الأحد، 9 أكتوبر، 2016

الأنواع التلفزيونية الاخبارية الصحفية الفنية



لمحاولة إعطاء الخاصية المميزة للتلفزيون؛ قسم "بوريتسكي" الأنواع التلفزيونية الرئيسية، إلى ثلاثة أقسام، معتمدا نظرة أن ".. مضمون أي مادة مرتبط بالنوع المستخدم لمعالجة وتقديم أي مادة ..."[5].
ونورد هذه الأقسام كالآتي:
ـ الأنواع الإخبارية: ويبدو من خلال تسميتها أنها تقدم وظيفة إخبارية؛ فهي "تتعامل مع حقيقة واحدة، أو تعالج حدثا واحدا.. ويتحقق ذلك بواسطة عملية انتقاء، وتجميع المادة ... (و) يعتمد التلفزيون هنا على صيغ، وأشكال تقليدية، مثل القصة الإخبارية، الفيلم الإخباري، الروبورتاج، .. ولكن المكانة الهامة يحتلها النقل الإخباري الحي والمباشر، الذي يعطي إحساسا بالحضور في مكان وقوع الحدث، وحتى بالمشاركة في الحدث "[6].
ـ الأنواع الصحفية: تختلف هذه الأنواع عن سابقتها من حيث أنها لا تكتفي بعملية الوصف الواقعي للأحداث؛ وإنما تستعمل الفكر والخيال الإبداعي؛ "... إن التركيز في هذه الأنواع يتم على تحليل الوقائع أكثر مما يتم على انتقائها واختيارها... (و) تتضمن البرامج التلفزيونية الصحفية عنصرا دراميا في بنيتها..."[7].
ـ الأنواع الفنية أو التمثيلية: تختلف هذه الأنواع عن الأنواع السابقة التي تعتمد على الواقع؛ من حيث أنها "... تحقق وتقوم بوظيفة فنية، ويتضمن هذا أساسا، أن الواقع الذي تم عكسه، أو تصويره بطريقة مجازية، قد أعطى تفسيرا جماليا ..."[8].
يقترب طرح "بوتريسكي" السابق للأنواع الصحفية من الفصل والتمييز بينها؛ على أساس أن لكل منها وظيفتها، لكننا حين نرجع إلى الأساس النظري لعلم الجمال وإلى خصائص الأجناس الفنية؛ ندرك أن هناك علاقة دينامية جدلية بين الواقع كمادة خام، وبين الفن كوعاء احتوى الواقع وأعاد إنتاجه باستخدام الخيال الإبداعي.
ومن هنا فالفهم الحقيقي للجمال وعناصره، ينبغي أن يتأسس أولا على الصورة المرجعية للطبيعة؛ ثم بعد ذلك الارتقاء به إلى عالم الفن والإبداع.
يبدو تجلي الجمالية في التقسيمات السابقة ناقصا بعض الشيء، رغم أن بعض مكوناتها موجودة ضمنيا؛ تتطلب من المتلقي والناقد والجمالي استشرافها وتذوقها ومعايشتها.
فبالنسبة للتقسيم الأول؛ الذي يتناول العملية الإخبارية التلفزيونية؛ يمكن لعلم الجمال احتواءها؛ من خلال ما يسمى بالتزامنية، أو التواقتية simultaneism؛ حيث يصبح الدور الإخباري للتلفزيون ذا وظيفتين أساسيتين؛ وظيفة إخبارية، ووظيفة إخبارية جمالية؛ بمعنى آخر تحصل التجربة الإخبارية لدى المشاهد عن طريق الصلة الحميمية البصرية؛ لإدراك مجريات الحدث؛ بعد ذلك يفترض حدوث تجربة أخرى مبنية على التجربة الإخبارية؛ من حيث كونها قد تشكلت حسيا (بصريا)؛ حيث يضيف لها المشاهد أحاسيسه وعواطفه، ووجدانه، ومثال ذلك؛ النقل التلفزيوني المباشر لسقوط البرجين الأمريكيين؛ حيث شكل تجربة إخبارية تتجه أكثر إلى التراجيديا (المأساة) بعد عملية معرفة مجريات الحدث ومكانه ..
الجانب الآخر الذي يستطيع علم الجمال احتواءه داخل الأوضاع الإخبارية؛ يمكن أن يتجلى ويتحقق من خلال بعض النقاط؛ أهمها:
1ـ دراسة مقدم الأخبار جماليا؛ من حيث طريقة نجاحه في استعمال اللغة المناسبة، وطريقة استخدام الوجه وملامحه، ثم طريقة الجلوس ومدى جمالية شكل مقدم الأخبار هذا.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن جمالية وجه وشكل مقدم الأخبار لا ينبغي أن تكون أكثر إثارة لدى المشاهد، حتى لا يكون إنصراف ذهنه عن بنية الأخبار قائما، كما يفضل هنا مراعاة حسن استعمال اللغة وطريقة التوصيل والإلقاء، ويتسع بهذا النوع الإخباري لتخصص علم الجمال.
2 - تقترب بعض الأنواع الإخبارية التلفزيونية من الجمال الطبيعي، من حيث اقترابها مما يسمى الجماليات البيئية، وجماليات المدينة؛ حين يتم التركيز على الجوانب القبيحة للمدينة (الاتساخ، القمامات...) والبيئة (التلوث)، وبالمقابل يوجد التركيز على الجوانب الجميلة في كل   من المدينة، والبيئة.
أما بالنسبة للتقسيم الثاني؛ فرغم أن "بورتيسكي" لم يتحدث عن الصفة الجمالية؛ إلا أنه يمكن أن يقترب إلى جوهر الدراما  كقيمة جمالية؛  من حيث  الحبكة الفنية؛ والتشويق..
وبالنسبة للتقسيم الثالث، يبرز الوجود الجمالي فيه جليا واضحا من حيث استخدامه للفن؛ ويتحقق ذلك من خلال الخيال التلفزيوني؛ كاستعمال الأفلام، والمسلسلات..
وبناء على ذلك يكون التلفزيون ".. هو فنيا وجماليا؛ أوسع وأكثر تنوعا من الفنون التقليدية.."[9].
التلفزيون كفن ثامن وعلاقته بعلم الجمال
لقد تعرضت فنية التلفزيون إلى جدال حاد بين الدارسين، فمنهم من أقرّ إمكانية قيام فنية التلفزيون، ومنهم من لم يُقِرُ بهذه الإمكانية، فالبنسبة لمن يرى إمكانية فنية التلفزيون، فإنه يرتكز على مجموعة من الطروحات منها:
- وجود كتب ومجلات موسومة "بالفن الثامن"، تعالج المواضيع التي يعالجها التلفزيون، كممارستها عمليات النقد الفني التلفزيوني[1].
- ما دامت السينما فنا سابعا، فهذا يعتبر تأسيسا للفن الثامن[2].
- التفريق بين الفن في التلفزيون، وفن التلفزيون.
- إمكانية احتواء التلفزيون لبعض خصائص الفنون الأخرى المعروفة كالسينما، الأدب، الرسم، النحت، والموسيقى.
- التلفزيون فن وثائقي (ايزنشتاين، كلير، ساباك..)[3].
تنطلق فنية التلفزيون وتتأسس على بنية البرامج التلفزيونية المقدمة، من حيث نوع ودرجة الخيال والواقع المستعملين، وهذا الطرح يرجعنا إلى ما طرحه الفيلسوف "هيغل" حينما تحدث عن وظيفة علم الجمال وحصرها في الفن، دون الطبيعة، على أساس أن العقل أسمى من الطبيعة.
إن خاصية التلفزيون غير مستقرة على استعمال الخيال الابتكاري أو الإبداعي فقط، وإنما هي متحركة نحو استخدام الواقع كما هو من خلال الإخبار.
ومن هنا نعتقد أن علم الجمال قد أخذ طريقه إلى التلفزيون مع بداية الدراسات النقدية التلفزيونية، في منتصف القرن العشرين، موازاة مع التطور التقني للتلفزيون.
وفي السياق نفسه، يرى "بيار سورلان" أن "... التفكير الجمالي حول التلفزيون قد بدأ يتطور، حين انتقلنا من حقل التجربة إلى البث للجمهور العريض، ولقد استفادت هذه النظرة، من البحوث النظرية حول السينما، في استعمالها مناهج التحليل.."[4].



[1] - Marie- Claude Taranger. Un "huitième art", Formes et fonction du discours sur l'art télévisuel. In: Médiation et information. N° 16. op. cit.P.69.
[2] - Ibid. P.64.
[3] - بوريتسكي. مرجع سبق ذكره، ص 83.
[4] - Pierre Sorlin. op. cit.P.156.
[5] - بوريتسكي. مرجع سبق ذكره، ص 81.
[6] - بوريتسكي. مرجع سبق ذكره، ص 81.
[7] - المرجع نفسه، ص 81.
[8] - المرجع نفسه، ص 83.
[9] - بورتيسكي. مرجع  سبق ذكره، ص22.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق