الخميس، 27 أكتوبر، 2016

تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي

تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي

يقصد بالدولة هنا الحكومة ، أو الهيئة الحاكمة في بلد معين[1]، فالحكومة تمثل بقية عناصر الدولة المعروفة في العلوم السياسية . أما عندما يقال "تدخل الدولة" فيقصد به أي نوع من أنواع تدخل الحكومة للتأثير على قوى العرض و الطلب لتحقيق أهداف اقتصادية معينة ، مثل إجراءات خفض البطالة ، أو تشجيع زراعة محصول معين ، أو رعاية فئات اجتماعية معينة ، إلى غير ذلك من صور التدخل ، أو الوظائف الاقتصادية للدولة.[2] وفي الفقرة التالية سنتعرض بإيجاز لتدخل الدولة في كل من النظام الرأسمالي ، والنظام الاقتصادي الإسلامي .

أولاً : تدخل الدولة في النظام الرأسمالي :-
طبقت مباديء النظام الرأسمالي الحر بصورتها المثالية حوالي نصف قرن . وفي تلك الفترة التي بدأت منذ منتصف القرن الثامن عشر الميلادي ، لم تكن الدولة تتدخل في النشاط الاقتصادي . وبعد ظهور بعض سلبيات الحرية المطلقة أُعيد تدخل الدولة . أما الآن فكل الدول في العالم تتدخل في النشاط الاقتصادي "فليس هناك حكومة في أي مكان من العالم تستطيع أن ترفع يدها عن الاقتصاد "[3]  ولكن درجة هذا التدخل تختلف من دولة إلى أخرى . ولعل فرنسا ، وبريطانيا ،
و السويد ، من الدول التي تتدخل حكوماتها في النشاط الاقتصادي بدرجة واضحة([4]) ، وتأتي الولايات المتحدة الأمريكية في آخر القائمة من حيث درجة تدخل الحكومة في النشاط الاقتصادي ، أي أنها الأقرب من بين الدول إلى نموذج الاقتصاد الحر(5) .

ومن أبرز صور تدخل الدولة في النظام الرأسمالي في صورته المعاصرة : فرض الضرائب بأنواعها المختلفة ، ودعم الخدمات العامة كالتعليم ، و الصحة، والأنظمة التي تنظم اندماج الشركات لحماية المنافسة ، ودعم بعض السلع و الخدمات ، وفرض الضرائب على بعضها ، ورعاية بعض الفئات الاجتماعية المحتاجة لرعاية ، واتخاذ الإجراءات المختلفة لمواجهة بعض الظروف الاقتصادية كالبطالة ، والانكماش الاقتصادي إلى غير ذلك من الإجراءات ، ولكن ذلك بعموم لا يخرج عن التعاون مع النظام الحر لتجنيبه الخلل ، فالاتجاه العام هو أن الدولة في ظل النظام الرأسمالي لا تتدخل إلاَّ عندما يختل النظام أو يعجز عن أداء وظائفه على الوجه المطلوب . وقد جاء هذا التدخل بعد تجربة عدم التدخل ، فهو ردة فعل بعد حياد الدولة تجاه النشاط الاقتصادي الذي جُرب حوالي نصف قرن .

ثانياً : تدخل الدولة في النظام الاقتصادي الإسلامي :
        يمكن التمييز بين قسمين من الوظائف الاقتصادية للدولة ، أو قسمين من تدخل الدولة أما أولها فهو تدخل الدولة لتطبيق الأحكام الشرعية المنصوص عليها في الجانب الاقتصادي .أما الثاني فهو تدخل الدولة فيما يعد من السياسة الشرعية.
(أ) تدخل الدولة لتطبيق الأحكام الشرعية الاقتصادية المنصوص عليها :-
        من الوظائف الاقتصادية للدولة في النظام الاقتصادي الإسلامي أنها مسئولة عن تطبيق الضوابط الشرعية المتعلقة بالنشاط الاقتصادي ، كمنع المحرمات  مثل الربا ، و الغرر، وبعض السلع كالخمر . فهذه الثوابت يتربى الناس على تطبيقها ، فمنهج التربية الإسلامي يربيهم على تجنب الحرام ، ويغرس في أذهانهم الخوف من الله ، ويربيهم على الالتزام بالواجبات كأداء الزكاة ، ويغرس في كيانهم رجاء الثواب من الله ، وبالإضافة إلى هذا كله يأتي دور الدولة لتلزم الناس بالبعد عن المحرمات و أداء الواجبات الشريعة في الجانب الاقتصادي كغيرها من الجوانب الشرعية الأخرى . وهذا الدور الاقتصادي للدولة ، والمتعلق بإلزام الناس بفعل الواجبات ، وترك المحرمات في الجانب الاقتصادي لا جدال حوله[5]، فهو محل اتفاق بين الذين كتبوا في الوظائف الاقتصادية للدولة في الإسلام ، و واضح كل الوضوح من تاريخ الدولة في العصور الإسلامية الأولى كعصر النبوة ، وعصر الخلافة   الراشدة . حيث كان النبي × يمر بالأسواق فيأمر الناس بالالتزام بأحكام الشريعة في تعاملهم ، وينهاهم عن المعاملات المحرمة كالغش، ويبعث من يجبي الزكاة ، وتوزع في الأوجه الشرعية لها . وسار على نهجه الخلفاء الراشدون حيث كانوا يمرون بالأسواق فيأمرون وينهون ، بل إن أبا بكر قاتل القبائل التي امتنعت عن دفع الزكاة . فالأمر بالمعروف و النهي المنكر في الجانب الاقتصادي وغيره من جوانب الحياة يعد من الوظائف المتفق عليها للحكومة الإسلامية ، فذلك من حفظ الدين ،والمال وهما من مقاصد التشريع .


(ب)  تدخل الدولة فيما يعد من السياسة الشرعية :-
    تعرف السياسة الشرعية بأنها "تصرف الحاكم بالمصلحة وفق ضوابطها الشرعية "[6]، أو هي " عمل ولي الأمر بالمصالح التي لم يرد من الشارع دليل لها على الخصوص ، ولكنها تدخل ضمن الأصول التي شهدت لها الشريعة في الجملة "[7] .والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى . فحفظ المال مقصد من مقاصد الشريعة ، ولكن ليس هناك نص شرعي أو قياس صحيح يحدد مواصفات أبواب المتاجر التي تحقق هذا المقصد ، فالأمر متروك للجهة صاحبة الاختصاص . وحفظ النفس مقصد من مقاصد الشريعة ، ولكن ليس هناك نصوص أو قياس صحيح يحدد مواصفات المواد التي يسمح بإضافتها إلى الأطعمة المعلبة لحفظها من الفساد ، فالأمر متروك للاجتهاد من أهل الاختصاص من أهل الاختصاص .ففي الشريعة الإسلامية ما يسمى المصالح المرسلة ، و من تعريفاتها أنها "كل منفعة داخلة في مقاصد الشارع دون أن يكون لها شاهد بالاعتبار أو الإلغاء " ([8]) . ولا يدخل في هذا النوع من المصالح ما ورد الدليل على وجوبه كالزكاة ، ولا يدخل أيضاً ما ورد الدليل على حرمته كالربا . فالسياسة الشرعية المبنية على المصالح المرسلة باب واسع أمام الحكومة للتدخل في النشاط الاقتصادي لتحقيق المصالح الاقتصادية فيما لم يرد فيه نص ولا قياس ، لا بالأمر ولا بالنهي . فهو من حيث الأصل من المباحات التي لم يرد أمر بفعلها ، ولا نهي عنها ، فعلى سبيل المثال لو منعت الحكومة استيراد بعض السلع من الخارج حماية للمنتجات المحلية ، ولو تدخلت الحكومة فقررت تقديم قروض حسنة لمنتجي التمور ، أو قررت تقديم قروض حسنة لمنتجي الأدوية ،أو قررت تقديم إعانة للمصانع من أجل تدريب غير المؤهلين من العمالة المحلية لتخفيف  البطالة .... إلى غير ذلك من أنواع التدخل ، فهذه التدخلات الحكومية في الأصل أنها من المباحات ، ولكن إذا اتضح أن من المصلحة الراجحة التدخل لتحقيق مقصد شرعي لزم هذا التدخل ، ولزم الناس الالتزام به حرصاً على المصلحة العامة ، ولكي لا يساء استعمال هذه السلطة لا بد من وجود ضوابط شرعية ، خاصة في ظل التغيرات التي طرأت مثل تضخم أجهزة الدولة ، و قدرتها على التدخل في النشاط الاقتصادي بدرجة لم تكن في الأزمنة التي وضعت فيها أسس الفقه الإسلامي ، فولي الأمر المذكور في كتب الفقه الأولى لم يكن يملك قدرات الدولة المعاصرة .([9])

• حدود تدخل الدولة:
    إن القدرة الهائلة التي اكتسبتها الدولة الحديثة ، و إمكاناتها أصبحت تمكنها من التأثير على النشاط الاقتصادي ليس فقط داخل حدود الدولة ، بل أصبح في ظل الاتفاقات الدولية بامكان الدولة التأثير على نشاط مواطنيها حتى خارج الحدود ، ولذا لابد من وضع ضوابط شرعية تضع هذه القدرات في مكانها لتكون فعلاً وسيلة لجلب المصالح ودفع المفاسد . وليس وسيلة كبت ، وتضييق على النشاط الاقتصادي . ويبدو أن هذه السياسة الشرعية المبنية على المصالح المرسلة تخضع لضوابط المصلحة التي يمكن إيجازها في الضوابط الآتية :-

(1)    أن تكون المصلحة المقصودة من التدخل الحكومي مندرجة تحت مقاصد التشريع وهي :
      حفظ الدين  والنفس  والعقل  والنسل  والمال . فأي تدخل حكومي لابد أن يخدم واحداً أو أكثر من هذه المقاصد .
(2)    أن تكون المصلحة المقصودة من التدخل غير متعارضة مع حكم ثابت بدليل شرعي من القرآن ، أو السنة ، أو القياس . فلو قال قائل : إن مصلحة الاقتصاد السماح بتجارة الخمر في المناطق السياحية لتنشيط السياحة ، وزيادة الدخل في المناطق السياحية ، نقول صحيح أن زيادة الدخل مصلحة مرغوب فيها ، لكنها تتعارض مع حكم ثابت ، وهو تحريم الخمر ، والاتجار فيه ، ولذا علينا البحث عن وسيلة أخرى لزيادة الدخل . وكذلك لو قال قائل إن من مصلحة الاقتصاد السماح بتقديم البنوك للقروض الربوية لتمويل الصناعة التي ستساهم في بناء اقتصاد قوي . نقول : السماح بالقروض الربوية وإن كان يبدو أنه سيمكن البنوك من المساهمة في التقدم الصناعي إلاَّ أنه يتعارض مع حكم شرعي ثابت وهو تحريم الربا . إلى غير ذلك من الأمثلة التي تفيد أنه لا يعتد بالمصلحة إذا تعارضت مع حكم شرعي ثابت .

(3)    ألاَّ تؤدي المصلحة المقصودة من تدخل الدولة إلى تفويت مصلحة أخرى أهم منها أو مساوية لها .

    وهذا الشرط من أدق الشروط في التطبيق ، فعلى الرغم من سهولة إدراك معناه النظري ، فإن تطبيقه على قضايا تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي ، ليس بالأمر السهل ، لأن المقارنة بين المصالح تحتاج إلى معلومات دقيقة عن النشاط   الاقتصادي ، لمعرفة قيمة المصلحة العائدة من التدخل ، وفي كثير من الحالات لا يكون ذلك ميسوراً . فالاقتصاد القومي ليس طاولة صغيرة وإنما هو هيكل معقد من المكونات المادية ، وغير المادية ، واي تدخل حكومي  لا يمكن التنبؤ بجميع آثاره ، ومن ثم ليس من السهل الجزم دائماً بأن أثر التدخل في مجال معين سيحقق المصلحة المرجوة منه دون التسبب في فوات مصالح أخرى أعظم و أهم .

        فعلى سبيل المثال قد تتخذ إجراءات حكومية صارمة لزيادة العمالة الوطنية في الشركات و المؤسسات ، ولكن في هذه الحالة علينا أن نتأكد من آثار هذا التدخل على أرباح رجال الأعمال ، التي قد تؤدي عند تدنيها إلى إغلاق المصانع ، أوغيرها من المنشآت ، وربما تؤدي إلى هروب رؤوس الأموال إلى دول أخرى ، فلو حدثت هذه النتيجة ، فمعنى هذا أن التدخل لتحقيق مصلحة وهي تخفيف البطالة أدى إلى تدهور الاقتصاد القومي بكامله ومن ثم ستزيد البطالة .

        ولهذا و بملاحظة إدارة النشاط الاقتصادي في عهد النبوة ، والخلافة الراشدة ، يبدو أن هذا النوع من التدخل كان في أضيق حدوده ، لمعالجة بعض الحالات .

• أمثلة للوظائف الاقتصادية للدولة المبنية على السياسة الشرعية :-
    تقوم الدولة في النظام الاقتصادي الإسلامي بأداء عدد من الوظائف الاقتصادية، وهذه الوظائف تستند إلى السياسة الشرعية المبنية على المصالح المرسلة،ومنها :-
1-    إدارة الموارد الطبيعية مثل اتخاذ الإجراءات التي تؤدي إلى الانتفاع بالموارد الطبيعية المتوفرة كالأراضي الزراعية ،  والمعادن ، ومياه الأنهار ، فالإجراءات و النظم المنظمة للاستفادة من هذه الثروات مبنية على تحقيق المصلحة ، وليس لها حكم شرعي محدد . فقد تكون المصلحة العامة بتأجير بعض الأراضي ، ومنح بعضها لمن يحييها . وقد تكون المصلحة في الانتفاع بمنجم للذهب بإنشاء مؤسسة حكومية تستخرج الذهب ، وقد تكون المصلحة بإنشاء شركة مساهمة لاستغلال المنجم إلى غير ذلك من الاحتمالات ،ولكن المهم اختيار الطريقة التي تحقق المصلحة العامة بأقصى درجة ممكنة .
2-     إدارة ميزانية الدولة: تعرف ميزانية الدولة بأنها (تقدير  مفصل ، ومعتمد لنفقات الدولة، وإيراداتها لفترة زمنية مقبلة ، عادة ما تكون سنة )[10].
      وحقيقتها لا تقتصر على الأرقام الواردة في جانب الإيرادات ، والنفقات ، وإنما تمثل البرنامج الاجتماعي ، و الاقتصادي  للحكومة ، فقد تركز مثلاً على أولويات معينة كالإنفاق على التعليم المهني ، أو الصحة ، أو الدفاع و التركيز على أي جانب يعتبر غالباً من السياسة الشرعية المستندة إلى المصالح المرسلة .
3-     تنظيم النشاط الاقتصادي : من صور تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي اتخاذ الإجراءات ، و إصدار النظم المنظمة للنشاط الاقتصادي ، وهذا النوع من التدخل يكون مقبولاً في النظام الاقتصادي الإسلامي بقدر ما يحقق من المصلحة العامة ، بالضوابط الشرعية للمصلحة . ومن أمثلة هذا التنظيم : الأنظمة المتعلقة بإنشاء المصارف ، والأنظمة المتعلقة بإنشاء الشركات ، والمصانع ، وأنظمة مؤسسات التعليم الخاص إلى غير ذلك من صور التنظيم
4-     التدخل لمعالجة بعض الظواهر الاقتصادية مثل البطالة ، أو الانكماش أو هجرة الأموال إلى الخارج ، أو الفقر ، أو سوء توزيع الدخل ، و الثروة داخل المجتمع ، فمعالجة هذه الظواهر السلبية من صور تدخل الدولة ، وهي من الوظائف الاقتصادية للدولة في النظام الاقتصادي الإسلامي وهي من السياسة الشرعية المستندة إلى المصالح المرسلة .


(1)       انظر : الوظائف الاقتصادية للدولة في الإسلام أحمد الدريويش، جـ1 ، صـ77
(2)       موسوعة المصطلحات الاقتصادية و الإحصائية ، عبد العزيز فهمي هيكل صـ439  (تدخل ).
(3)       الاقتصاد ، بول سامو يلسون و وليام نورد هاوس صـ57
(4)       النظم الاقتصادية المعاصرة , محمد حامد عبد الله صـ120-128.
(5)       المرجع نفسه , صـ54.
([5] )       انظر : مقدمة في أصول الاقتصاد الإسلامي ، مرجع سابق صـ65
(1)       أصول الاقتصاد الإسلامي ، رفيق يونس المصري صـ76
(2)       مقدمة في أصول الاقتصاد الإسلامي ، مرجع سابق صـ65
(3)       ضوابط المصلحة ، مرجع سابق صـ330
(1)       مقدمة في أصول الاقتصاد الإسلامي, مرجع سابق صـ62-64
([10] )      اقتصاديات المالية العامة عبد الحميد القاضي، صـ261

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق