الأحد، 9 أكتوبر، 2016

صفة القبح القبيح

القبيح
 La laideur
       يقودنا الحديث عن الجمال، بالضرورة، إلى الحديث عن القبح، ذلك أن وجود الجمال في الطبيعة والفن، يقابله وجود للقبح في الطبيعة والفن كذلك.
       فالأشياء القبيحة في الطبيعة آخذة لموضعها ومكانها من حيث هي دالة على قبحها، ويعطيها إدراكنا لها صفات نابعة من تجربتنا الجمالية، فنحكم عليها بأنها قبيحة، وقد يتحول هذا القبح إلى صفة جمالية في ميدان الفن، دون أن يتغير جوهر الشيء.
       ولقد لقيت قيمة القبح تأييدا ومعارضة من قبل الدارسين الجماليين، فالقبح عند "هيغل"، ".. نسبي، والأشياء القبيحة هي تلك التي تمثل الخصائص المناقضة للحيوية العامة، أو المناقضة كما اعتدنا أن نعده صورة واضحة أو صفة للوجود الحي خاصة بها..."[1]. أما بالنسبة لعالم الجمال الفرنسي "إيتيان سوريو" فيرى أن القبيح يمكن أن يوجد في الفن لعدة أسباب منها:[2]
أ – يمثل القبح.. تحررا من مقاييس الجمال..
ب – وجود القبح (في الفن).. مرتبط بأشياء فيها شر..
       ويتبين من هذا الطرح "لسوريو" أن لكل من القبح والجمال في الفن دورا أساسيا يقومان به دون أن يقوم أحد بدور الآخر، وهذا ما يؤيده "فلدمان" Feldman، حين يرى ".. أن القيمة الجمالية للقبيح، هي في معرفة خصائصه الموضوعية، التي تتعارض مع الخصائص الموضوعية للجميل .."[3]، ذلك أن بنية القبيح – في واقع الأمر– هي صورة أخرى لما يمكن أن تكون عليه بنية الجميل بطرح ضدي. هذا الطرح الضدي، لدى "فلدمان"، كان كروتشه* قد ناقشه حين ميز بين الجميل والقبيح قائلا: "... يكون القبح مقبولا حين يمكن قهره، أما القبح الذي لا مجال لقهره، مثل ما يثير القرف والغثيان ، فيجب أن يستبعد، ثم إن مهمة القبيح، حين يقبل في الفن، هي أن يساعد على تقوية أثر الجميل.. بإنتاج سلسلة من المتضادات تجعل الملائم أقوى أثرا وأخصب متعة "[4].
       إن تأملنا في هذا الطرح يجعلنا نستفسر عن طبيعة وصفة الوعي والموقف الجماليين، ساعة "قهرنا للقبيح، بمعنى هل نحكم على شيء ما بأنه قبيح تبعا لتجربتنا الجمالية، أم تبعا لتجربتنا مع القبيح، أم هما معا، الحقيقة أنه لا توجد هناك قواعد أو مبادئ تختص بما هو قبيح، وبالتالي يكون حكمنا على القبيح عبارة عن انعكاس لوعينا، وموقفنا الجماليين، في شكل عملية إدراكية تقوم على أساس ما تم استحسانه من قبل.
       فالقبح الذي لا مجال لقهره حينما يكون كثيفا، يفترض أن يوجد ما يقابله من جمال فني، حسب تعبير "هيغل" بحكم الخيال الإبداعي. فقبح المظهر الخارجي لدى الإنسان، يمكن أن يصبح جميلا في الفن، كما يمكن أن يتجه نحو الجميل إن اقترب من القيم الجمالية الأخرى، وأخذ منها كما هو الأمر في التراجيديا، والدراما، والهزل، والضحك، والكاريكاتوري. فقد يصبح المظهر الخارجي القبيح لدى الإنسان ذا قيمة جمالية إن امتزج ببعض هذه القيم السالفة الذكر. فغالبا ما يستعمل كل من الكاريكاتوري والهزلي، عملية التشويه وقلب الصور، وتغييرها، وتقبيحها.
       وبهذا، تتداخل القيم الجمالية فيما بينها حتى تبدو وكأنها كتلة واحدة متكاملة، وفي هذا السياق، هناك من رأى، ".. أن الجمال والقبح ليسا ضدين من ناحية القيمة.. بل من ناحية الإثارة والتنبيه. فالفرق الموضوعي بينهما لا وجود له. والتجاور الشديد بين الجميل والقبيح يؤدي إلى دينامية الأضداد، والتي يدور عليها كل شيء"[5].
       إن كان ما ورد من قبل، قد أعطى مكانة لقيمة القبيح ضمن القيم الجمالية، وجعلها محل اهتمام علم الجمال، فإن هناك من أسقط هذه القيمة من مكانتها السابقة، فقد صرح "شارل لالو" بأن وجود القبح في الفن ليس ".. غياب الانسجام فحسب، ولكنه أيضا الاتجاه السلبي أو العدائي حيال الانسجام ..."[6].
       بهذا، يبقى القبيح قبيحا دون الحاجة لأن يصبح حاملا لقيمة أخرى تغير ملامحه ومضمونه، وتدخله ميدانا لا يليق به، ورغم هذا الاختلاف بين المؤيدين والمعارضين للقبيح، فإنه استقر كقيمة جمالية مع مثيلاتها من القيم الجمالية الأخرى، ويمكن تعريف القبيح كالآتي: هو ما افتقد للخصائص والمواصفات التي أجمع عليها المجتمع.
       وإذا كان هذا الطرح النظري للقبيح قد مكنه من ولوج علم الجمال، فإن هناك قيمة أخرى، أدخلت الدراسات الجمالية رغم أن لها امتدادها الزمني في الفن اليوناني، وهي التراجيدي.


[1]- عز الدين إسماعيل. الأسس الجمالية ..، مرجع سبق ذكره، ص 57.
[2] - Etienne Sauriau . Catégories esthétiques. op.cit. p. 25.   
1 -V.Feldman. Structures formelles de la laideur. In: deuxième congrès international d'esthétique. Tome I. op.cit. p.163.                                                              
* - يقول كروتشه: يقدم لنا الجميل وحدة في الجمال، بينما يقدم القبح كثرة.. فبينما لا ترى للجمال من درجات. ترى للقبح درجات تتراوح بين القبيح بعض القبح (أي القريب من الجمال) والقبيح جدا". أنظر: كروتشه. مرجع سبق ذكره، ص.104
[4] - كروتشه. المرجع نفسه، ص 114.
[5] - رمضان الصباغ. مرجع سبق ذكره، ص 122. عن: مكاوي عبد الغفار. ثورة الشعر الحديث من بودلير إلى العصر الحاضر. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1972، ص 73.
[6]- لالو. مرجع سبق ذكره، ص 120.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق