الأحد، 9 أكتوبر، 2016

الهزلي الكوميدي

الهزلي : Le comique
       يعتبر الهزلي (الكوميكي) قيمة جمالية لقيت اهتماما ومعالجة كبيرين من قبل الفلاسفة وعلماء الجمال.
       ولقد ظهرت الهزلية لدى اليونان، ".. وأعظم مؤلفي الملاهي من اليونانيين هو "أرستو فانس"َAristo Phanes  (450-277 ق.م) ..."[1]، ولم يكن لفن الهزلية قيمة جمالية مثل ما كان للتراجيديا من تلك القيمة، ذلك أن السياق الاجتماعي في ذلك الوقت كان يعطي أهمية لما هو بطولي، شجاع، لا يقهر،.. وهذا ليس مكمنه الهزل والاستهزاء.
       وبهذا، فقد رأى "أرسطو" أن ".. الهزلي هو القبيح بلا ألم"[2]. ولقد تعددت الآراء ومستويات الفهم والتحليل لفن الهزلية، فقد تناول "كانط" بالنقد ظاهرة ".. الهزلي مبينا أن الضحك فيما ينجم عن حل التناقض حلا مفاجئا في العدم، ففي الهزلية يتم إلغاء التناقض بالتعالي عليه"[3]، ذلك أن ولوج عالم الهزلي يفقدنا السيطرة على الضحك، وعلى تراخي عضلاتنا وأعصابنا، فهدف الهزلية بهذا، يجب أن يكون مضبوطا ومحددا فنيا.
       أما "هيغل"* فقد بنى فكرته حول الهزلي من مبدأ الصراع والتضاد، حيث قال: "إن الفن الهزلي يقوم على مسرة الشخصية الهزلية وتفاؤلها اللانهائي.. وبين أن منشأ الهزلي يرجع إلى التضاد بين الواقع الناجز، ووعي الزمان المتقدم.."[4]، ولقد وضع "لالو" بعض الأسس التي يقوم عليها الهزلي، مثل الضحك، التناقض، الحرية، التهكم.. فقال: ".. يفترض الكوميكي قبل كل شيء في الحركة المضحكة وجود مظاهر حرية متقلبة، ولا عقلية نصححها بتهكم ضحكنا، .. لأننا نكتشف فيها حركة ذاتية خفية قد حلت محل هذه الحرية المدعاة، .. وهذا هو المعنى الدقيق، الكوميكي لانحلال الانسجام..."[5].
       أما "جورج سانتيانا "، فلخص نظرته للهزلي، في النقاط التالية:[6]
أ – كمال الكوميديا يحصل بالخيال.
       -  التركيز على الصورة الحسنة والحلم بأنها حقيقية.
       -  نسيان علاقة هذه الصورة الحسنة بما يجاورها .
ب – الوقوع على متناقضات مفاجئة وناصعة الوضوح.
ج – تغيرات في المنظر وتحولات في الإدراك الباطني.
       - السمو إلى مرتبة التأمل الصوفي، وملؤنا إحساس بالجلال.
د – الرجوع من الخيال إلى عالم الواقع.
       -  الإدراك الفطري.
         -  الإحساس بالخجل أو الخداع.
هـ - صدمة الدهشة
       - التلاعب بالألفاظ.
       - الجدة والحرية.
       - اللذة التي نشعر بها بالتزييف ، لذة غير كاملة.
و – أفضل مكان للمزاح، حينما يأتي وسط ما هو مضحك.
       - لا نحس بالتفاهة.
ز – لا وجود لعلاقة كبيرة، بين عدم التناسب والحطة، وبين ما نجد في الشيء الكوميدي من لذة.
       تنطلق بنية هذا التحليل – لدى سانتيانا – من كون الإحساس باللذة، والمتعة، هو جوهر الهزلي، في حين أنه أغفل السياق الثقافي، والاجتماعي، والقيمي، والحضاري، الذي يجري فيه فن الهزلية، واقتصر على بعض الجزئيات التي تشكله وتؤلفه.
       إن ما هو هزلي في مجتمع ما، قد لا يكون هزليا في مجتمع آخر، ومن هنا تتأسس ضرورة مراعاة خصوصية قابلية المجتمع للتفاعل مع بعض الأنواع الهزلية.
       وبانتقالنا إلى بعض علماء المسلمين، نجد أن هناك آراء وقيم تضبط وتوجه العمليات الهزلية، ففيما يتعلق بالمزاح يذكر الإمام "أبو حامد الغزالي" (450 هـ - 505 هـ) في آفات اللسان من ربع المهلكات، الآفة العاشرة، ما يلي:
"وأصله (أي المزاح) مذموم منهي عنه إلا قدرا يسيرا يستثنى منه، قال صلى الله عليه وسلم: لا تمار أخاك ولا تمازحه" (أخرجه الترميذي)، فإن قلت: الممارات فيها إيذاء، لأن فيها تكذيبا للأخ والصديق، أو تجهيلا له، وأما المزاح فمطايبة وفيه انبساط، وطيب قلب، فلم ينهى عنه؟. فاعلم أن المنهي عنه، الإفراط فيه أو المداومة عليه، أما المداومة فلأنه اشتغال باللعب والهزل فيه، واللعب مباح ولكن المواظبة عليه مذمومة، وأما الإفراط فيه فإنه يورث كثرة الضحك وكثرة الضحك تميت القلب وتورث الضغينة في بعض الأحوال، وتسقط المهابة والوقار، فما يخلو عن هذه الأمور فلا يذم كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "إنني لأمزح ولا أقول إلا حقا"[7].
       يؤسس هذا الطرح النظري الديني لمجموع المبادئ التي يقوم عليها المزاح، كجزء من الهزلي، في ترابطه مع النسيج الاجتماعي وعلاقات الأفراد، ومن ثم فالإبداع الفني في مجال الهزلية، لا يقوم على الحرية المطلقة، إذ لا يمكن أن نستهزئ من الناس الآخرين، لأجل الضحك، ذلك أن هذه العملية انعكاس ضدي نتلقاه ممن يستهزئ بنا.
ويواصل "أبو حامد الغزالي" وضعه لمجموع المبادئ التي يقوم عليها الاستهزاء والسخرية، قائلا: "… ومعنى السخرية الاستهانة والتحقير، والتنبيه على العيوب، والنقائص، على وجه يضحك منه: وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول، وقد يكون بالإشارة والإيماء، وإذا كان بحضرة المستهزأ به لم يسم ذلك غيبة وفيه معنى الغيبة... وهذا إنما يحرم في حق من يتأذى به، فأما من جعل نفسه مسخرة، وربما فرح من أن يسخر به كانت السخرية في حقه من جملة المزاح... وإنما الحرم استصغار يتأذى به المستهزأ به، لما فيه من التحقير والتهاون. وذلك تارة بأن يضحك على كلامه إذا تخبط فيه ولم ينتظم، أو على أفعاله إذا كانت مشوشة كالضحك على خطه وغلى صنعته، أو على صورته وخلقته إذا كان قصيرا، أو ناقصا لعيب من العيوب، فالضحك من جميع ذلك داخل في السخرية المنهى عنها"[8] .
       وبهذا، ينفرد "أبو حامد الغزالي"، في وضعه لحدود فن الهزلي، فالسخرية والاستهزاء في واقعها تتخذ وجهان اثنان، الوجه الأول، محرم الخوض فيه، بمرجعية النص القرآني "يَا أَيُّهَا الذِّينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَر قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَالِمُونَ " الحجرات: 11.
والوجه الثاني مباح إن توافرت فيه شروط الإباحة، كالمزاح بالصدق دون الكذب... إلخ.
نلاحظ من خلال طرح "الغزالي" أن هناك تداخلا بين مجموع القيم الجمالية، فالهزلي كقيمة جمالية مرتبطة بقيمة السخريl'ironique  والهجائيle Satirique ، إضافة إلى قيمة الضحك le rire. ويمكن تعريف الهزلي بأنه حالة نفسية تغمرنا وتمتعنا جماليا حين نتعرض لما هو متناقض، ومفاجئ، ومازح، ومضحك.
       إن هذا التداخل الممكن بين القيم الجمالية، أدى إلى ظهور قيمة جمالية تجمع بين ما هو مأساوي وبين ما هو مضحك (البكاء والضحك)، خاصة بعد ظهور التأسيسات النظرية للقيم الجمالية.


[1]- محمد غنيمي هلال. الأدب المقارن. دار العودة ودار الثقافة، بيروت، ط 5، دون تاريخ نشر، ص 163 – بتصرف -
[2]- Etienne Sauriau. Vocabulaire d'esthétique. Op.cit. p. 435.
[3]- نايف بلوز . مرجع سبق ذكره . ص 97 وما بعدها.
* - استبعد هيغل الهجاء من الهزلي، وقصر هذا على السخرية.
[4]- نايف بلوز. مرجع سبق ذكره، ص 98.
[5]- لالو. مرجع سبق ذكره، ص 113.
[6]- سانتيانا. مرجع سبق ذكره، ص ص 263 – 264.
[7]- أبو حامد الغزالي. إحياء علوم الدين. ج 3، بيروت: دار المعرفة، دون تاريخ، ص 128.
[8]- أبو حامد الغزالي. إحياء علوم الدين. ج 3، مرجع سبق ذكره، ص 132.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق