.وكان، على وجه العموم، يعارض فكرة "البدائيين" نفسها مع أنه استخدم هذا المصطلح كثيراً  لوقوعه تحت تأثير سياق الفترة التي عاش فيها.وهو لا يعتبر أفراد المجتمعات ذات الثقافة الشفوية "أطفالاً كباراً" يتمتعون بنمط التساؤلات نفسه التي يطرحها "المتحضّرون" المعتبرون وحدهم راشدين.وذلك من خلال تقديم أجوبة ساذجة"طفلية"ويؤكد في كتابه العقلية البدائية على أنه :
"إذا لم يتم تأويل النشاط العقلي للبدائيين بشكل مسبق على أنه شكل مسبق لنشاطنا باعتباره نشاطاً طفليّاً ومَرَضيّاً  تقريباً [...]فإنه  سيبدو عادياً في الشروط التي يُمارَس فيها كنشاط مركّب ومتطور تبعاً لطريقته.[ 1922،
ص 15-16]
كان ليفي-بروهل  يحتج على مفهوم محدد لوحدة النفسpsychisme  البشرية التي تقتضي وجود صيغة عمل وحيدة.ولم يكن يتفق مع أطروحات  تايلور على مذهب حيوية البدائيين(تايلور يعتبر أن الحيوية  animisme  هي أقدم شكل من أشكال المعتقد الديني أي الاعتقاد بالوجود وبلاأخلاقية الروح، وبالتالي الإيمان بالكائنات الروحية، وهو اعتقاد يقوم  أساساً على تفسير الأحلام).كما كان  ينتقد إلحاحه الذي يعتبره مفرطاً، حول البرهنة على طابعه "العقلاني".وللأسباب نفسها كان يختلف مع دوركهايم في سعيه للبرهنة على أن البشر في المجتمعات كلها يملكون عقلية  "منطقية"  تخضع بالضرورة إلى قوانين العقل نفسها.
وفي المقابل،  لم يقبل دوركهايم تمييز ليفي-بروهل بين "عقلية بدائية" و"عقلية متحضرة"،  لكن النقد الذي وجهه عام 1912، في ملخصه  لأول كتاب نشره  هذا الأخير حول تلك المسألة كان يتسم بتوجه تطوري تقليصي.
ومهما بلغ الخلاف بين هذين الشكلين للعقلية البشرية فهما لم ينبعا من مصادر مختلفة،  إنما نشأ أحدهما عن الآخر وهما تعبير عن فتؤتين من التطور نفسه.
هذه الخلافات بين ليفي-بروهل ونظرائه لم تكن سوى تعبير عن جدلٍ علمي شديد الحيوية حول مسألة الغيرية والهوية الثقافية.وساهم ليفي-بروهل بنصيب لا يمكن إنكاره في هذا النقاش.هنا يمكننا التساؤل عن الأسباب الكامنة وراء سوء  فهم هذه المساهمة، ثم تشويهها ورفضها في نهاية الأمر ثم جاء النسيان فطوى جزءاَ كبيراً منها.
أجاب دومينيك ميرلييه   D.Merllié (1993) على هذا التساؤل واقترح قراءة جديدة لهذا المؤلف بعيداً عن الأحكام المسبقة.وخلافاً لما عُرف عن أعماله فقد تبين أنها لم تكن تنبع من مركزية عرقية  ethnocentriques .وقد أُلحقت بها هذه الصفة للتقليل من أهميتها، بينما كان جهد بروهل منصبّاً على محاولة التفكير حول الاختلاف انطلاقاً من مقولات مكتملة.لكن هذه المحاولة تناقضت مع مفهوم العالمية "المجردة" لعصر الأنوار ومع مبادئه الأخلاقية التي كانت تشكل إطاراً مرجعياً لأغلب المثقفين الفرنسيين في بداية القرن.
إن ما يسمى بأطروحة ليفي-بروهل قدمها هو نفسه على أنها "فرضية عمل" كما يقول ميرلييه.ولم يمنعه سعيه لتوضيح اختلاف العقليات من تأكيد وحدة النفسانية  psychismeالبشرية، وكان يرى أن وحدة البشرية أكثر أهمية من التنوع، ومفهوم "العقلية البدائية" (" أي عقلية ما قبل المنطق") لم تكن سوى أداة للتفكير في الاختلاف.وقد يقال كل شيء عن بحثه الذي كان يستدعي صراحة القيام باستطلاعات ميدانية عدا كونه بحثاً دوغمائياً.
ويرى هذا المؤلف أن الاختلاف لا يستبعد التواصل بين المجموعات البشرية، بل يبقى ممكناً طالما أن هذه المجموعات تنتمي إلى إنسانية مشتركة.وبالتالي ليس هناك انقطاع مطلق بين مختلف ا"لعقليات"  التي لا تتأثر بأنواع المنطق المتناقضة.والاختلاف بين الجماعات سببه أشكال ممارسة التفكير وليس البنى النفسية العميقة باعتبارها كذلك.
إذاً كان ليفي-بروهل يظن أن عقلية "ما قبل المنطق" و "العقلية المنطقية" ليستا متنافرتين ويمكن أن تتعايشا في  كل مجتمع، لكن تفوق إحداهما على الأخرى يمكن أن يختلف تبعاً للحالة، وهذا ما يفسر تنوع الثقافات ولجوء بروهل إلى مفهوم "العقلية" لا يعني أنه يزعم أن منظومات التمثل وأشكال المحاججة في كنف الثقافة الواحدة يشكل مجموعة مستقرة تماماً ومتجانسة.لكنه كان يريد،  من خلال ذلك، الإشارة إلى التوجه العام لثقافة معينة.
لا شك أن مفهوم "العقلية" لم يستطع فرض نفسه على الإتنولوجيين بسبب الانتقادات ومحاكمات "النية" غير العادلة التي وجهت إلى ليفي-بروهل، والتي كان لها علاقة بتلك الانتقادات التي ستوجه لاحقاً إلى الثقافويين،  كما يلاحظ دومينيك ميرلييه:
"لا شك في أن الطريقة التي تم بها الحط من شأن أبحاث بروهل تشبه الطريقة التي وجهت إلى أعمال الثقافويين.لا سيما وأن بروهل قد وضع بداية التحليلات القريبة جداً من تحليلات الأنثروبولوجيين الثقافويين [...] [ 1993، حاشية 26، ص، 7).
وشهد مفهوم "العقلية" نجاحاً كبيراً لدى  مؤرخي "الحوليات".وإن استخدم هذا المفهوم من جماعة هذه المدرسة،  بمعنى أقل شمولية عموماً وأقل توجهاً نحو علم النفس،  لأن هذه الجماعة كانت مهتمة،  عموماً بالتفاضل الاجتماعي في المجتمع نفسه.

العرقية المركزية
أول من ابتدع هذه الكلمة هو عالم الاجتماع الأمريكي ويليام ج.
سومر w.g summer وظهرت للمرة الأولى عام 1906 في كتابه الموسوم  FALKWAYS  . والعرقية المركزية كما جاء في تعريفه هي مصطلح فني (تقني) للتعبير عن رؤية معينة للأشياء تقول إن الجماعة  التي تنتمي إليها هي مركز الأشياء كلها , وإن الجماعات الأخرى تقاس وتقوّم مقياساً إليها ]....[ وكل جماعة تغذيّ كبرياءها وغرورها وتزعم أنها الأفضل , وتمجّد آلهتها الخاصة بها وتنظر إلى الآخرين باحتقار . وتظن كل مجموعة أن أعرافها 
(FALKWAYS) هي وحدها الجيدة وإذا لاحظت أن جماعات أخرى تتمتع بأعراف   مختلفة,  وتنظر  إلى الآخرين بعين الاحتقار (ساق هذا الشاهد سيمون ]1993,ص75[).
مثل هذا الموقف يبدو شاملاً بأشكال مختلفة تبعاً للمجموعات  . وكما كتب كلود ليفي شتراوس : أنه طالما صعب على الناس رؤية تنوع الثقافات باعتباره " ظاهرة طبيعية " ناتجة عن العلاقات المباشرة بين المجتمعات ]1952[. أغلبية الشعوب المسماة بـ"البدائية " ترى أن البشرية تتوقف عند حدودها العرقية أو اللغوية , ولهذا فهي تطلق على نفسها صفة عرقية ethnonyme تعني , تبعاً للحالة , " البشر " ,"الرائعون"أو "الحقيقيون"وذلك في مقابل الأجانب الذين لا تعترف بأنهم كائنات بشرية مستقلة.
أما المجتمعات المسماة بـ"التاريخية"فتصادف الصعوبة نفسها في إدراك فكرة وحدة البشرية عبر التنوع الثقافي . العالم اليوناني-الروماني القديم كان يصف كل من لا ينتمي إلى الثقافة اليونانية- الرومانية بـ "البرابرة". وبعدها استخدمت أوروبا الغربية عبارة "المتوحش"بالمعنى نفسه وذلك من أجل استبعاد كل من لا ينتمي إلى الحضارة الغربية،  أي  رميه  في الطبيعة. ومن خلال هذا الموقف فإن الفرنسيين يتصرفون بالتالي  تماماً"كالبرابرة" أو "المتوحشين" . وفي نهاية المطاف ألا يحق لنا الظن (الاعتقاد)مع كلود ليفي شتراوس بـأن  " البربري"هو قبل أي شيء إنسان  يؤمن بالبرية "]1952[؟.
العرقية المركزية يمكن أن  تكتسي أشكالاً مفرطة في عدم التسامح الثقافي والديني وحتى السياسي . كما يمكنها أن تتخذ أشكالاً دقيقة وعقلانية . في ميدان العلوم الاجتماعية , يمكننا التصرف كما لو كنا نعترف بظاهرة التنوع الثقافي مع النظر إلى تنوع الثقافات على أنه مجرد تعبير عن مراحل مختلفة , وعن سيرورة حضارية وحيدة . وهكذا فإن التيار التطوري في القرن التاسع عشر الذي حينما تصور وجود "مراحل"من التطور الاجتماعي الأحادي الاتجاه, كان يسمح لنفسه  بتصنيف الثقافات الخاصة وفقاً لنفس السلم الحضاري.
الاختلاف الثقافي ليس –في هذا المنظور-إلا اختلافاً ظاهرياً :وهو محكوم عليه بالتلاشي عاجلاً أم أجلا .
وبعد أن انفصلت الأنثروبولوجيا الثقافية بشكل نهائي عن هذا المفهوم  أدخلت فكرة نسبية الثقافات واستحالة تراتبيّتها بشكل مسبق. وأوصت بتطبيق منهج الملاحظة المشاركة لكي تنجو من نوع من أنواع المركزية العرقية خلال إجراء التحقيق.  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق