الأحد، 9 أكتوبر، 2016

التراجيديا الكوميديا الفكاهة الدراما


التراجيكوميدي Tragi- Comédy :
       تجمع هذه القيمة الجمالية بين التراجيديا، والكوميديا، حيث "تحتل التفاهة والحقارة والخساسة مكان الفخامة والعظمة ومكارم الأخلاق، ونقطة الفصل بين التراجيديا والتراجيكوميدي .. (هو) الضحك وأحيانا السخرية في نهاية الأمر.."[1].
      ولقد كانت هذه القيمة الجمالية، محل اختلاف بين الدارسين والباحثين الجماليين، إذ رأى "بوالو" ( 1636-1711) "أن البكاء والضحك خصمان لا يجتمعان.."[2]، إلا أن مضمون هذه القيمة قد يكون قابلا لحمل المضحك، المبكي، في إطار وسائط فنية وأدبية وتكنولوجية، فقد أصبح الآن بمقدور التلفزيون، مثلا، أن يعكس هذه القيمة السابقة.
الفكاهة:l'Humeur      
       لقد ارتبطت الفكاهة بالضحك والابتسام، وتميزت عن قيمتي التراجيدي، والهزلي، لكونها قيمة جمالية مستقلة بذاتها، فجوهرها هو الارتباط بالحالة النفسية للمتلقي، ومدى معايشته لتجربة الفكاهة كعملية فنية. ولقد صنف الباحث الجمالي "إيتيان سوريو" تعاريف الفكاهة في قسمين: الأول: يعرف الفكاهة من حيث كونها خاصية من خصائص الهزلي، وباعثة على الضحك.
الثاني: يعرف الفكاهة في تمايزها عن الهزلي، من حيث قدرتها على جعلنا نبتسم دون أن نضحك.[3]
             وعرف "شارل لالو" الفكاهة ".. بأنها عاطفية وجدلية، وحماسية، وباردة، متهاونة، ومازحة، واقعية، وخيالية، فضة، ورقيقة، فوضوية، واجتماعية، أخلاقية، وخارجة عن المجال الأخلاقي .. ميتافيزيقية ومازحة.."[4]، وعرفت بأنها ".. تجاوب بين ما هو مضحك، أو غير معقول، أو ما يتميز بصفة التناقض في القول والفعل، والحركة، وبين قدرة الإنسان العقلية على إدراك هذه العناصر، وتقديرها، والتعبير عنها.[5]
             ويرى "جلين ويلسون"Glenn Wilson ، أن الفكاهة "..إنما تنشأ من مزيج من الدفء والأمن، من ناحية، والعداوة، أو الخوف من ناحية أخرى.. (وهي) تمزج بين الميل إلى الاسترضاء (الابتسام) وبين السيطرة (الضحك)"[6].
             لقد اكتفت التعريفات السابقة، بتقديم الخصائص الظاهرية للفكاهة، بالاكتفاء بعملية الوصف، دون تعريف يلج في جوهر وعمق القيمة الجمالية، لذلك فهي غير واضحة.
وينفرد "جورج سانتيانا" بنظرته للفكاهة حين يضع لها مجموعة من الأسس منها[7]:
-       ضرورة مزج الضعف بالعاطفة.
-       لا بد أن يوجد في شخصية الرجل الفكاهي ناحية مضحكة، سواء كانت هذه الناحية غرابة الأطوار، أم سلامة الطوية.
-       وجود الرجل الفكاهي في موقف متناقض.
-       لا يمكن أن نضحك من الشخص الذي نحبه*.
-       الاستجابة الجمالية.
-       المشاركة الوجدانية.
       وبهذا يمكن اعتبار الفكاهة، ظاهرة نفسية اجتماعية، ذات أهداف فنية، جمالية، ترويجية، خاضعة للمرجعية القيمية والثقافية للمجتمع الذي أنتجها.
       وللفكاهة وظائف عاطفية داخل المجتمع، لخصها "زيف" Ziv (1984) في عناصر هي:[8]
-       تخفيف من وطأة المحرمات الاجتماعية – النقد الاجتماعي –
-       ترسيخ عضوية الجماعة – الدفاع ضد الخوف والقلق –
       وتجدر الإشارة هنا، إلى أن للفكاهة حدودا وضوابط ينبغي أن تتقيد بها، فما يعتبر مثيرا للفكاهة في مجتمع ما عبر الوسائط الفنية المختلفة، قد لا يعتبر مجالا للفكاهة في مجتمع آخر.    ويقودنا هذا التمايز إلى إرجاع نظرنا إلى الطرح الديني "لأبي حامد الغزالي" حين تحدث عن المباح والمحرم في فن الهزلي، بحكم أن الفكاهة (الضحك) من المركبات الجزئية لهذا الفن، ويمكن تعريف الفكاهة كالآتي: الفكاهة هي ما يتناول حياتنا بطريقة نقدية فكاهية ومضحكة.
الدرامي: Le Dramatique
       تحتل الدراما مكانة بارزة بين قيمتي التراجيدي والهزلي، من حيث اعتمادها على بعض الخصائص الفنية للدراما، كالحوار، والعقدة، والصراع، والحل.
".. وكلمة دراما في اليونانية تعني (الحدث) .. وهي تعني أيضا إبراز الأشياء من واقع الحدث وحده، بواسطة حوار يؤديه الممثلون .."[9].
       ويرى "شارل لالو" أن الدراماتيكي ".. لا يهدف إلا إلى إثارتنا انفعاليا، ويود على الدوام أن يكون مؤثرا .. إن الدراماle Drame   تثير فينا إحساسات حيويتنا الشخصية إزاء قلق أو انعطاف ضعيف، وتثير فينا كذلك التضامن الاجتماعي، عن طريق مشاهدة أفراد متكيفين يقاسون من بيئة لم توجد لهم، وليس لأي منهم قدرة على تعديلها"[10].
       تستند هذه الرؤية في بنيتها، إلى ما أسماه "لالو" الانسجام المطلوب، وبالتالي تتحول هذه القيمة الجمالية، في تلاقيها بمضمون القيم الجمالية الأخرى، كالجميل، والجليل: ..إلى صفة الوجدانية الممزوجة بأحاسيس الجلال والعظمة. هذا التلاقي بين مضامين القيم الجمالية، لم يجعل الدرامي مقتصرا على الفن المسرحي فقط، بل أدخله مجالات عدة ذات أدوار حساسة داخل المجتمع، كالسينما والتلفزيون.. وهذا ما يجعلنا نؤكد مرة أخرى النظرة التي كنا قد طرحناها في حديثنا عن القيم عامة والقيم الجمالية خاصة، من حيث أنها قابلة لاستيعاب بعضها في إطار وسائط فنية تظهر تبعا لكل مرحلة تاريخية.
       بعد تناولنا لقيمة الدرامي، سنحاول الحديث عن قيمة جمالية أخرى، تعتبر حديثة النشأة، مقارنة بالقيم الجمالية السالفة الذكر، وهي الكاريكاتوري.


[1]- كمال عيد. فلسفة الأدب والفن. تونس: الدار العربية للكتاب، 1978، ص 81.
[2]- نايف بلوز. مرجع سبق ذكره. ص 97.
[3] - Etienne Sauriau. Vocabulaire d'esthétique. op.cit. p.839.
- [4] شارل لالو. مرجع سبق ذكره، ص 114.
- [5] أنيس فريحة. الفكاهة عند العرب، ط 1، بيروت: مكتبة راس،1962، ص 14.
[6]- جلين ويلسون. سيكولوجية فنون الأداء. ترجمة: شاكر عبد الحميد، مراجعة: محمد عناني، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2000، ص 245.
[7]- جورج سانتيانا. مرجع سبق ذكره، ص 270 – بتصرف -
* - نلاحظ هنا ارتباط الفكاهة بالحب، كما ارتبطت قيمة الجمال بالحب أيضا.
 [8]- جلين ويلسون. مرجع سبق ذكره، ص 249 – بتصرف- 
[9]- كمال عيد. مرجع سبق ذكره، ص 132.
[10]- شارل لالو. مرجع سبق ذكره، ص 275.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق