الثلاثاء، 11 أكتوبر، 2016

سريان النصوص الجنائية على الزمان في قانون العقوبات لدولة الإمارات

سريان النصوص الجنائية على الزمان في قانون العقوبات لدولة الإمارات([1]):
قاعدة عدم رجعية نصوص قانون العقوبات:
لتطبيق قاعدة بصفة عامة لا بد من التحقق من تاريخ العمل بالقانون الجديد، وهذا التاريخ هو الفيصل في تحديد مجاله الزمني، فما كان سابقا من الوقائع على هذا التاريخ يخرج عن نطاق سلطانه، بعكس ما يجيء فيه لاحقا، فعملا بمبدأ الشرعية الجنائية فإن قانون العقوبات لدولة الإمارات العربية المتحدة لا يطبق إلا على الأفعال التي تقع بعد نفاذه وسريانه من الناحية الزمنية، ومن ثم فإنه لا يطبق القانون الجنائي بأثر رجعي على الوقائع السابقة لنفاذه، وهذا ما نصت عليه المادة (12) من القانون العقوبات الاتحادي في قولها بأن ((يعاقب على الجريمة طبقا للقانون النافذ وقت ارتكابها)).
 وقت ارتكاب الجريمة:
وأما وقت ارتكاب الجريمة فقد حدده القانون بالوقت الذي باشر فيه الجاني نشاطه الإجرامي، لا بالوقت الذي تحققت فيه نتيجة الجريمة، وذلك بحسب نوع الجريمة، وهل هي وقتية ، أم وقتية متتابعة، أم مستمرة، أم من جرائم العادة:
فالجرائم الوقتية هي التي تتطلب سلوكاً ماديا يبدأ وينتهي لتوه، فيتحدد تاريخها بوقت إتيان الجاني نشاطه الإجرامي، حتى وإن تراخى حدوث نتيجتها الإجرامية فترة من الزمن؛ كما لو طعن شخص آخر عدة طعنات بقصد قتله فلا يموت إلا بعد أسبوع متأثراً بجراحه، وقد عبر المشرع الاتحادي عن ذلك بقوله تتمة للمادة السابقة بأن ((العبرة في تحديده بالوقت الذي تمت فيه أفعال تنفيذها دون النظر إلى وقت تحقق نتيجتها)).
وأما الجريمة الوقتية المتتابعة؛ فهي عبارة عن جريمة وقتية بطبيعتها ، لكن نفذها الجاني على دفعات بينها فواصل زمنية بقصد تحقيق غرض واحد، كمن يسرق محتويات منزل على دفعات، والقانون الذي يسري على الجريمة هو القانون الجديد ، ولو كان أسوأ للمتهم، لأن إصرار الجاني عليها حتى بعد العمل بقانون جديد يعد مرتكبه تحت طائلة هذا القانون، وبهذا نصت الفقرة الأولى من المادة (15)من قانون العقوبات الاتحادي على أن ((يسري القانون الجديد على ما وقع قبل نفاذه من الجرائم المستمرة أو المتتابعة أو جرائم العادة التي يستمر ارتكابها في ظله)).
والجريمة المستمرة يتكون ركنها المادي من حالة لها صفة الاستمرار تتطلب من الجاني نشاطا متجدداً يمتد فترة من الزمن للمحافظة على هذه الحالة، مثل إخفاء الأشياء المحصلة من جريمة، فإذا تخلل هذه الفترة قانونان خضعت الجريمة لحكم القانون الجديد حتى ولو كان أشد على المتهم، طالما ظلت حالة الاستمرار قائمة بعد نفاذه ، وبهذا نصت المادة (15) من قانون العقوبات كما هو واضح في النص السابق.
تعدد الجرائم أو العود على الجريمة([2]):
   إذا صدر قانون جديد يعد المجرم عائداً إلى الإجرام بناء على جرائم ارتكبها قبل صدور هذا القانون، ولم تكن من قبل صالحة لاعتبارها عنصراً في العود، فالراجح في هذه الحالة خضوع المتهم العائد لهذا القانون الجديد، دون أن يكون في ذلك خروج على قاعدة عدم رجعية قانون العقوبات، لأن الجاني كان عالما بالنتائج المشددة التي ستحيق به إذا هو ارتكب جريمة جديدة بالإضافة إلى جرائمه السابقة، ويصدق ذلك أيضا على حالة تعدد الجرائم إذا تقرر حكم جديد لهذا التعدد ووقعت جريمة من الجرائم المتعددة بعد العمل بهذا القانون، وبهذا قررت الفقرة الثانية من المادة (15) من قانون لعقوبات الاتحادي إذ نصت على أنه ((إذا عدل القانون الجديد الأحكام الخاصة بالعود أو تعدد الجرائم أو العقوبات فإنه يسري على كل جريمة تخضع المتهم لأحكام التعدد أو يصبح بمقتضاها في حالة عود ولو كانت الجرائم الأخرى قد وقعت قبل نفاذه)).     
القانون الأصلح للمتهم في قانون العقوبات([3]):
معنى القانون الأصلح للمتهم: هو ذلك القانون الذي يبيح الفعل أصلا بعد أن كان مجرمًا، أو يغير نوع العقوبة إلى الأخف، أو مقدارها إلى الأقل.
 فبعد أن نص المشرع الاتحادي من المادة (12) من قانون العقوبات على قاعدة عدم رجعية قوانين العقوبات، نص في الفقرة الأولى من المادة (13) على استثناء القوانين التي في مصلحة المتهم بقوله: ((إذا صدر بعد وقوع الجريمة وقبل الفصل فيها بحكم باتٍّ قانون أصلح للمتهم فهو الذي يطبق دون غيره)).
ومؤدى هذا النص أنه إذا كان القانون الجديد أصلح للمتهم فإنه يسري بأثر رجعي، أي ينطبق على الوقائع التي ارتكبت قبل نفاذه.
وتبرير هذه القاعدة، يرجع إلى اعتبارات متعلقة بالعدالة واعتبارات متعلقة بمصلحة كل من المجتمع والفرد؛ فالعدالة تقضي إفادة المتهم من النص الجديد الأصلح، حتى لا يحدث خلل بميزان العقاب حينما يظل الجاني خاضعا للنص القديم الأشد، بينما يخضع مرتكب ذات الفعل بعد العمل بالقانون الجديد الأصلح لهذا القانون الجديد، فيتفاوت بذلك مصير كل منهما، رغم تطابق فعليهما.
فهذا المبدأ شرع من أجل حماية الحرية الفردية، والمحافظة على المصلحة العامة، فلا تتعرض الحرية الفردية للخطر، ولا يضر بالمصلحة العامة، إذ الفرض أن الهيئة التشريعية قد رأت القانون الجديد أكثر ملاءمة لتحقيق هذه المصلحة من القانون القديم، وعلى هذا النحو تجتمع مصلحة المجتمع ومصلحة المتهم في آن واحد.


([1]) شرح قانون العقوبات التحادي لدولة الإمارات العربية المتحدة "القسم العام" للدكتور حسن محمد ربيع 1/72، شرح الأحكام العامة لقانون العقوبات لدولة الإمارات العربية المتحدة للدكتور أحمد شوقي أبو خطوة 1/ 75.
([2]) شرح قانون العقوبات التحادي لدولة الإمارات العربية المتحدة "القسم العام" للدكتور حسن محمد ربيع 1/76.
([3]) المصدر السابق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق