الأحد، 16 أكتوبر، 2016

اهمية شبكات التواصل الاجتماعي في ثورة تونس

تأثير شبكات التواصل الإجتماعي

في الآونة الأخيرة اطلقت على الانتفاضات الجماهيرية والثورات الشعبية, التي اجتاحت شمال إفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط وما زالت متواصلة, أطلقت عليها تسميات عديدة منها: (ثورة الفيس بوك, الربيع العربي, ثورة الياسمين, ثورة الفراعنة, الثورة الخضراء, وثورة الكرامة,) وغيرها, وبالرغم من أحقية هذه التسميات وتوق الشعوب إلى الإنعتاق والحرية, فإن شبكات التواصل الإجتماعي لعبت دوراً ريادياً في هذه التحركات الشعبية, وإن أبطالها هم أناس عاديون من جيل الشباب, المحرومون من أبسط الحقوق المدنية في الحرية والعمل وإبداء الرأي والتجمهر والتظاهر, هذا الجيل من الشباب أختار أن يقف بوجه الحكام الطغاة ويطالبهم بحقوقه المشروعة, حاملاً سلاح العلم والمعرفة والرأي الجريء, فتحول هؤلاء الشباب إلى صحفيين ومراسلين وكتاب في لحظة من الزمن, وقد لا يكون الغالبية العظمى منهم يعرف شيئاً قبل هذه الأحداث, عن ماهية شبكات التواصل الإجتماعية ودورها في بث روح التحدي لديهم.

بالطبع استخدموا هذه الشبكات كوسيلة تفاعلية بينهم, ونشر وتبادل الأخبار والمعلومات الهامة, وتحديد مواعيد وأماكن التحشدات الجماهيرية التي ينوون الانطلاق منها, إلى أماكن ذات تأثير رمزي على جميع المواطنين كالساحات والميادين العامة, كما أوصلوا أنباء تلك التحركات الجماهيرية إلى كافة أنحاء العالم, عبر شبكات التواصل الإجتماعية والهواتف النقالة والفضائيات التليفزيونية, مستعملين كلمات جديدة أضيفت إلى قواميس الاتصالات والعمل الصحفي, ومنها ما تختصر على كلمة واحدة كالشفرة مثل: (عاجل, متظاهر, عاجل جداً, ومؤكد) وغالباً ما تستخدم هذه الشفرات في الهواتف النقالة, وكذلك عبارات تستخدم في شبكات التواصل مثل: (يرجى نشره بأسرع وقت, واتصال من ميدان التحرير), وفي بعض الأحيان تعزز هذه العبارات بمقاطع فيديو تسجل الحدث زمانياً ومكانياً في آن واحد, ويلاحظ أن ذلك برز بشكل خاص في تحركات الجماهير الاحتجاجية في إيران.

الثورة التونسية (ثورة الياسمين):

لقد أطلقت تسمية (ثورة الياسمين) على الأحداث الثورية في تونس الخضراء, هذه الأحداث التي أشعل شرارتها, إقدام الشاب (محمد البوعزيزي) بائع الخضار الذي يحمل شهادة جامعية وعاطل عن العمل على حرق نفسه, احتجاجاً على مصادرة أحد رجال البوليس لعربة الخضار التي كانت مصدر رزقه وعائلته.

هذا الحدث المأساوي دفع بالشباب التونسي إلى النزول إلى الشوارع متحدين قمع السلطة وجبروتها, مستخدمين الفيس بوك سلاحاً فعالاً في تجمعاتهم واحتجاجاتهم السلمية, مستغلين عدم وجود رقابة على شبكات التواصل الإجتماعية في تونس حينذاك, وأوصلوا صوتهم للعالم أجمع بالكلمة والصوت والصورة, من خلال النشر في صفحات الفيس بوك وإرفاقها أحياناً بمقاطع فيديو, فسمع ورأى العالم كله الصراع العنيف بين الجماهير الشابة والأجهزة القمعية التونسية, فحصلوا على التعاطف العالمي وانحياز كل مدافع عن الحرية والديمقراطية إليهم في كافة أنحاء الأرض. وانتقلت شرارة الثورة إلى كافة المدن التونسية من خلال الشبكات الإجتماعية, بعد أن كانت محصورة في تونس العاصمة.

وترى الكاتبة آمال ألصالحي أن سلاح الإعلام الجديد هو أمضى من أسلحة الطغاة التقليدية فتقول: "ولى زمن حروب الأسلحة، وفتح المجال أمام الإعلام الجديد ليشن حربه ويقول كلمته، ولن أبالغ إذ قلت أنه أصبح سلطة أولى وأداة لتغيير المجتمعات، فوائده جمة، يكفي أنه أسقط حاجز الخوف بين الشعوب تجاه الأنظمة وصارت الرقابة خارج السيطرة، وفي هذا رد اعتبار للمواطن ولحقوقه كإنسان، كما صار منبراً للدفاع عن قضايا الأمة الكبرى ونشر المطالب ورفع التظلمات، ومساهماً فعلياً في التثقيف ونشر العلم والمعرفة". (98 موقع إلكتروني).

ويرى الباحث أن: "مأثرة الشباب التونسي تجاوزت حدود بلادهم, لتصل إلى مصر ومنها إلى العديد من دول المنطقة, فقد تجاوز هؤلاء الشباب عقدة الخوف المزمنة, التي كانت تكبل أيادي آبائهم وتكتم أصواتهم وتسد أفواههم وتمنعهم من المطالبة بحقوقهم المشروعة, وبما أن هؤلاء الشباب لم يعيشوا زمن النكبات والانتكاسات والهزائم العربية, في حروب عبثية حصدت من الأرواح الآلاف وتضرر منها الملايين من البشر, ودمرت إمكانيات البلدان وكبدت اقتصادياتها المليارات من الدولارات.

ناهيك عن استشراء ظاهرة الفساد السياسي والإداري, وما نتج عنها جراء فقدان المعيلين للكثير من العوائل, من تحطم الأواصر الإجتماعية وتفكك الروابط العائلية وتدني القيم الأخلاقية, وهذا ما توافق مع إرادة الحكام الطغاة في السعي لتهميش المجتمعات وتفكيكها حتى تسهل قيادتها, فإن زمن الآباء هذا ولى مهزوماً أمام إرادة هؤلاء الشباب الأحرار, الذين أبدعوا في توظيف أرقى وسائل التكنولوجيا الحديثة, في هدف تحقيق مطامحهم في الإنعتاق والحرية والانتصار على الحكام الطغاة".

ويؤكد هذا الرأي الدكتور فتحي حسين عامر في كتابه: (وسائل الإتصال الحديثة من الجريدة إلى الفيس بوك) بالقول: "ويبدو اليوم أن هذا التفاعل والحوار والجدل والنقاش السياسي والفكري والاجتماعي قد أفرز حالة من الوعي المختلف والذي يمكن أن يكون ضمن روافد عديدة أحد مفجرات ثورتي تونس ومصر, أو على الأقل من بين عوامل تنسيقها وتحركها". (9- عامر ص 187).

لقد استفاد الشباب التونسي في بداية تحركهم من المعلومات التي سربها موقع (ويكيليكس) الإلكتروني, عن رسالة سفير الولايات المتحدة الأمريكية في تونس, التي تحدث فيها عن الثروة الطائلة التي يمتلكها الرئيس التونسي (زين العابدين بن علي) وزوجته, فكانت تلك الرسالة مادة دسمة تلاقفها المحتجون ونشروها على مواقعهم في (الفيس بوك, تويتر, اليوتوب, المسنجر, والهواتف النقالة) وفي الشبكات الإجتماعية الأخرى, الأمر الذي أدى إلى إقبال ملفت من الشباب على هذه المواقع, فحفزت فيهم تلك المعلومات إلى جانب الوضع المتردي في البلاد عموماً روح الانتفاضة والثورة, وكانت الجماهير الشبابية مهيأة للانطلاق في أول إشارة تظهر, فجاءت الشرارة الأولى من إقدام الشاب (محمد البوعزيزي) على إحراق نفسه.

وهذا ما يدعو إلى التوقف عند أهمية الوسائل الإعلامية, التي لم تعد بسيطة كما كانت قبل ظهور الثورة التكنولوجية, فتخطت دورها في عصر التقنية الحديثة كوسائل إعلامية ذات سلطة معنوية محددة, فأصبحت محركاً فاعلاً للشعوب من أجل المطالبة بتحقيق مطالبهم المشروعة, وأصبحت أيضاً عاملاً مؤرقاً دائماً للحكومات المستبدة والحكام الدكتاتوريين.

ويتساءل الدكتور فتحي حسين عامر عن المدى الذي ستبلغه ثورة الفيس بوك بالقول: "إلى أين سوف يقودنا الفيس بوك؟ هل سيقودنا لثورات علمية ناجحة وأن يكون ملتقى ثقافي واجتماعي وسياسي قوي ومؤثر في حياتنا؟ أم سيقودنا لتفاهات واختراقات وتقلبات في الحياة السياسية؟ هل سيكون ثمن الحرية في التعبير عن الرأي غالياً لنا؟ أم سيكون ثمناً بخساً علينا؟ فهل حقاً الحرية المطلقة مفسدة مطلقة؟ أم ستكون الحرية هي طريق الإبداع". (9- عامر ص 214).

فإلى أين ستقودنا هذه الوسائل الاتصالية الحديثة ومنها بالطبع شبكات التواصل الإجتماعية, وماذا بعد الدور الذي لعبته وتلعبه في تحريك الجماهير الغاضبة؟. ويقول في هذا الصدد (تشارلي بيكيت) مدير مركز (بوليس) للأبحاث في لندن إن: "مواقع التواصل الإجتماعي على الإنترنت لا تخلق ثورات، بل يخلقها الفقر والغضب والحكام المستبدون، لكن في هذه الحالات شاهدنا كيف عملت مواقع التواصل الإجتماعي على الإنترنت على تنظيم الناس والترويج للرسالة، وكانت وسيلة للهجوم على من هم في السلطة، ولإبلاغ العالم الخارجي أن الناس هنا غاضبون ونشيطون، لذلك أعتقد أن مواقع التواصل الإجتماعي على الإنترنت كانت فعالة بصورة ملحوظة في وقت قصير جداً". (99 موقع إلكتروني).

وحول دور شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الإجتماعية في عملية تنظيم مسيرة الاحتجاجات يؤكد (بيكيت): "الناس يتعلمون من بعضهم البعض، الناس في ليبيا ينظرون إلى ما حدث في مصر، والناس في مصر قالوا إنهم نظروا إلى ما فعله نظراؤهم في تونس مع الفيس بوك والبريد الإلكتروني والوسائل الأخرى، إذن فهم يتعلمون الدروس عن تنظيم الحملات والنشاط والديمقراطية, والوسائل التي يمكن أن يستخدموها على الإنترنت، هم يقلدون بعضهم البعض، ويتبنوه ويجدونه فعالاً بحق بالنسبة لثقافتهم".
(99 موقع إلكتروني).

ويخلص الباحث إلى القول: "إن من يرى في ثورة الشبكات الإجتماعية قوة تهز عروش الطغاة, لا يستثني فيما يرى أن هذه القوة تطال أيضاً غالبية الحركات الوطنية والأحزاب السياسية والتنظيمات التقليدية, وهذا فعلاً ما أثبتته الثورات الشعبية التي حدثت في: (تونس, مصر, ليبيا, اليمن, سوريا, والبحرين) وغيرها, وقد لا يستثنى بلد في المنطقة من رياح التغيير هذه, التي تساعد في دفعها وتحريكها شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الإجتماعية".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق