الخميس، 22 سبتمبر، 2016

مفهوم السياسة الضريبية


إن أسس الفكر المالي وفق النظرية الاقتصادية التقليدية التي حصرت أوجه الإنفاق العام وحددت نطاقه والتزمت مبدأ الحياد المالي في كل النشاطات الاقتصادية للدولة، ومبدأ توازن الموازنة لم تستطع الصمود أمام عجز هذه الأسس عن ابتداع الحلول المناسبة للمشاكل التي عصفت بالحياة الاقتصادية والأزمات الاقتصادية المتكررة التي كادت أن تودي بالنظام الاقتصادي الرأسمالي برمته، مما مهد الطريق لإعادة النظر في هذه الأسس، وتطوير النظرة إلى المالية العامة لتصبح سياسة تستخدم فيها الحكومة برامج الإنفاق العام والإيرادات العامة، لتحدث آثاراً مرغوبة في كل من الدخل القومي والإنتاج والعمالة، وتمنع عنها الآثار غير المرغوب فيها، مما مهد لظهور مفهوم السياسة الضريبية.
لقد أدت النظرية الكينزية الدور الرئيس في تغير هذه الأسس، فانتقدت المبادئ التي قامت عليها النظرية الاقتصادية التقليدية، باعتبار أن قانون ساي للأسواق اهتم بجانب العرض فقط دون جانب الطلب في تحديد حجم الإنتاج والدخل ومستوى التوظيف، وإن هذا لا يكفي لإيجاد القوى التلقائية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، فأثبتت أن النظام الاقتصادي الكلاسيكي لا يملك القوى التلقائية بما يضمن تحقيق التوازن المستقر عند مستوى التوظيف الكامل، ولا يحول دون حدوث الضغوط التضخمية أو ظهور البطالة الإجبارية وانتشار الكساد، وذلك لوجود تعارض في بعض الأحيان بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع وبالتالي عدم صحة مقولة اليد الخفية دائماً، وبناء على ذلك يمكن للدولة أن تصحح هذا التعارض وتكون أكثر رشداً وكفاءة من القطاع الخاص لأنها دائماً تسعى إلى تحقيق مصلحة المجتمع، لذلك يقع على عاتقها واجب التدخل في النشاط الاقتصادي لمنع حدوث الأزمات الاقتصادية ومعالجتها عند حدوثها، وذلك لضمان الاستقرار الاقتصادي، ولتحقيق هذا الهدف سُمِح للموازنة العامة للدولة بالتقلب، لتتصدى لآثار الدورات الاقتصادية، وذلك بواسطة النفقات العامة والضرائب والتمويل بالعجز، وبذلك نشأت النظرية الاقتصادية الكينزية التي تدعو إلى تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية لحماية مستوى النشاط الاقتصادي والدخل القومي، لعدم تعريض الاقتصاديات المتقدمة إلى الأزمات الاقتصادية التي يمكن أن تؤدي إلى التضخم أو الكساد، وبالتالي إلى ارتفاع الأسعار أو أزمات بطالة حادة يدفع ثمنها ملايين العاطلين، فتوسع دور الدولة وتحولت من دولة حارسة إلى دولة راعية لضمان تحقيق هذا الاستقرار في الحياة الاقتصادية من دون تضخم أو كساد مما جعلها تدعو إلى تحقيق معدلات مناسبة في النمو الاقتصادي من أجل ذلك، منذ ذلك التاريخ أصبحت تستخدم الضرائب للتأثير في القرارات الاقتصادية للأفراد، لتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية تحددها الدولة، وتجاوزت دورها المالي وأخذت الحكومات تتعمد استخدام ضرائب دون غيرها لإحداث آثار اقتصادية واجتماعية للتأثير في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للدولة، فتم ظهور مفهوم السياسة الضريبية في الأدب الاقتصادي، وأخذت مكانها أداة من أدوات السياسة المالية للدولة. ووفقاً للنظرية الاقتصادية الكينزية أصبحت الأنظمة الضريبية هي الأداة السياسة الضريبية الحكومية الرئيسية تتعمد من خلالها الحكومات استخدام الضرائب للتأثير في الحالة الاقتصادية للبلاد، ولكن ذلك لا يعني أن الضرائب لم تكن تحدث آثاراً اقتصادية واجتماعية قبل ذلك التطور، بل كانت هنالك تعريفات جمركية تفرض لحماية الصناعة الوطنية، ولكن نطاقها وحالاتها وتعمد استخدامها كان محصوراً جداً، وكان التقليديون ينادون بتجنب تلك الآثار الاقتصادية والاجتماعية للمحافظة على الحيادية الاقتصادية للضرائب عبر تصميم أنظمة ضريبية محايدة، لإعطاء المبادرة الفردية أوسع مدى، فلم يكن مقبولاً لديهم فرض ضرائب على رأس المال كيلا تؤثر سلباً في تلك المبادرة. لكن وبتأثير من النظرية الكينزية، ونتيجة لإدراك علماء المالية ما للضرائب من آثار بعيدة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية بدأ الفن الضريبي يتطور، فظهرت الضرائب المتعددة، ونشأ مبدأ تصاعد المعدلات الضريبية، ولاحت في الأفق صور التمييز في المعاملة الضريبية، والحوافز الضريبية من إعفاءات وخصومات، بقصد تحقيق أغراض اقتصادية واجتماعية معينة، وأصبح من المسلم به أن الضرائب تؤثر في الاقتصاد، من عمليات الإنتاج حتى التوزيع على نحو مباشر وغير مباشر، وتبلور مفهوم السياسة الضريبية، وأصبح للضريبة الدور الأساسي للتأثير في سلوك الأفراد في الاستهلاك والادخار والاستثمار وحجزت لنفسها دوراً في التأثير في العلاقات بين الدول.
وعلى ضوء ذلك يمكن تعريف السياسة الضريبية بأنها "مجموعة متكاملة من الأساليب في استخدام الفن الضريبي للإسهام في تحقيق أهداف معينة في كافة المجالات".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق