الأربعاء، 26 أكتوبر، 2016

أهمية التجارة الدولية وأسباب قيامها

أهمية التجارة الدولية وأسباب قيامها
لا يمكن لأي دولة في عالمنا اليوم أن تقوم بإنتاج كل ما يحتاجه سكانها من السلع والخدمات دون التعامل مع العالم الخارجي تصديراً واستيراداً,مما يجعل التجارة الدولية من أهم القطاعات الاقتصادية، فالكثير من الدول النامية على سبيل المثال تقوم بتصدير المواد الخام إلى الدول الصناعية المتقدمة, ثم تستورد منها السلع المصنعة،فما هي أسباب قيام التجارة الدولية؟ أسباب قيام التجارة الدولية:
1) اختلاف مستوى حيازة الدول للتقنية،فالدول التي حققت مستويات عالية جداً من التكنولوجيا تمكنت من إنتاج العديد من السلع المتطورة والتي تشكل المعرفة التكنولوجية عنصراً أساسياً فيها في إنتاجها في الوقت الذي اقتصرت فيه الدول النامية أو كثير من الدول النامية على إنتاج مواد الخام وتصديرها إلى الدول الصناعية المتقدمة،وذلك لافتقار الدول النامية إلى المهارات الفنية والتقنية وليس من المستحيل أن تتحول بعض الدول النامية إلى دول صناعية متقدمة إذا وُجدت الإرادة وتهيأت البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية المناسبة والمحفزة.
2) من الأسباب اختلاف وفرة عناصر الإنتاج بين الدول،فبعض الدول كدول الخليج مثلاً لديها فائض في رأس المال ونقص في الأيدي العاملة المدربة،ودول أخرى على العكس من ذلك كالهند ومصر ويمتد هذا التفاوت بين الدول في وفرة عناصر الإنتاج إلى الموارد الطبيعية,فدول لديها النفط وأخرى تفتقر إليه،ودول لديها الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة والمياه الوفيرة،ودول تفتقر إلى ذلك،هذا التفاوت يجعل من الصعب أن تنتج كل دولة ما تحتاجه من السلع والخدمات مما يعزز أهمية التجارة الدولية.
    3) كذلك فإن التفاوت بين الدول في وفرة عناصر الإنتاج يقود إلى تفاوت في كلفة الإنتاج بين الدول ويزيد من أهمية التخصص لخفض كلفة الإنتاج وبالتالي خفض أسعار السلع وإذا وجد التخصص أصبحت التجارة الخارجية أمراً واقعاً،تتجه الدول إلى التخصص في إنتاج سلعة ما عندما يكون لديها ميزة نسبية في إنتاج هذه السلعة دون سواها أو أكثر من غيرها بمعنى أنها تستطيع أن تنتج هذه السلعة بتكلفة أقل مما يمكن أن تنتج به في دولة أخرى وفي هذه الحالة يتم التوسع في إنتاج السلعة بحيث يزيد الإنتاج عن حاجة السوق المحلي مما يسهم في خفض كلفة الإنتاج وبيع كميات أكبر وأكثر من هذه السلعة وتصدير الفائض أيضاً إلى الأسواق الأجنبية.
ومما تجدر الإشارة إليه إلى أن التجارة الخارجية الدولية تواجه من العوائق والعقبات ما لا تواجهه التجارة المحلية مما يجعل تدفق السلع والخدمات دولياً أصعب من تدفقها محلياً لأن بيئة التجارة الداخلية تحكمها نفس الظروف وتخضع لنفس المعايير والقوانين،أما فيما يتعلق بالتجارة الخارجية فإن لكل دولة سياساتها وقوانينها الخاصة بها،ولذلك فإن السياسات والقوانين التي تحكم التبادل التجاري الخارجي متباينة ولكل دولة سياساتها وقوانينها مما يجعل هناك صعوبة في تدفق السلع خارجياً.
ثانياً: ما هو ميزان المدفوعات؟ وماذا يعني وجود عجز في هذا الميزان؟
ننتقل إلى ميزان المدفوعات نحن عرفنا أهمية التجارة الدولية وأسباب قيامها,وبالتالي عدم قدرة أي دولة على أن تعتمد اعتماداً كلياً على مواردها المادية وإمكاناتها الإنتاجية دون التبادل التجاري مع دول العالم الخارجي وهذا يقودنا للحديث عن ميزان المدفوعات،كثيرا ما نسمع أن بعض الدول تعاني عجزاً في ميزان المدفوعات،ودول أخرى يتوفر لديها فائض في ميزان المدفوعات فما هو ميزان المدفوعات؟ ميزان المدفوعات:عبارة عن سجل لكافة التعاملات الاقتصادية والمبادلات التجارية التي تتم بين المقيمين في دولة معينة وبين العالم الخارجي خلال سنة ، وهذا السجل يصف ما للدولة من حقوق وما عليها من التزامات ناشئة عن التبادل التجاري مع بقية دول العالم فإذا كان للدولة من الحقوق أكثر مما عليها من الالتزامات تجاه بقية البلدان حقق ميزان المدفوعات فائضاً أما إذا كانت التزاماتها أكثر من حقوقها فإن ميزان المدفوعات في هذه الحالة يعاني عجزاً ،ويشمل ميزان المدفوعات ثلاثة أقسام رئيسة:هي:حساب المعاملات الجارية / حساب حركة رؤوس الأموال / حساب تحركات الذهب والاحتياطيات. وتدخل كل معاملة في ميزان المدفوعات كدائنة أو مدينة. والمعاملة الدائنة: هي تلك المعاملة التي تؤدي إلى الحصول على مدفوعات من الخارج, أما المعاملة المدينة: فهي تلك التي تؤدي إلى بذل مدفوعات للخارج.
قلنا قبل قليل أن ميزان المدفوعات يشمل ثلاث أقسام؛فماذا تعني هذه الأقسام التي اشتمل عليها ميزان المدفوعات ؟
1_ حساب المعاملات الجارية: فيُعنى بتسجيل جميع قيم السلع والخدمات التي تستوردها الدولة من بقية دول العالم،وكذلك جميع قيم السلع والخدمات التي تقوم الدولة بتصديرها إلى تلك الدول.
2_ حساب حركة رؤوس الأموال:فيُعنى بتسجيل جميع حقوق والتزامات رعايا الدولة تجاه رعايا الدول الأخرى مثل:الأسهم والسندات وودائع البنوك ونحو ذلك.
3_ حساب تحركات الذهب: فيُعنى بتسجيل جميع التحركات التي يتخذها الذهب خلال عام خروجاً من الدول أو دخولاً إليها،فإذا خرج من الدولة احتسب في الجانب الدائن وكأنه سلعة تم تصديرها وإذا دخل إلى الدولة احتسب في الجانب المدين وكأنه سلعة تم استيرادها،وتستخدم الدول التي تعاني من العجز في موازين مدفوعاتها بعض السياسات التي تهدف لمعالجة هذا العجز ومن ذلك:
أولاً:خفض فاتورة الواردات باللجوء إلى فرض الرسوم الجمركية التي تؤدي إلى رفع أسعار السلع المستوردة على المستهلك كي يخفض استهلاكه للسلع ونجاح هذه السياسة يعتمد على رد فعل الطرف الآخر في التبادل التجاري.
ثانياً:خفض قيمة العملة المحلية مقابل العملات الأخرى بغرض تنشيط الطلب على الصادرات وخفض الواردات وهذه من الإجراءات التي تتبعها بعض الدول فإذا خفضت الدولة قيمة عملتها المحلية مقابل العملات الأخرى وأصبحت أسعار صادراتها أرخص مما كانت عليه في السابق بالنسبة للمستورد الأجنبي فهذه من الإجراءات التي تتبعها بعض الدول ، إذا قامت الدولة بخفض قيمة عملتها المحلية مقابل العملات الأخرى تصبح أسعار صادراتها أرخص مما كانت عليه في السابق مما ينشط الطلب على الصادرات في هذه الدولة كما يوفر الطلب على الواردات من الدول الأخرى لأن أسعار الواردات تصبح أعلى مما كانت عليه في السابق.
ثالثاً:النهوض بمستوى جودة السلع والخدمات التي يتم تصديرها مما يجعلها أكثر قدرة على المنافسة في الأسواق العالمية وبالتالي زيادة الطلب عليها ورفع قيمة الصادرات وهذا أمر لا يمكن الوصول إليه إلا بتطوير المستوى التقني وإعادة هيكلة المشروعات الإنتاجية.
ثالثاً: مفهوم سعر الصرف وأهميته في التبادل التجاري:
ننتقل إلى سعر الصرف لكل دولة من الدول عملة مستقلة خاصة بها,وتحتاج الدول لإجراء عمليات التبادل التجاري إلى سعر يربط بين العملات المتنوعة ويحدد قيمة كل عملة بالنسبة لعملة أخرى وهذا هو سعر الصرف الذي يمكن تعريفه:بأنه عدد الوحدات النقدية من العملة الأجنبية التي يتم الحصول عليها في مقابل وحدة واحدة من العملة المحلية, وعلى سبيل المثال فإن سعر الصرف بين الريال والدولار هو 3.75 ثلاث ريالات وثلاثة أرباع الريال لكل دولار فالتجار السعوديون الذين يريدون الاستيراد من إحدى الدول الأجنبية يقومون بشراء عملة ذلك البلد مقابل بيع الريال بما يكفي لشراء السلعة المستوردة والمقيمة بالعملة المحلية لذلك البلد وتحرص معظم الدول على بيع منتجاتها إلى العالم الخارجي بعملتها المحلية ولا شك أن ذلك يعين الدول في استخدام سعر الصرف كأداة التحكم بمعدلات البطالة والتضخم فضلاً عن كونه يعزز قيمة العملة المحلية عندما يزداد الطلب الخارجي عليها,أي عندما يزداد الطلب الخارجي على منتجات تلك الدولة.
القيود على التجارة الخارجية:خضعت التجارة الدولية للعديد من القيود التي تفرضها الدولة سعياً لتعظيم مصاريفها وخاصة خلال العقود التي سبقت ولادة منظمة التجارة العالمية وما زالت بعض هذه القيود قائمة ومن ذلك:
أولاً // الرسوم الجمركية:تفرض الدول الرسوم الجمركية على السلع المستوردة لحماية الإنتاج المحلي من منافسة السلع الأجنبية وخاصة عندما تكون هذه السلع سلعاً وليدة في مراحل الإنتاج الأولي أو في المراحل المبكرة للإنتاج،إذ بدون هيئة حماية لا يمكن لهذه الصناعة أن تبقى وتستمر وقد بلغ هذا النوع من الرسوم في بعض الدول مائة بالمائة لجعل الدول المستوردة أعلى سعراً من أسعار السلع المنتجة محلياً وبالتالي حماية الصناعة المحلية وربما يكون الدافع لفرض الرسوم الجمركية معالجة الخلل في ميزان المدفوعات أو رغبة الدول في زيادة إيراداتها.
ثانياً // الحصص:تقوم بعض الدول بوضع سقف أعلى للكمية التي يسمح باستيرادها من سلعة معينة
أو مجموعة من السلع ولا شك أن لذلك أثره في تقييد الاستيراد والحد من حركة التبادل التجاري.
رابعاً: منظمة التجارة العالمية :
منظمة التجارة العالمية عبارة عن إطار قانوني ومؤسسي لنظام تجاري عالمي يمكن الدول من تنمية علاقاتها التجارية من خلال المناقشات والمفاوضات الجماعية ويساعدها في صياغة وتنفيذ الأنظمة والضوابط التجارية المحلية ويعمل على فض المنازعات التجارية التي تنشأ بين الدول الأعضاء.
وقد تأسست هذه المنظمة في الأول من يناير عام 1995 م بعد سلسلة من جولات التفاوض كان آخرها جولة الأورغواي التي اختتمت في 15 من ديسمبر سنة 1993 م فحلت هذه المنظمة محل الاتفاقية العامة للرسوم الجمركية والتجارة (الجات) وقد أصبحت 76 دولة أعضاء في المنظمة منذ يومها الأول ثم زاد العدد بعد ذلك وبينما كانت الجات تقتصر على التجارة في السلع فإن منظمة التجارة العالمية أوسع نطاقاً إذ تشمل إلى جانب تجارة السلع التجارة في الخدمات وكذا حقوق الملكية الفكرية وقد احتوت منظمة التجارة العالمية على نحو 29 وثيقة قانونية تغطي مجالات متفاوتة من الزراعة إلى المنسوجات،ومن الخدمات إلى المشتريات الحكومية وقواعد المنشأ والملكية الفكرية،وتهدف العديد من اتفاقيات منظمة التجارة العالمية إلى إيجاد بيئة تجارية واستثمارية قادرة للتنبؤ وذلك بالحد من توجه الدول نحو تغيير القواعد والقوانين بسهولة والمنظمة لا تسعى لقيام تجارة حرة بشكل مطلق ينهي استخدام التعريفات الجمركية وجميع أشكال الحماية ولكنها تسعى إلى وجود منافسة مفتوحة وعادلة ولذا فقد اشتملت على العديد من قواعد التمييز والتي صممت لضمان ظروف عادلة للتجارة ومعظم الدول الأعضاء في هذه المنظمة هي دول نامية أو دول تمر بعملية تحول اقتصادي إلى اقتصاد السوق وقد أعطيت الدول النامية فترات انتقالية للتكيف مع بعض التزامات منظمة التجارة العالمية والتي لا يمكن أن تفي بها فور الانضمام للمنظمة أو في السنوات الأولى للانضمام،وقبل أن نختم هذه الحلقة نقول أن التجارة الدولية أصبحت واقعاً لا غنى عنه وبعيداً عن المصالح الفردية الخاصة أو المصالح الضيقة لبعض الدول فإن المجتمع البشري بمجمله يقطف ثمار التجارة الدولية ولا ينكر أهميتها في رفع مستوى معيشة المجتمعات البشرية بشكل عام،إما تنوع إمكانات الإنتاج بين الدول وتفاوتها في وفرة الموارد الاقتصادية كما أن اختلاف الدول في مستوى حيازتها للتقنية وقدرة بعض الدول على التخصص في صناعات محددة تتوافر لديها ميزة نسبية في إنتاجها تساعدها على بناء المشروعات الضخمة التي تسهم في تخفيض تكاليف الإنتاج وتوفيرها للمستهلك أياً كان موقعه وعلى هذا الكوكب،كلها عوامل أدت إلى قيام التجارة الدولية،والتجارة الدولية حقيقة من النعم التي أنعم الله بها على خلقه فقد قال الله تعالى: {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}النحل112.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق