الأحد، 9 أكتوبر، 2016

القيم الجمالية المصاحبة


القيم الجمالية المصاحبة اللون التناسق الايقاع الضحك
1 – اللون:
       يعرف اللون على أنه "... تفاعل يحصل بين شكل من الأشكال وبين الأشعة الضوئية، الساقطة عليه..."[1]، ويعرف أيضا بأنه ".. المادة الحساسة التي تشاهدها العين في شكل ذبذبات ضوئية يتم تفسيرها في وعي (مخ) الإنسان ..."[2] .
       ويمتد اللون باعتباره قيمة جمالية (مصاحبة) إلى عمق الطبيعة، باعتبارها مرجعية الإنسان في إدراكه ومعرفته للألوان، "...  فالأحجار.. ، والمعادن..، والأزهار والنباتات .. والفواكه.. والحيوانات.." [3]عناصر موجودة في الطبيعة وكل عنصر يحمل تحته مجموعة من الوحدات تعكس الألوان المختلفة، حتى أصبحنا نقول: أخضر زيتوني، أصفر ليموني، برتقالي، ذهبي، فضي، برونزي،.. رغم أن الألوان الأساسية – حسب الدارسين– هي: الأصفر، الأحمر، والأزرق... ومزجها يعطي مجموع الألوان الأخرى ..."[4] ، إن وجود الألوان كقيمة جمالية ، لوحدها غير باعثة على شيء، وما يجعلها نابضة بالحياة والجمال، ومشاركتها في القيم الأخرى الأساسية كالقبيح، والجليل، والتراجيدي، والهزلي،... هو إدراكنا لها ببصرنا، حيث "... يكون هنا المصدر الأساس للجمال هو اللذات البصرية..."[5]، فلا يمكن تصور جمال كامل دون وجود للألوان المتناسقة الخاضعة للترابط السوسيو ثقافي للمجتمع الذي تجري فيه عملية التذوق اللوني الجمالي.
وتدخل الألوان في إنجاح, والارتقاء بالقيم الجمالية الأخرى كالقبيح، والجليل... من حيث كيفية استعمال نوع اللون، (أصفر، أحمر، أزرق، أخضر، بنفسجي،...) وقوته وشدته وحرارته، في إطار فني متناغم مع الجو النفسي للنوع الفني المراد تحقيق أغراضه(الجميل، أو التجميل، الأجواء التراجيدية والهزلية، والرسومات الكاريكاتورية...).
والأمر نفسه حين تستخدم هذه الألوان بطريقة متناقضة لكنها مدروسة، فقد "..اهتم رجال الفن.. اهتماما بالغا بعلاقات الألوان المتتامة، هذه الألوان التي إذا ما استخدمت كما يجب، وجعل لكل لون غالب في مساحة معينة لون آخر مضاد له، كانت النتيجة سارة للعين ومؤثرة في النفس من حيث القيمة الجمالية للشكل العام، التي يفرضها تعود الناس على رؤية الأجسام بألوان مختلفة من التشبع ..."[6].
فالتناقض، كمقابل للتجانس، والتناغم في استخدام الألوان قد لا يكون منفرا إن أحسنت القيم الجمالية السالفة الذكر احتواءه ومعرفة استخدامه. وبهذا تتغير القيمة الجمالية من شيء ملون إلى شيء آخر غير ملون، وهذا يرتبط بمدى الصدق العاطفي الوجداني الذي يعكسه الموضوع المدرك.
2 – التناسق:
       تكمن القيمة الجمالية للتناسق، في مدى تحققه في الموضوع الجمالي المدرك، فإن كنا قد تحدثنا عن الألوان سابقا، فإن تناسقها وانسجامها هو الذي يعطيها جماليتها ورونقها، ولقد تنبه الفلاسفة قديما لدور التناسق* في إضفاء الجمال على الشيء، إذ في محاورات أفلاطون، وأرسطو، وأفلوطين... تأكيد لذلك.
       ويرى "سانتيانا" أن التناسق "... يضفي على الموضوع كمالا يكون مصدرا عاما للسرور الهادئ، نعود إليه بعد أن تكون حواسنا المتعبة قد شبعت نتيجة لانغماسنا في كل ما يثيرها من لذات ."[7]
       والحقيقة أن القيم الجمالية الأساسية التي تحدثنا عنها (الجميل، القبيح، الجليل، التراجيدي، الهزلي...)، كلها تصبو لتحقيق الانسجام الخاص بها، فالتناسق في الجميل ضروري، وهو في القبيح إما غائب بالصورة التي يكون عليها في الجميل، وإما حاضر بالصورة التي ينبغي للقبيح أن يكون عليها.
والتناسق في الجليل موجود ونابع من طبيعة العلاقات التي تؤلفه، كالخوف، والتوتر العصبي والعضلي، والإحساس بالعظمة تجاه الشيء المدرك، ويكون التناسق كذلك في التراجيدي والهزلي ضروريا، من حيث شدة تجانس وتناسق الأحداث والوقائع.
3 – الإيقاع:
       ترتبط قيمة الإيقاع بقيمة التناسق، من حيث كون الانسجام داخل ضمن الإيقاع، وقد عرف "سوريو" الإيقاع Rythme بأنه تنظيم متوال لعناصر متغيرة كيفيا في خط واحد، بصرف النظر عن اختلافها الصوتي .."[8].
       ويرى "عز الدين إسماعيل" أن الإيقاع يتكون من سبعة قوانين جمعها كما يلي: "النظام، التغير، التساوي، التوازي، التوازن، التلازم، التكرار..."[9]، ويبدو أن الفنون كلها تعتمد الإيقاع كقيمة جمالية ضرورية لتمتاز به عن غيرها، فالإيقاع في الشعر ضروري، وهو في الموسيقى أساسي، والأمر نفسه ينطبق على الفنون المتبقية، وينطبق كذلك على القيم الجمالية الأساسية السالفة الذكر.
4 – الشعري:
       ترتبط قيمة الشعري، بالشعر كفن للكلمة، من حيث كونه يهتم بالجوانب الانفعالية العاطفية، وصياغتها بشكل فني يستعمل الكلمة والعبارة. ولقد خلصت معظم الدراسات النقدية الأدبية إلى أن القصيدة الشعرية ينبغي أن تكون صادقة فنيا، وحاملة لمجموعة من الخصائص النفسية والجمالية والشعورية للموضوع الذي تحدث عنه الشاعر.
       ويرتبط الشعري كقيمة جمالية مصاحبة، بالصورة الشعرية التي تقوم أساسا على "... اختيار الرمز. (الذي) تدعو إليه ضرورة نفسية، نتيجة نوع من التفكير تمليه الرغبة.. وعلى هذا ترتبط الصورة "بكل ما يمكن استحضاره في الذهن من مرئيات.. تجعل القصيدة كلها "صورة " واحدة من طراز خاص.."[10]، وبذلك ترمز قيمة الشعري إلى ما يثير فينا حاستنا الشعرية النفسية، الممزوجة بالعاطفة في لحظة تلقينا لأحد الأعمال الفنية، وبهذا تستوعب القيم الجمالية الأساسية (الجميل، القبيح، الجليل، التراجيدي، الهزلي...) مضمون قيمة الشعري، فلكي يحقق الجميل أثره لدى المتلقي ينبغي أن يكون مشحونا بالشعوري والعاطفي ..، والأمر نفسه حين نتحدث عن الجليل مثلا، من حيث هو حالة فوق الشعورية العادية، يصاحبها الإحساس بالعظمة والقوة التي تقهرنا وتجعلنا نحس بالعجز..، والأمر كذلك بالنسبة للقيم الجمالية الأخرى.
5 – البطولي : l'Héroïque.
       ارتبطت هذه القيمة الجمالية المصاحبة، ببعض الفنون كالمسرح، والملحمة، والتراجيديا، وهي في بنيتها دلالة على "... الشجاعة، والسماحة، والإقدام في الأمور العظام، ورباطة الجأش، وصلابة العود، واحتقار الموت..."[11]
       وترتبط هذه القيمة، ببعض القيم الجمالية، كالتراجيدي والهزلي، أكثر من ارتباطها بالقبيح مثلا، أو بالجميل أحيانا، وفي حاضرنا اتجهت هذه القيمة إلى ميادين أخرى، كالسمعي بصري، من خلال، الأفلام والمسلسلات..
6 – الضحك *: le rire.
       الضحك قيمة جمالية مصاحبة، ترتبط بالفن، وحضورها ضروري في بعض القيم الجمالية الأساسية، كالهزلي، والفكاهي، وأصل كلمة الضحك هو اللاتينية، ولقد غرف الضحك بأنه "... الامتعاض الناتج عن إدراك شوهة، والمتبوع فورا بسرور أكبر ناتج عن تراخي قوانا النفسية المتوترة في توجس إدراك يعتبر ذا أهمية..."[12]، ويختلف الضحك عن الابتسام من حيث درجة وشدة التوتر والتراخي الناتج عن كل منهما، فقد يكون للابتسامة في فن الرسم (ابتسام شخصية معينة)، قيمة جمالية، أكثر منها في فن الهزلية..، وبهذا يختلف الضحك كذلك عن الساتيرية، "... إذ تقل فيه شحنة السخرية والاستهزاء..."[13]، من حيث درجة وشدة التوتر والتكثيف الذي يكون عليه فن الهزلية، أو حتى الفكاهة، فالضحك بهذا قيمة جمالية مصاحبة لها خصائصها وصفاتها، تستعيرهما الفنون لأداء مهمتها الفنية الجمالية.
       لقد رأينا أن القيم الجمالية (أساسية، ومصاحبة) متداخلة فيما بينها، فهي تستوعب بعضها وتستفيد من القيم التي تخدمها، ويمكننا تقديم مجموعات كبيرة من القيم الجمالية تأسيسا على الفنون المعاصرة، كالسينما، والتلفزيون، والأنترنت.


[1]- علي شلق. الفن والجمال. ط 1، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1982. ص 41.
[2]  -Etienne Sauriau . op . cit. p.510
[3]- Jaques Aumont. Introduction à la couleur des discours aux images.  Paris. Armond colin 1974. P.41.
[4] - Ibid. p. 106.
[5]- جورج سانتيانا. مرجع سبق ذكره، ص 99.
[6]- فايزة يخلف. الأسس النفسية والفنية للصورة الإعلانية. المجلة الجزائرية للاتصال. معهد علوم الإعلام والاتصال، جامعة الجزائر، عدد: 14، جويلية 1996، ص 183
* - أنظر قيمة الجميل، ورأي أفلوطين فيه.
[7]- سانتيانا. مرجع سبق ذكره، ص 116.
[8]- عز الدين إسماعيل. الأسس الجمالية ..، مرجع سبق ذكره، ص 120.
[9]- عز الدين إسماعيل. التفسير النفسي للأدب. ط 4، بيروت: دار العودة. 1981، ص ص 75-76.
[10]- المرجع نفسه، ص 75.
[11]- جميل صليبيا. المعجم الفلسفي. بيروت، دار الكتاب اللبناني، 1982، ص 26.
*- أنظر قيمة الهزلي.
[12]- بنديتو كروتشه. مرجع سبق ذكره، ص 118.
[13]- كمال عيد. مرجع سبق ذكره، ص 185.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق