الأربعاء، 26 أكتوبر، 2016

خصائص النظام الاقتصادي الرأسمالي

النظام الرأسمالي:

المطلب الأول :
 تعريفه:
النظام الرأسمالي هو النظام الذي يقوم على الملكية الفردية لعناصر الإنتاج والحرية الاقتصادية للأفراد في إدارة وتيسير وممارسة النشاط الاقتصادي والتنافس فيما بينهم بهدف تحقيق المكسب المادي.
ويتمتع النظام الرأسمالي إلى هذه اللحظة بقدرته على التجديد والاستمرار وقابليته للإصلاح ، الأمر الذي جعل أغلب دول العالم تتوجه نحو الاتجاه الرأسمالي.
المطلب الثاني :
تاريخه:

بدأ هذا النموذج في الغرب، كرد فعل للضغط والكبت الذي كانت تمارسه كل السلطات الحاكمة أو المتحكمة في المجتمع ضد الفرد، وازدهر هذا النموذج نتيجة لاتصال الغرب المتخلف بالشرق الإسلامي المتحضر، ووقوف الغربيين على نواحي الحياة المختلفة التي يحياها الإنسان في الشرق تحت الحكم الإسلامي.
ومن هنا كان النموذج الرأسمالي فكرة إنسانية ، قبل أن يكون مجرد نظرية اقتصادية، وكان محور هذا النموذج هو الإيمان بالفرد والإيمان بقدراته وإمكانياته. وقد كان لهذه الفكرة الإنسانية صداها في الفكر الديني فكانت حركة الإصلاح البرتستنتي التي تضع الخلاص في يد الإنسان بعد أن كانت الكنيسة تحتكره وتجعل العلاقة بين الإنسان وربه علاقة مباشرة ، بعد أن كان رجل الدين المسيحي يتوسط تلك العلاقة.
وكان لهذا النموذج الإنساني صداه في الفكر الاقتصادي ،فكانت الحرية الاقتصادية ،وكانت المنافسة ،وكان الصراع بين الأفراد والهيئات ،بعيداً عن تدخل الدولة ،إلا في صورة قوانين تسنها لتنظيم العلاقة بين المتنافسين .وحينما اتجهت دول الغرب إلى الاستعمار في القرن التاسع عشر ،صار تدخل الدولة ضرورياً من ناحية الأمن القومي لأن الأمر ارتبط بفكرة القومية ،وصراع الدول الأوروبية القومية للحصول على المستعمرات ،تحصل منها على المواد الخام ،وتستعملها كأسواق لمنتجاتها.
ومنذ القرن التاسع عشر ،وتدخل الدولة في المجتمعات الرأسمالية في الشؤون الاقتصادية موجود ،ولكن بدرجات تختلف من مجتمع رأسمالي إلى آخر ،حسب الظروف الخاصة بكل مجتمع رأسمالي ،وما تفرضه هذه الظروف من تحديد حجم هذا التدخل .ورغم هذا التدخل ،ظل الأساس كما كان هو حرية الفرد ،والمغامرة الفردية ،والدولة لا تتدخل إلا للضرورة وبمقدار.
وكان لهذه الفكرة الإنسانية صداها في الفكر الاجتماعي ،وفي الفكر الأخلاقي ،وقد انتشر روح الإصلاح في كل مجال .لقد وجدت روح جديدة في السياسة وفي المجتمع ،وفي العلم والفلسفة والدين ،وفي الأدب والفن.
وبدأ الجانب الاقتصادي في الحرية يطغى على بقية الجوانب في الأيديولوجيا الرأسمالية ،بعد أن كان مجرد جانب واحد من هذه الحرية ،التي حققتها ثورة الإصلاح الديني في أوروبا ،بحيث صارت الرأسمالية لا توحي في الذهن إلا هذا الجانب الاقتصادي ،وما يؤدي إليه من صراع على الكسب والربح ،ومن تنافس في الحصول على المواد الخام والأسواق والخبرات الفنية ،ومن حروب لحماية المصالح الرأسمالية في خارج الحدود ،ومن صراع بين العمال وأصحاب الأعمال ،ومن مكتشفات علمية لزيادة الإنتاج وخفض تكلفته ،ومن بحوث علمية للوصول إلى هذه المكتشفات ،وغير ذلك مما يعتبر هذا الجانب الاقتصادي مداره ومحوره.
وفي إطار هذه الحرية الاقتصادية التي طغت على سائر الحريات في الأيديولوجيا الرأسمالية ،تحركت الحرية السياسية والحرية الدينية والحرية الأكاديمية ،وسائر الحريات الأخرى،واقترن الاستعمار بالرأسمالية التجارية ،والرأسمالية الصناعية ،والرأسمالية التجارية هي التي سادت أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر ،وكانت فيها التجارية هي محور النشاط الاقتصادي ،وفي مرحلة الرأسمالية الصناعية ،ظهرت تنظيمات إنتاجية جديدة ،وعلى رأسها الشركات المساهمة ،وانتقلت الرأسمالية من رأسمالية الوحدات الصغيرة أو رأسمالية المنافسة ،إلى رأسمالية الوحدات الكبيرة ،أو رأسمالية الاحتكارات ،وبظهور الاحتكارات اتسع نطاق الاستعمار ،وتطورت الأسماليسة الأوروبية إلى الأسمالية الإمبريالية[1] .

أهم خصائص النظام الرأسمالي:

1. الملكية الفردية لعناصر الإنتاج[2]:
حيث يقوم النظام الرأسمالي على ملكية الأفراد لعناصر الإنتاج, ويعترف القانون بهذه الملكية ويحميها, فالمالك له مطلق الحرية في التصرف فيما يملك بالبيع وخلافه, وله الحق في استغلاله في أي مجال طالما لا يتعارض مع القانون. فيمكن أن يوظف أمواله وما لديه في النشاط الزراعي أو الصناعي أو يتركه عاطلاً, فهو له مطلق الحرية فيما يملك، ومن أهم الوظائف التي يؤديها حق الملكية الخاص لعناصر الإنتاج أنه يوفر الباعث على الادخار، فمن يملك يستهلك جزءًا مما يملكه ويدخر الباقي, وبذلك يكون هناك مدخرات لأغراض الاستثمار وزيادة الدخل، فبدون الباعث على الادخار الذي يتيحه نظام الملكية الفردية لا تتوافر الأموال التي توجّه إلى الاستثمار.
ويترتب أيضًا على حق المستقبل أو ليتمتع بها أبناؤه وبقية ورثته، وبذلك يتوفر المزيد من دافع الادخار, ومن ثم المزيد من حوافز الاستثمار.
وبالطبع فهذه الحرية الاقتصادية المتاحة للأفراد ليست حرية مطلقة تمامًا, بل في داخل الإطار القانوني والاجتماعي للمجتمع، فهناك أنشطة غير مشروعة تمارس بما يعرف بالاقتصاد الخفي مثل بيع المخدرات مثلاً، فالحرية الاقتصادية في النظام الرأسمالي مكفولة لكل الأنشطة المشروعة فقط.

2- حافز الربح[3]:
يعد حافز الربح في النظام الرأسمالي هو الدافع الأساسي لزيادة الإنتاج, وهو المحرك الرئيس لأي قرار يتخذه المنتجون, فكل فرد في هذا النظام إنما يتصرف بما تمليه عليه مصلحته الشخصية بما يتفق مع تحقيق أهدافه الخاصة، وبما أن الربح هو الفرق بين الإيرادات والتكاليف, فإن المنتجين في النظام الرأسمالي يختارون النشاط الاقتصادي الملائم لاستغلال الموارد بأفضل طريقة ممكنة, وحين يحدث ذلك في جميع الأنشطة الاقتصادية فإن كل الموارد الاقتصادية تكون قد استخدمت ونظمت بحيث تعطي أقصى أرباح ممكنة, وبالتالي يحصل المجتمع على أقصى دخل ممكن من موارده.
وهذا الربح في النظام الرأسمالي يسمى عائد المخاطرة؛ لأن الشخص صاحب المشروع يخاطر ويغامر؛ فقد يربح أو يخسر, هذا, وقد أشار آدم سميث إلى وجود يد خفية توقف بين المصلحة الخاصة للفرد وبين المصلحة العامة للمجتمع، فالفرد الذي يسعى لتحقيق أقصى ربح ممكن إنما يقوم بإنتاج السلع التي يزداد الطلب عليها, وبذلك فهو يلبي حاجة المجتمع لهذه السلعة. كما أنه يحقق المزيد من الأرباح, وهكذا نجد أن الربح في النظام الرأسمالي ليس مجرد عائد يحصل عليه المنظمون فحسب، ولكنه يعتبر أيضًا أحد العناصر الأساسية المسيرة للنظام الاقتصادي وتعمل دائمًا على تنميته؛ حيث إن مزيدًا من الأرباح يعني في النهاية مزيدًا من الإنتاج.

3- سيادة المستهلك:
لما كان المنتج يسعى إلى تحقيق أقصى ربح، فإن رغبات المستهلكين هي التي تحدد مجالات الإنتاج التي فيها ربح أكبر، ولذلك حين تزداد رغبات المستهلكين في منتج معين يزداد طلبهم عليها, وبالتالي يتّجه المنتجون إلى إنتاج هذا المنتج ليربحوا أكثر, إذن فرغبات المستهلكين الزائدة هي التي تقرّر ما ينتجه المنتجون, هذا ما يعرف بسيادة المستهلك، إن كمية إنتاج سلعة معينة تتحدد حسب درجة رغبة المستهلك فيها.

4- المنافسة [4]:
وهي من أهم خصائص النظام الرأسمالي, حيث تعتبر من العوامل التي تعمل على زيادة الكفاءة الاقتصادية والإنتاجية، فالمنتجون يتنافسون فيما بينهم لاجتذاب أكبر عدد من المستهلكين, والنتيجة هي اتجاه الأسعار للانخفاض وخروج المنتجين ذوي الكفاءة المنخفضة, ولا يتبقى في السوق إلا الأكفاء، ومن ثمّ يؤدي ذلك إلى الاستخدام الأفضل للموارد ومن ثم التخصيص الكفء للموارد.
ومن ناحية أخرى توجد المنافسة على مستوى المستهلكين الذين يتنافسون فيما بينهم للحصول على السلع والخدمات التي يحتاجونها؛ ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار, بحيث يخرج المستهلكون الذين لا تمثل لهم السلع ضرورة قصوى, أو الذين لا تتناسب المنفعة التي يحصلون عليها من السلعة مع ثمن السلعة. ولا يتبقى في السوق إلا الذين تكون حاجتهم للسلعة أكبر.
وهكذا يؤدي التنافس بين المنتجين فيما بينهم وبين المستهلكين فيما بينهم إلى الاستغلال الكفء للموارد الاقتصادية؛ حيث إن توفر خاصية المنافسة يؤدي إلى توفير السلع بأحسن جودة وأفضل الأسعار.

5- جهاز الثمن هي الآلية التي تحدد الأسعار:
توجد رغبات للمستهلكين في سلع معينة, هذه الرغبات تسمى بقوى الطلب, وتوجد رغبات للمنتجين في عرض منتجاتهم وبيعها لتحقيق أنظم ربح ممكن, ويسمى ذلك بقوى العرض، فنتيجة للتفاعل بين قوى الطلب وقوى العرض تتحدد الأسعار وتتجدد كمية كل منتج في السوق.
مثال ذلك: إذا ارتفع طلب المستهلكين على شراء المياه المعدنية حتى صار طلبهم عليها أكبر من الكمية الموجودة في السوق سيؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار المياه المعدنية, وبالتالي سيتجه المنتجون إلى إنتاج مياه معدنية أكثر لتحقيق ربح أكبر, وبالتالي سيزيد إنتاج المياه المعدنية بالفعل، والعكس إذا قلّ طلب المستهلكين على الدجاج سيقل سعر الدجاج, وبالتالي سيقل عدد المنتجين للدجاج. هذا التفاعل بين قوى العرض والطلب وما يؤدي إليه من تحديد ثمن للأسعار والكمية المنتجة للسلع, هذا ما يعرف بجهاز الثمن.


[1] ) كتاب تطور التاريخ الاقتصادي الاسلامي والوضعي ص 56 وما بعدها بتصرف تأليف: د. أحمد فريد مصطفى , الناشر مؤسسة شباب الجامعة 2007م
[2] ) كتاب الاسلام والمذاهب الاقتصادية المعاصرة ص30 وما بعدها بتصرف ليوسف كمال دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع .

[3] ) كتاب الاسلام والمذاهب الاقتصادية المعاصرة ص 32 بتصرف ليوسف كمال دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع .
[4] ) كتاب الاسلام والمذاهب الاقتصادية المعاصرة ص 32 وما بعدها بتصرف ليوسف كمال دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق