الأحد، 9 أكتوبر، 2016

مفهوم القيمة

الجوانب النظرية الفكرية للقيم الجمالية، من حيث ربطها بالأصل الفلسفي، ثم بالجوانب الفنية والنقدية والجمالية خلال مختلف العهود التي شهدت فيها النظرية الجمالية اكتمالا واستقرارا، وعليه سنتناول القيم الجمالية، بتقديم مفهوم مختصر للقيمة، ثم إعطاء نظرة عن علم الجمال وأهم المنعطفات في تاريخ هذا العلم، ثم الولوج إلى عناصر القيم الجمالية بدراستها وربطها بسياقاتها التي أنتجت فيها؛ والإشارة إلى بعض الفنون التي كان لها الفضل على بعض هذه القيم.
1 – مفهوم القيمة:
لقيت القيمة اهتماما واسعا لدى الفلاسفة والدارسين عبر العصور؛ لما لها من دور كبير في تحديد طبيعة علاقتنا بالواقع والوجود. وبهذا تعتبر القيم من المفاهيم التي شملت كل المجالات؛ إن على مستوى النشاط الإنساني العادي؛ وإن على مستوى ذاك النشاط الإنساني الإبداعي الفني.. ولقد تعددت تعاريف القيمة تبعا لتعدد رؤى الفلاسفة والدارسين الذين اهتموا بها؛ وتبعا كذلك للمجال الذي يحتوي القيمة ذاتها.
فعالم النفس – مثلا – حين يتحدث عن القيم يقدم لنا ".. تعاريف مؤسسة على التجربة النفسية، أما عالم الاجتماع فيؤكد على أن القيم موجودة داخل الوعي الاجتماعي، وأما عالم الاقتصاد فيربط مفهوم القيمة بمدى تحقيقها وتلبيتها لحاجياتنا "[1].
وتفصيلا لما سبق أوردت "فوزية ذياب" في دراستها عن القيم والعادات الاجتماعية، " أن أول من استخدم لفظة القيمة بالمعنى الفلسفي، وعمل على نشره هو "لوتز lotze واللاهوتي "ريتشل Ritschl، وعلماء الاقتصاد أمثال "مانجر Menger. وبهذا احتلت نظريات القيمة المكانة الأولى في ألمانيا حوالي عام 1900، وفي إنجلترا وأمريكا حوالي عام 1910."[2]
ومن أبرز التعاريف التي قدمت للقيم، نجد تعريف كلوكهوهن C. kluckhohn، الذي يرى مثلما يذكر رمضان الصباغ أن القيم عبارة عن ".. تصورات لما هو مرغوب بحيث يسمح لنا بالاختيار من بين الأساليب المتغيرة للسلوك والوسائل والأهداف الخاصة بالفعل "[3].
لقد طرح هذا التعريف حدين لعملية إدراك القيمة هما: الذات المدركة، والموضوع، مما يدعم عملية التقويم في مجال دراسة القيمة.
وفي المجال نفسه، هناك رأي آخر لصاحبه Pietro Romano يجمع فيه بين الذات والموضوع من الوجهة النفسية؛ فالقيمة عنده ".. ليست إلا العلاقة النفسية (العاطفية) بين روحنا والموضوع المدرك "[4].
إن هذا الربط أو التفسير النفسي للقيمة له أهميته في إحداث نوع من العلاقة الحميمية بين الذات المدركة والموضوع، وما يمكن أن يعاب على هذا التفسير، هو هذا الربط البسيكولوجي؛ الذي يتأسس في أغلب الأحيان على مبدأ الجنس أو المتعة الجنسية حسب نظرية فرويد Freud، فالحب هنا، قد يفقد عملية التقويم أهميتها ومصداقيتها، فالمحبوب ذو قيمة إيجابية لدى المحب*.
إذا كان هذا الطرح للعلاقة القيمية بين الذات والموضوع؛ قد ركز على الجانب النفسي العاطفي؛ فإن "بارسونز" يركز على النسق القيمي داخل المجتمع؛ إذ تكون القيم هنا ".. معايير عامة وأساسية يشارك فيها أعضاء المجتمع، وتسهم في تحقيق التكامل .. "[5]
فالقيم هنا (إيجابية أم سلبية) هي ذاك الرباط الذي يحكم العلاقات الاجتماعية؛ ويضبطها ويخرجها بما يتماشى وطبيعة بنية المجتمع الذي أنتجها.
والحقيقة التي يمكن الإشارة إليها هنا مع "بارسونز" أن نسبية القيم تؤسس بدورها لمنظومة أخرى من القيم، تكون فيها المجتمعات والثقافات المختلفة أرضية خصبة لبروز قيمة دون أخرى؛ إذ ما يعتبر قيمة إيجابية في مجتمع ما قد يعد هو نفسه قيمة سلبية في مجتمع آخر.
هذا، وتجدر الإشارة إلى أن عمل القيم داخل المجتمع يحتاج إلى موجهات وضوابط؛ فهذه القيم لا ينبغي لها أن تتصادم وتتصارع، فهي عند "برنت روبن" عبارة عن ".. المبادئ الأساسية التي نعيش في ظلها، مبينة لنا ما ينبغي عمله، وما لا يجب المضي فيه في علاقتنا مع البيئة، ومع من يعيش فيها من البشر .."[6].
وبهذا، نخلص إلى أن القيمة وإن كانت نسبية، فهي ضرورية للحياة في جميع أشكالها.


[1] - Pietro Romano. Sur la valeur esthétique et ses conditions. In: Deuxième congrès international d’esthétique et de science de l’art. Tome I. Paris: Librairie Felix Alcan. 1937. P. 104.                         
[2] - فوزية ذياب. مرجع سبق ذكره، ص 15.
[3] - رمضان الصباغ. الأحكام التقويمية في الجمال والأخلاق. ط 1، الإسكندرية: دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، 1998، ص 51.
[4] -  Pietro Romano. Op. cit. p. 104 .
*- سنتناول العلاقة بين الحب والجمال ، في الفقرة الخاصة بقيمة الجميل.
[5] - رمضان الصباغ. مرجع سبق ذكره، ص 51.
[6] - برنت روبن. الاتصال والسلوك الإنساني. ترجمة جماعية، مراجعة جماعية، السعودية: معهد الإدارة العامة، 1991، ص 220.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق