الثلاثاء، 11 أكتوبر، 2016

تعريف الفتوى الاجتهاد التقليد

تعريف الفتوى:
الفتوى ـ بفتح الفاء والياء ـ: اسم من أفتى، وهي في اللُّغة([1]) تأتي بمعنى: تعبير الرؤيا، يقال: أفتيت فلاناً رؤيا، إذ عبرتها له.
وقد تأتي بمعنى: إجابة السائل، يقال: أفتاه في المسألة، إذا أجابه عنها، وأفتى في المسألة: أبان الحكم فيها، وأفتى المفتي: إذا أحدث حكماً، واستفتاه: سأله رأيه في مسألة.
ومن معانيها: بيان المشكل من الأحكام؛ من الفتي، وهو الشّاب الحدث الذي شبّ وقَوِيَ، فكأنَّ المفتي يقوّي بالبيان لما أشكل، فيشبّ ويصير فتيا قويّاً([2]).
وأمَّا في الاصطلاح الشرعي: فإنّها تستعمل بالمعنى اللُّغويّ نفسه الذي يتضمّن إجابة السائل وبيان الحكم الشرعي له،

ويمكن أنْ تعرَّف الفتوى اصطلاحاً بأنَّها: "استنباط الحكم الشَّرعيّ وبيانه للسّائل".
تعريف الاجتهاد:
الاجتهاد لغة: هو بذل الوسع والطّاقة في أمر من الأمور، وهو مشتق من الجَهْد ـ بفتح الجيم ـ بمعنى المشقة، أو ضمها ـ الجُهْد ـ بمعنى الطّاقة([3]). 
وفي اصطلاح الأصوليين: يعرّف بتعريفات مختلفة في اللّفظ متقاربة المعنى، ومن هذه التعريفات:
[1] "بذل الوسع في بلوغ الغرض"([4]).
[2] "استفراغ الوسع في درك الأحكام الشَّرعيّة"([5]).
[3] "بذل الجهد في العلم بالأحكام الشَّرعيّة"([6]).
وملخص هذه التعريفات أنَّ الاجتهاد هو قيام المجتهد باستفراغ طاقته، وبذل كلّ ما في وسعه للبحث والوصول إلى الحكم الشَّرعيّ في المسألة المعيّنة.
ولعلّ استعمال كلمة "الاجتهاد" مناسب من حيث الدّلالة اللُّغويّة، فالاجتهاد لغة ـ كما تقدم ـ قد يعني الطّاقة أو المشقة، ولا شكّ أنَّ البحث عن الأحكام الشَّرعيّة يستلزم من المجتهد بذل طاقته في حفظ النّصوص ومواقعها، ومعرفة العلوم التي تساعد في الوصول للحكم الشَّرعيّ، كما أنَّ المجتهد قد لا يصل إلى الحكم الشَّرعيّ بالسّرعة أو السّهولة التي يتوقّعها في بعض الأحيان؛ بل يصاحب ذلك مشقة وعسراً يتطلبان الصبر والتّحمُّل.
تعريف التّقليد:
التّقليد في اللُّغة: من قلد، ويأتي بمعان متعدّدة منها: وضع الشيء في العنق، وهو ما يُسمَّى بـ "القلادة"، وعلى هذا يُقال: قلد البدنة، أيّ وضع في عنقها شيئاً ليعلم أنَّها هَدْي، وتقليد العامل العمل، أي توليته، وتقلّد السّيف،
أي وضعه في الكتف([7]).
وأمَّا في الاصطلاح فقد عُرّف بعدد من التعريفات، منها:
[1] "قبول القول من غير حُجَّة"([8]).
[2] "قبول الشّيء من غير دليل"([9]).
[3] "العمل بقول الغير من غير حُجَّة"([10]).
[4] "العمل بقول مَنْ ليس قوله إحدى الحُجَج بلا حُجَّة"([11]).
[5] "قبول القول من غير حُجَّة تظهر على قوله"([12]).
[6] "قبول قول الغير دون حُجَّته"([13]).
[7] "قبول رأي مَنْ لا تقوم به الحُجَّة بلا حُجَّة"([14]).
ولعلّ هذه التعريفات الاصطلاحيّة تبدو متقاربة في المعنى، ولكن يظهر من بعض التّأمُّل في ظاهر ألفاظها أنَّ هناك فرقاً بين التعريفات التي تجعل مجرّد قبول القول تقليداً، وبين التي تجعل العمل حدّاً للتقليد. وأمَّا التعريفان الرّابع والسّابع فقد زادا قيداً يبيِّن أنَّ قبول قول مَنْ يُعَدّ قوله حُجَّة ليس بتقليد، وحتّى وإنْ لم يذكر معه الدّليل.
ولعلّ التّعريف الأوّل ـ الذي ذكره عدد من الأصوليين ـ هو الأنسب؛ لأنَّ الفتوى عبارة عن قول قد يتبعه عمل، وقد تكون مجرّد اعتقاد قلبي، وفي كلّ الأحوال فإنَّ قبول هذا القول بغير حُجَّة يُعَدُّ تقليداً.
ورغم تعدُّد هذه التعريفات فإنَّ المعنى الاصطلاحيّ استعير من المعنى اللُّغويّ، كما أشار إلى ذلك عدد من الأصوليين، وكأنَّ المقلد يطوق المجتهد إثم ما غشّه به في دينه، وكتمه عنه من علمه، أو أنّه يجعل ذلك الحكم الذي قلّد فيه المجتهد كالقلادة في عنق مَنْ قلّده، أو أنَّه يقطع الشّيء في رقبة مَنْ يقلّده إنْ كان صواباً فله، وإنْ كان خطأ فعليه([15]).
وأمَّا الأخذ بقول المجتهد من غير دليل فيُعَدُّ تقليداً([16]).
وقد اختُلِف في قول الصّحابيّ، فمَنْ رأى أَّن قوله ليس بحُجَّة اعتبر الأخذ به من غير دليل تقليداً، وعلى خلاف ذلك ذهب مَنْ اعتبر قول الصّحابيّ حُجَّة([17]).


([1]) انظر: المصباح المنير: أحمد بن محمد بن علي الفيومي، المكتبة العلميّة، بيروت، 2/462.
([2]) انظر: لسان العرب: محمد بن مكرم بن منظور، دار صادر، بيروت، ط/1، 15/147، والقاموس المحيط: لمحمد بن يعقوب الفيروزآبادي، مؤسسة الرّسالة، بيروت، 1/1702، والمصباح المنير، 2/462، والمعجم الوسيط: - لإبراهيم مصطفى وأحمد الزّيات وحامد عبد القادر ومحمد النّجار، تحقيق مَجْمَع اللُّغة العربيّة، دار الدّعوة، 2/673.
([3]) انظر: مختار الصحاح: للرازي، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر، مكتبة لبنان، بيروت، ط/5، 1410هـ، 1995م، تحقيق محمود خاطر، 1/48.
([4]) الورقات: للجويني، لعبد الملك بن عبد الله بن يوسف، تحقيق د. عبد اللطيف محمد العبد، ص 31.
([5]) الإبهاج في شرح المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول: للبيضاوي، علي بن عبد الكافي السبكي، تحقيق جماعة من العلماء، دار الكتب العلميّة، بيروت، 1404 هـ، ط/ 3/246.
([6]) روضة النّاظر وجنّة المناظر: لابن قدامة، أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، تحقيق
د. عبد العزيز عبد الرّحمن السّعيد، دار جامعة الإمام محمد بن سعود، الرّياض، ط/ 1399هـ، 1/352.
([7]) انظر: مختار الصّحاح، 1/229، والقاموس المحيط، 1/399، وتاج العروس: لمحمد مرتضى الحسيني الزبيدي، تحقيق مجموعة من المحققين، دار الهداية، 9/67، والمصباح المنير 2/512.
([8]) انظر: المحصول في أصول الفقه: للقاضي أبي بكر بن العربي المعافري المالكي، تحقيق حسين علي البدري - سعيد فودة، دار البيارق، عمان، ط/1، 1420هـ، 1999م، 1/154، والمستصفى في علم الأصول: للغزالي، أبو حامد محمد بن محمد، تحقيق محمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلميّة، بيروت، ط/1، 1413 هـ، 1/370، والمنثور: للزركشي، محمد بهادر بن محمد بن عبد، تحقيق=
=د. تيسير فائق أحمد محمود، وزارة الأوقاف والشّؤون الإسلاميّة، الكويت، ط/2، 1405هـ، 1/398، والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل: لعبد القادر بن بدران الدمشقي، مؤسسة الرّسالة، بيروت، ط/ 1401هـ، تحقيق د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، 1/388، والمسودة في أصول الفقه: لابن تيمية، عبد السلام أحمد بن عبد الحليم، تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد، دار المدني، القاهرة، ص 494، وروضة النّاظر، 1/382.
([9]) انظر: رسالة في أصول الفقه: لأبي علي الحسن بن شهاب الحسن العكبري الحنبلي، تحقيق:
د.موفق بن عبد الله بن عبد القادر، المكتبة المكيّة، مكة المكرمة، ط/1، 1413هـ، 1992م،  1/127.
([10]) انظر: إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول: للشوكاني، محمد بن علي بن محمد، تحقيق محمد سعيد البدري، دار الفكر، بيروت، ط/1، 1412هـ، 1992م، ص 442.
([11]) انظر: تيسير التحرير: لمحمد أمين المعروف بأمير بادشاه، دار الفكر، بيروت، 4/241.
([12]) انظر: إرشاد الفحول، ص 443.
([13]) انظر: إرشاد الفحول، المرجع السابق، ص 443.
([14]) المرجع السّابق نفسه، ص 443.
([15]) انظر: رسالة في أصول الفقه، 1/127، وروضة النّاظر، 1/382، وإرشاد الفحول، ص 442.
([16]) انظر: المنخول في تعليقات الأصول: للغزالي، أبو حامد محمد بن محمد بن محمد، تحقيق د. محمد حسن هيتو، دار الفكر، دمشق، ط/2، 1400هـ، 1/473.
([17]) انظر: البرهان في أصول الفقه، 2/888، والمسودة، ص 495.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق