الجمعة، 1 مايو، 2015

التفسير بالرأي



التفسير بالرأي:
أمّا التفسير بالرّأي، فمِن مزالق الرّأي المحمود؛ ثم نتبعه بمزالق أو بعض جوانب مزالق.
وأمّا مزالق التفسير بالرأي:
ــ فأظهر ما تكون في باب العقائد، ثم في الأحكام الفقهية المستنبَطة من الآيات، ثم في الوقائع التاريخية، والآيات المتعلّقة بها، وغير ذلك... وأكثر ما أدّى إلى هذه المزالق مِن جهتيْن حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين، وتابعيهم بإحسان، ذكرهما شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وقال:
"- أحدهما: قوم اعتقدوا معانيَ، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها.
والثاني: قوم فسّروا القرآن بمجرّد ما يسوغ أنْ يريده مَن كان مِن الناطقين بلغة العرب بكلامه، مِن غير نظر إلى المتكلِّم بالقرآن، والمنزَل عليه والمخاطَب به". اهـ.
ثم ذكر من الصِّنف الأوّل: تفاسير الفِرق المبتدعة مِن: الخوارج، والروافض، والمعتزلة، والقدَرية، والمُرجئة، وغيرهم...
وذكَر مِن الصِّنف الثاني: كثيرًا مِن الصوفية، والوُعاظ، وغيرهم...
وقال السيوطي -بعد أنْ نَقل جملةً مِن المفسِّرين المتقدِّمين، وختَمهم بابن جرير-: "ثم ألّف في التفسير خلائقُ، فاختصروا الأسانيد، ونقلوا الأقوال تترَى؛ فدخل مِن هنا الدخيل، والْتبس الصحيح بالعليل. ثم صار كلّ مَن يسنح له قول يُورده، ومَن يخطر بباله شيء يَعتمده، ثم ينقل عنه مَن يجيء بعده ظانًا أنّ له أصلًا، غير ملتفِت إلى تحرير ما ورد عن السلف الصالح ومَن يرجع إليهم في التفسير؛ حتى رأيت من حكى في تفسير قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} نحو عشرة أقوال، وتفسيرها باليهود والنصارى هو الوارد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وجميع الصحابة، والتابعين، وأتباعهم؛ حتى قال ابن أبي حاتم: "لا أعلم في ذلك اختلافًا بين المفسّرين".
ثم صنّف بعد ذلك قوم، برعوا في علوم؛ فكان كلّ منهم يقتصر في تفسيره على الفنّ الذي يغلب عليه: فالنحوي تراه ليس له همّ إلا الإعراب، وتكثير الأوجه المحتملة فيه، ونقْل قواعد النحو ومسائله، وفروعه، وخلافياته، كالزجاج، والواحدي في: "البسيط"، وأبي حيان في: "البحر والنهر".
والإخباري، ليس له شغل إلاّ القصص واستيفاءها، والأخبار عمّن سلف، سواء كانت صحيحة أو باطلة، كالثعلبي.
والفقيه، يكاد يسرد فيه الفقه من باب الطهارة إلى باب أمّهات الأولاد، وربما استطرد إلى إقامة أدلّة الفروع الفقهيّة التي لا تعلّق لها بالآية، والجواب عن أدلة الفروع الفقهية التي لا تعلّق لها بالآية، والجواب عن أدلة المخالفين، كالقرطبي.
وصاحب العلوم العقليّة، خصوصًا الإمام فخر الدِّين، قد ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة وشُبَهها، وخرج من شيء إلى شيء، حتى يقضي الناظر العجب من عدم مطابقة المورد للآية.
قال أبو حيان في "البحر": "جمع الإمام الرازي في تفسيره أشياء كثيرة طويلة، لا حاجة بها في علْم التفسير؛ ولذا قال بعض العلماء: فيه كل شيء إلاّ التفسير".
ــ والمبتدِع ليس له قصْد إلاّ تحريف الآيات، وتسويتها على مذهبه الفاسد؛ بحيث إنه متى لاح له شاردة من بعيد اقتنصها، أو وجد موضعًا له فيه أدنى مجال سارع إليه. قال البلقيني: "استخرجت من "الكشاف" اعتزالًا بالمناقيش من قوله في تفسير: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ}. قال: "وأيّ فوز أعظم مِن دخول الجنّة"، أشار به إلى: عدَم الرؤية". ثم ذكر شيئًا من تفاسير الملاحدة، والرافضة، وغيرهم...
ــ وممّا وقع فيه بعض المفسِّرين في كلامهم، وخرجوا فيه عن المنهج المعتدل:
- أولًا: قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}؛ استدل به المعتزلة على نفْي خلْق الله للاعتداء؛ ولا حجة لهم فيه، لأن هناك فرقًا بين الإرادة الكونية القدَرية، والإرادة الشّرعية الدِّينية. والذي دفعهم لذلك، هو: اعتقادهم الشيء أولًا، ثم تنزيل كلام الله عليه.
وكذا تعرّض أبو حيان للكلام في صفة المحبّة وحقيقتها، وجعلها مستحيلة على الله. وخرج بها إلى مجال التأويل، وجعلها مجازًا عن إرادة الثواب، وتبعه الآلوسي. والذي عليه السلف، الذين هم أعلم بالله منا: عدم التعرض لذلك، لاتّضاح المعنى وعدم خفائه على مَن يسمعه، لأنه بلسان عربيٍّ مُبين. وأمّا الصفة التي وصف الله بها نفسه، فنُثبتها له سبحانه على الوجه الذي يليق به، وهو أعلم به؛ وهذا هو الطريق الأسلم، كما أنه الطريق الأعلم.
- ثانيًا: قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}: قال الرازي: "وهذا من أقوى الدلائل على أنه ليس بجسم ولا في مكان، إذ لو كان جسمًا لكان في مكان معيّن، فكان إمّا أن يكون مع أحد منهم ولم يكن مع الآخر، أو يكون مع كلّ واحد من المؤمنين جزء مِن أجزائه وبعض مِن أبعاضه -تعالى الله عنه علوًا كبيرًا-".
وهذا الكلام مِن سفاسف المتكلّمين الذين أتعبوا أنفسهم في مثل هذه القضايا. والآية لا دلالة فيها البتّة على ما قال عقلًا؛ فإن القائل إذا قال: "سِرْنا والقمر"، "والقمر معنا"، كان ذلك صدقًا لا جدال فيه، على الرغم مِن كون القمر في مكان وهو جسم؛ وذلك لأنّ المعية لا تستلزم حلولًا ولا اختلاطًا.
ورحم الله الرازي حين قال، تائبًا من هذا الكلام وأضرابه، في توبته تلك:
نهاية إقدام العقولِ عقالُ        وغايةُ سعْيِ العالمين ضلالُ
وأرواحنا في وحشةٍ من جسومنا        وحاصلُ دنيانا أذًى ووَبالُ
ولم نستفِدْ من بحثنا طولَ عمْرِنا        سوى أنْ جمعْنا فيه قيلَ وقالُوا
وقال: "لقد تأمّلت الطّرق الكلاميّة، والمفاهيم الفلسفيّة، فما رأيتُها تشفي عليلًا، ولا تَروي غليلًا، ورأيت أقرب الطّرق طريقة القرآن: اقرأ في الإثبات: قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ}. واقرأ في النفْي: قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}". ثم قال: "ومَن جرّب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي".
- وأيضًا قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}؛ تعرّض الصاوي لتأويل صِفة المحبّة، واعتبر أنه أريد بها: لازمها وهو: الإثابة، لاستحالتها على الله. وقد تقدّم الكلام في ذلك عند قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}، فما قيل هناك يقال هنا -والله تعالى أعلم-.
وأمّا طامّات التفسير بالرأي المذموم، فهي كثيرة؛ وأهون ما جاء مِن ذلك: طامّات أهل التفسير الإشاري، الذي قبِله بعض أهل العلْم.
والصواب: ردّه كردّ غيره من التفسير المذموم. وممّا قيل في تمريره: أنّ الفرْق بين تفسير الصوفية المسمّى بـ"التفسير الإشاري"، وبين تفسير الباطنية الملاحدة:
أنّ الصوفية لا يمنعون إرادة الظّاهر؛ بل يحضّون عليه، ويقولون: لا بدّ منه أولًا، إذْ مَن ادّعى فهْم أسرار القرآن ولم يُحْكم الظاهر، كمَن ادّعى بلوغ سطْح البيت قبل أن يجاوز الباب.
وأمّا الباطنيّة، فإنهم يقولون: إنّ الظاهر غيْرُ مراد أصلًا، وإنّما المُراد الباطن؛ وقصْدهم: نفْي الشريعة. وبعضهم استدلّ لذلك بحديث لا يَثبت وهو: ما رواه الحسن مرسلًا، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لكلِّ آية: ظَهْر وبَطْن، ولِكلِّ حرْف حَدٌّ، ولكِلِّ حدٍّ مَطْلَع)).
قلت: أمّا الظّهر والبطن، فقد قال السيوطي: "في معناه أوجه:
أحدها: أنك إذا بحثت عن باطنها وقِسْته على ظاهرها، وقفْت على معناها.
الثاني: أنه ما مِن آية إلاّ علم بها قوم، ولها قوم سيعلمون بها، كما قال ابن مسعود.
الثالث: أنّ ظاهرها لفظها، وباطنها تأويلها.
الرابع: قال أبو عبيدة، وهو أشبهها بالصواب: "إن القصص التي قصّها الله تعالى عن الأمم الماضية، وما عاقبهم به، ظاهرها: الإخبار بهلاك الأوّلين، وحديث حدّث به عن قوم. وباطنها: وعْظ الآخرين وتحذيرهم أن يفعلوا كفعلهم، فيحلّ بهم مثل ما حلّ بهم".
ثم ذكر الخامس، وهو: كلام هؤلاء. ثم قال: ومعنى قوله ((ولِكلِّ حرْف حدّ)) أي: منتهى فيما أراد الله من معناه.
وقيل: لكلّ حُكم مقدار من الثواب والعقاب.
ومعنى قوله: ((ولِكلِّ حدٍّ مَطْلع)) أي: لكلِّ غاية من المعاني والأحكام، مطلع يُتوصّل به إلى معرفته، ويوقف على المراد به. وقيل: كلّ ما يستحق من الثواب والعقاب، يطّلع عليه في الآخرة عند المجازاة. وقال بعضهم: الظاهر: التلاوة، والباطن: الفهم، والحدّ: أحكام الحلال والحرام، والمطلع: الإشراف على الوعد والوعيد.
ــ ثم إنّ بعض أهل العلْم، ممّن قبِل هذا التفسير الإشاري، اشترط شروطًا لقبوله، وهي خمسة:
أ- ألاّ يتنافى ما يظهر مِن معنى النّظم الكريم.
ب- ألاّ يدّعى أنه المراد وحْده دون الظاهر.
ج- ألاّ يكون تأويلًا بعيدًا سخيفًا، كتفسير بعضهم قوله تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}، بجعل كلمة: {لَمَعَ} ماضيًا، وكلمة {الْمُحْسِنِينَ} مفعوله.
د- ألاّ يكون له معارض شرعيّ أو عقليّ.
هـ- أن يكون له شاهد شرعيّ يؤيِّده.
ونحن في غنًى عن هذه الشروط، لأنّ أعرف الناس بكتاب الله -وهو: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وصحبه الكرام، وتلاميذهم مِن التابعين، ومَن تبعهم، وعلماء الأمّة الجهابذة- لا يُعرف عنهم هذا النوع مِن تفسير كتاب الله.
ويكفي نظرة خاطفة على بعض أمثلته لِيُعلم مدَى فسادِه.
ومن ذلك التفسير الإشاري لابن عربي لقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً}؛ "{بَقَرَة} هي: النفس الحيوانية. وذبْحها: قمع هواها الذي هو حياتها ومنبعها من الأفعال الخاصة بها، بشفرة سكّين الرّياضة".
وقال في تفسير: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً} إلى قوله: {وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} مِن سورة (الأنبياء). "{وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ}، أي: سخّرنا لسليمان العقْل العملي، والمتمكّن على عرش النّفس في الصدر: ريح الهوى.
{عَاصِفَةً}: في هبوبها، {تَجْرِي} بأمْره مطيعة له، {إِلَى الأَرْضِ}، أرض البدن المتدرّب بالطاعة والأدب، {الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} بتمييز الأخلاق، والملَكات الفاضلة، والأعمال الصالحة، {وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ} من أسباب الكمال {عَالِمِينَ}.
{وَمِنَ الشَّيَاطِينِ}: شياطين الوهم والتخييل. {مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ} في بحر الهيولي الجثمانية، ويستخرجون درر المعاني الجزئية. {وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ} مِن التركيب والتفصيل والمصنوعات، وتهييج الدّواعي المكسوبات، وأمثالها. {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} عن الزيغ".
ونختم هذه الفقرة بكلام السيوطي: "وأمّا كلام الصوفية في القرآن، فليس بتفسير".
قال ابن الصلاح في "فتاويه": "وجدت عن الإمام أبي الحسن الواحدي المفسّر أنه قال: صنّف أبو عبد الرحمن السّلمي "حقائق التفسير"، فإن كان قد اعتقد أنّ ذلك تفسيرًا، فقد كفَر".
قال ابن الصلاح: "وأنا أقول: الظّن بمَن يوثق به منهم، إذا قال شيئًا من ذلك أنه لم يذكره تفسيرًا، ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة؛ فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية؛ وإنما ذلك منهم لنظير ما ورد به القرآن، فإنّ النظير يُذكر بالنظير، ومع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا بمثل ذلك، لما فيه من الإيهام والإلباس".
كثير". وقد عني بتخريج بعض أحاديثه.
النشاط:1.2
عزيزي الطالب، لكي تُعمِّق فهمك لهذا الدرس، قم بهذا النشاط، ثم قارن ما تتوصل إليه بالإجابات النموذجية أدناه:
اختر الإجابة الصحيحة فيما يلي:
1- "التفسير" لغة:
أ- الإيضاح.
ب- الإعلام.
ج- الإقدام.
2- "التأويل" في الاصطلاح عند السلف:
أ- مغاير لمعنى "التفسير".
ب- مرادف لمعنى "التفسير".
ج- مرادف لمعنى "التحديث".
3- التفسير المروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-:
أ- عبارة عن تفسير لبعض المفرادات أو الألفاظ المجملة.
ب- عبارة عن تفسير إجمالي وموضعي لجيمع مقاصد القرآن.
ج- جميع ما سبق.
4- اختُصِر أخيراً "تفسير" ابن كثير في مجلد واحد ضخم يحمل اسم:
أ- "تهذيب تفسير ابن كثير".
ب- "المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير".
ج- "السراج المنير في تهذيب تفسير ابن كثير".
د- "المصباح المنير في اختصار تفسير ابن كثير".
الإجابات النموذجية:
               1- (أ)       2- (ب)        3- (ج4)        4- (ب).
1.3  تفسير سورة الفاتحة:
عزيزي الدارس، نصل في هذا العنصر إلى تفسير سورة (الفاتحة).
وقبل الشروع في ذلك، نتعرض إلى المسائل الآتية:
ــ سورة الفاتحة - اسمها وعدد آياتها:
ــ أمّا سورة (الفاتحة) فهي: مكّية على الصحيح، كما روي عن ابن عباس، وقتادة، وأبي العالية؛ بل إنها مِن السوَر المختلف في القول بأنها أوّل ما نزل. والتحقيق: أنها أوّل ما نزل من السوَر بعد صدر (العلق)، وكان نزولها في صبيحة نزول الوحي عندما أتى جبريل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلّمه الوضوء والصلاة. وبعدها فتَر الوحي حتى انقضى شهر رمضان. ونزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستبطن الوادي، ورأى جبريل، فنزل عليه صدر سورة (المدّثِّر)؛ فكانت أوّل ما نزل بعد فترة الوحي. ثم حمي الوحي وتتابع، على ما حررناه في صحيح السيرة النبوية.
وقيل: مدنيّة؛ قاله: أبو هريرة، ومجاهد، وعطاء بن يسار، والزهري. ويقال: نزلت مرتين: مرة بمكة، ومرة بالمدينة.
قال ابن كثير: "والأوّل أشبه، لقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي}؛ وهو كما قال.
ــ وهي: سبع آيات، بلا خلاف. وإنما اختلفوا في البسملة: هل هي آية مستقلة مِن أوّلها، أو بعض آية؟ أو لا تعدّ من أوّلها بالكلّيّة؟ ويأتي تقرير ذلك.
ــ أما أسماؤها:
- قال البخاري: سُمّيت: (أمّ الكتاب)، لأنه يُبدأ بكتابتها في المصاحف، ويُبدأ بقراءتها في الصلاة. وقيل: إنما سُمِّيت بذلك لرجوع معاني القرآن كلّه إلى ما تضمنَّته.
قال ابن جرير: "والعرب تسمِّي كل جامع أمر، أو مقدّم لأمر -إذا كانت له توابع تَتبعه هو لها إمام جامع-: "أُمًا".
قال: وسُمّيت مكة: "أمّ القرى"، لتقدّمِها أمام جميعها، وجمْعها ما سواها. وقيل: لأنّ الأرض دُحيت منها.
- ويقال لها أيضًا: (الفاتحة)، لأنها تُفتتح بها القراءة، وافتتحت الصحابة بها كتابة المصحف الإمام.
- وصحّ تسميتها بـ(السّبْع المثاني)، قالوا: لأنها تُثنّى في الصلاة، فتُقرأ في كل ركعة؛ وإن كان للمثاني معانٍ أخرى، منها: الإطلاق على السّبْع الطوال، ومنها على السُّوَر غير الطوال، والمِئين، والمفصّل، ومنها على القرآن كلّه.
- وقد ثبت في الصحيح تسميتها بـ(السّبْع المثاني)، وبـ(القرآن العظيم).
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال لـ(أمّ القرآن): ((هي: (أمُّ القرآن)، وهي: (السّبْع المثاني)، وهي: (القرآن العظيم)). وفي لفظ: ((وهي: (فاتحة الكتاب)).
ــ وفضائلها كثيرة، استوعبتُ ما صحّ منها في: "موسوعة فضائل سُوَر وآيات القرآن".
ومن ذلك:
- ما ثبت في الصحيح، عن أبي سعيد بن المعلى -رضي الله عنه- قال: ((كُنت أصلِّي، فدعاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم أجِبْه حتى صليتُ وأتيتُه. فقال: ما مَنعك أنْ تأتيَني؟ قال: قلت: يا رسول الله، إني كُنت أصلِّي. قال: ألمْ يَقُلِ الله -عز وجل-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}؟ ثم قال: لأُعلِّمنّك أعظمَ سُورة في القرآن -أو مِن القرآن- قبْل أن تخرج من المسجد. قال: فأخذ بيدي. فلما أراد أن يخرج من المسجد، قلت: يا رسول الله، إنك قلت: لأعلِّمنّك أعظم سورة في القرآن. قال: نعم، (الحمد لله رب العالمين)، هي: (السّبْع المثاني)، و(القرآن العظيم) الذي أُوتيتُه)).
- وقد رواه الإمام أحمد وغيره، عن أبي هريرة، قال: ((خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أبيّ بن كعب وهو يصلِّي، فقال: يا أبيّ. فالتفتَ، ثم لمْ يجِبْه. ثم صلّى أبيّ فخفّف، ثم انصرف إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: السلام عليك، أيْ رسول الله. قال: وعليك السلام، قال: ما منعك أيْ أبيّ إذ دعوتك أنْ تُجيبني؟. فقال: أيْ رسول الله، كنت في الصلاة. قال: أو لسْتَ تجد فيما أوحي إليّ: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}؟ قال: بلى يا رسول الله! لا أعود. قال: أتحبّ أن أعلّمك سُورة لم تنزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها؟ قلت: نعم، أي رسول الله. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إنِي لأرجو أن لا أخرج من هذا الباب حتى تعلمها. قال: فأخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدي يحدثني، وأنا أتبطأ مخافة أن يبلغ قبل أن يقصّني الحديث. فلما أنْ دنوْنا من الباب، قلت: أي رسول الله. ما السورة التي وعدتني؟ قال: ما تقرأ في الصلاة؟ قال: فقرأت عليه (أمّ القرآن). قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: والذي نفسي بيده، ما أنزل الله في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها؛ إنها (السّبْع المثاني)).
وقد رواه الترمذي، والنسائي، وغيرهما، عن أُبيّ بن كعب مختصَرًا بلفظ: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل (أم القرآن). وهي: (السّبْع المثاني). وهي مقسومة بيني وبين عبدي، ولِعبدي ما سأل)).
- وروى الإمام أحمد، عن ابن جابر، قال: انتهيت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد أهراق الماء -أي: صبّه، والمراد: بال-. فقلت: السلام عليك يا رسول الله. فلم يردّ عليّ. قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله. فلم يردّ علي. قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله. فلم يردّ عليّ. فانطلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمشي، وأنا خلْفه حتى دخل على رحْله، ودخلت أنا المسجد. فجلست كئيبًا حزينًا. فخرج عليّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد تطهّر، فقال: ((عليك السلام ورحمة الله، وعليك السلام ورحمة الله، وعليك السلام ورحمة الله. ثم قال: ألاَ أخبرك يا عبد الله بن جابر بخير سُورة في القرآن؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: اقرأ (الحمد لله رب العالمين) حتى تختمها)). قال ابن كثير: "هذا إسناد جيد؛ وهو كما قال".
قال ابن كثير: "واستدلوا بهذا الحديث وأمثاله على تفاضل بعض الآيات والسُّوَر على بعض، كما هو المحكيّ عن كثير من العلماء، منهم: إسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن العربي، وابن الحصار من المالكية. وذهبت طائفة أخرى إلى أنه لا تفاضل في ذلك، لأن الجميع كلام الله، ولئلا يوهِم المفضَّل نقْصَ المفضَّل عليه، وإن كان الجميع فاضلًا".
قلت: والصواب: القول الأوّل، لتواتر الأحاديث المؤيِِّدة لذلك. والتفاضل ليس في ذات كلام الله، وإنما في الثواب والأجر المترتّب عليه -والله أعلم-.
- وروى البخاري، ومسلم أيضًا، عن أبي سعيد الخدري، قال: كنّا في مسير لنا، فنزلنا، فجاءت جارية فقالت: إنّ سيّد الحي سليم، وإنّ نفرنا غُيَّب، فهل منكم راقٍ؟ فقام معها رجل ما كنا نأبِنه برقية -أي: نتّهمه، أي: ما كنا نعلم أنه يرقي، فنعيبه بذلك-. فرقاه فبرأ. فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبَنًا. فلما رجع قلنا له: أكنت تُحسن رقية؟ أو كنت ترقي؟ قال: لا، ما رقيت إلاّ بـ(أمّ الكتاب). قلنا: لا تُحدِثوا شيئًا حتى نأتي، أو نسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فلمّا قدمنا المدينة ذكرنا للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((وما كان يُدريه أنها رقية؟ اقسِموا، واضربوا لي بسهم!)).
- وفي بعض روايات مسلم لهذا الحديث: أنّ أبا سعيد هو الذي رقى ذلك السليم، يعني: اللّديغ، يُسمّونه بذلك تفاؤلا؛ وذلك كما قالوا للفلاة: مفازة، وقيل: هو مِن السّلم، وهو: لدغ الحية، وقيل لأنه مسلم لما به.
- وروى مسلم في "صحيحه" وغيره، عن ابن عباس، قال: "بينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعنده جبريل -عليه السلام-، إذ سمع نَقِيضًا -والنقيض هو: الصوت، ونقيض السقف هو: تحريك الخشب- فوقه، فرفع جبريل -عليه السلام- بصَرَه إلى السماء، فقال: هذا باب قد فُتح من السماء ما فُتح قط. قال: فنزل منه ملَك، فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: أبشِرْ بنوريْن قد أوتيتَهما لم يؤتَهما نبيٌ قبلك: (فاتحة الكتاب) وخواتيم سورة (البقرة)؛ لن تقرأ حرفًا منهما إلاّ أُوتيتَه".
- وروى البخاري ومسلم، عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: ((مَن صلّى صلاة لم يقرأ فيها (أم القرآن)، فهي خداج -ثلاثًا- غير تمام)). فقيل لأبي هريرة: إنّا نكون وراء الإمام. قال: "اقرأ بها في نفْسك؛ فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((قال الله -عز وجل-: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفيْن، ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، قال الله تعالى: حمدني عبدي. وإذا قال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي. فإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، قال: مجّدني عبدي -وقال مرة: فوّض إليّ عبدي-. فإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ}، قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل))".
- وروى ابن جرير -رحمه الله-: عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((قال الله تعالى: قسمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفيْن، وله ما سأل. فإذا قال العبد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، قال: حمدني عبدي. وإذا قال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، قال: أثنى عليّ عبدي. ثم قال: هذا لي، وله ما بقي)). وقد صححه أحمد شاكر، وهو كما قال.
- وفي "الصحيحين" أيضًا، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا صلاة لِمَن لم يقرأ بـ(فاتحة الكتاب)).
هذا ما ذكره الحافظ ابن كثير من أحاديث في فضائل (الفاتحة).
وقد ورد في فضلها أحاديث أخَر، ومن ذلك:
- ما رواه ابن الأعرابي في "معجمه": عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "رنّ إبلـيس حين أُنزِلت (فاتحة الكتاب". وقد أخرجه غيره، كأبي الشيخ في "العظمة"، وابن الضريس، وغيرهما... وهذا الحديث إسناده صحيح، له حُكم المرفوع، بأنه ممّا لا يقال بالرأي، وليس ممّا يُتلقى من أهل الكتاب. وكلمة "رنّ"، أي: صاح، والرنة: الصيحة الشديدة.
- وكذلك ما رواه النسائي -رحمه الله-، عن أنس -رضي الله عنه-، قال: كان النبـي -صلى الله عليه وسلم- في مسـير له، فنزل، ونزل رجل إلى جانبه. فالتفت إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((ألاَ أخبرك بأفضـل القرآن؟ قال: فتلا عليه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ})). وهذا حديث صحيح، رجاله جميعًا ثقات. وقد صحّحه الحاكم، وسكت الذهبي.
- ومِن ذلك أيضًا: الحديث الذي رواه الإمام البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إذا قال الإمام: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ}، فقولوا: "آمين"؛ فإنّ الملائكة يقولون: "آمين"، وإن الإمام يقول: "آمين"؛ فمن وافق تأمين تأمينَ الملائكة، غُـفر له ما تقدّم من ذنبه)).
- وقد جاء عن غير أبي هريرة بلفظ آخر، فرواه الإمام مسلم -رحمه الله-، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا قال الإمام: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ}، فقولوا: "آمين"، يُجبْكم الله)).
ــ بعض ما اشتملت عليه (الفاتحة) من معان:
ــ اشتملت هذه السورة على حمْد الله، وتمجيده، والثناء عليه، وعلى ذكْر المعاد -وهو يوم الدِّين-، وعلى إرشاد الله العباد إلى سؤاله، والتّضرّع إليه، والتبرّي مِن حوْلهم وقوّتهم، وإلى إخلاص العبادة له، وتوحيده بالألوهية - تبارك وتعالى-، وإلى سؤالهم إيّاه الهداية إلى الطريق المستقيم -وهو الدِّين القويم-، وتثبيتهم عليه، حتى يفضي بهم ذلك إلى جنّات النعيم، في جوار النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصّالحين. واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة، ليكونوا مع أهلها يوم القيامة. والتّحذير من مسالك الباطل، لئلاّ يُحشروا مع سالكيها يوم القيامة؛ وأهمّهم المغضوب عليهم: اليهود، والضالون: النصارى.
ــ بيان ما اشتملت عليه من وجوب إفراد الله بالعبادة, ووصْفه بصفات الجلال والكمال:
فالتفسير يأتي على ضروب:
- فمنه تفسير المفردات وهو: غالب ما يُروى عن الصحابة والتابعين في التفسير.
- ومنه التفسير الإجماليّ وهو: عرْض للمعنى الإجماليّ الذي تضمّنتْه الآيات. وهي طريقة كثير مِن المفسِّرين، كما يلاحظ في "تفسير" الطبري، قبل أن يسوق الروايات أو بعدها؛ وهو موجود أيضًا في "تفسير" ابن كثير.
- وهناك التفسير التحليليّ وهو: مبنيّ على تحليل الآية: مِن حيث تركيبها اللغوي، ومعاني مفرداتها، وما يُستنبط منها من أحكام. وهو موجود لدى كثير مِن المفسِّرين، ويعدّ الطبري في أوائل مَن سلك هذا المسلك التفسيريّ.
- وهناك التفسير الموضوعيّ وهو: جمْع الآيات المتعلِّقة بموضوع معيّن كالجهاد مثلًا، والربط بينها، وبيان ما يستفاد منها. وهو نوع من التصنيف لا يُذكَر كثيرًا ضمن كتب التفسير، لأنه لا يستوعب آيات القرآن الكريم، بل هو أقرب إلى التصنيفات المستقلّة.
والذي نسلكه غالبًا في دراستنا هو: التفسير التحليليّ، ويندرج فيه: الإجمالي، وشرح المفردات.
ــ الكلام على تفسير "الاستعاذة":
ــ قال الله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. ففي هذه الآية: يأمر الله بمصانعة العدوّ الإنسي، والإحسان إليه، ليردّه عنه طبْعُه الطّيّب الأصل إلى الموادّة والمصافاة، ويأمر بالاستعاذة به من العدو الشيطانيّ لا محالة؛ إذ لا يقبل مصانعة ولا إحسانًا، ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم، لشدّة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبل، كما قال تعالى:{يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ}، وقال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}.
وقال الله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}.
ــ و"الاستعاذة" هي: الالتجاء إلى الله تعالى، والالتصاق بجانبه، مِن شرّ كل ذي شرّ. و"العياذة" تكون لدفع الشر، و"اللّياذ" لطلب جلب الخير، كما قال المتنبي:
يا مَن ألوذ به فيما أؤمّلهُ        ومَن أعوذ به ممّن أحاذرهُ
لاَ يَجبر الناسُ عظمًا أنت كاسرهُ        ولا يهيضون عظمًا أنت جابرُه
ولفظ "الاستعاذة" يأتي الحديث عنه في مسائل الآية؛ ومن ذلك: أن تقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم".
ومعنى: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" أي: أستجير بجناب الله، من الشيطان أن يضرّني في ديني أو دنياي، أو يصدّني عن فعْل ما أُمِرت به، أو يحثّني على فعل ما نُهيت عنه؛ فإنّ الشيطان لا يكفّه عن الإنسان إلا الله.
ــ و"الشيطان" في لغة العرب: مشتق مِن: "شَطن" إذا بعُد؛ فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد بفسقه عن كلّ خير. وقيل: مشتقّ من: "شاط"، لأنه مخلوق من نار. ومنهم من يقول: كلاهما صحيح في المعنى، ولكن الأوّل أصح، وعليه يدلّ كلام العرب. وقال سيبويه: "العرب تقول: "تَشيْطن فلان"، إذا فعَل فعْل الشياطين، ولو كان من: "شاط"، لقالوا: تشيّط".
فـ"الشيطان": مشتق مِن: البُعد، على الصحيح؛ ولهذا يسمُّون كل ما تمرّد مِن جنِّيّ وإنسيّ وحيوان: "شيطانًا". قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا}. عن أبي ذر، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((يا أبا ذر، تعوّذْ بالله من شياطين الإنس والجنّ. فقلت: أوَ للإنس شياطين؟ قال: نعم)). رواه أحمد ضمْن حديث طويل. وقد أخرجه الحاكم وغيره، وصحّحه، وسكت الذهبي. وإسناده فيه مقال مِن عدّة جهات، إلاّ أن له طرقًا وشواهد تكفي في تحسين الجزء المذكور من الحديث، ومنه الآية نفسها.
وفي "صحيح" مسلم، عن أبي ذر أيضًا، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((يقطع الصلاة: المرأةُ، والحمار، والكلب الأسود)). فقلت: يا رسول الله، ما بال الكلب الأسود مِن الأحمر مِن الأصفر؟ فقال: ((الكلب الأسود: شيطان)).
ــ و"الرجيم": فعيل، بمعنى: مفعول، أي: أنه مرجوم مطرود عن الخيْر كلّه، كما قال الله تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ}، وقال تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ}، إلى غير ذلك من الآيات... وقيل: "رجيم" بمعنى: راجم، لأنه يرجم الناس بالوساوس والربائث...
و"الربائث": جمع ربيثة وهي: الحاجات التي تحبسهم عن الخير.
ــ وممّا يذكر في فضل الاستعاذة:
ما رواه البخاري وغيره، عن سليمان بن صُرَد، قال: "استبّ رجلان عند النبي -صلى الله عليه وسلم-، ونحن عنده جلوس؛ فأحدهما يسبّ صاحبه مغضبًا قد احمر وجهه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنّي لأعلَم كلمة لو قالها لَذَهب عنه ما يجده؛ لو قال: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم")). فقالوا للرجل: ألاّ تسمع ما يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: إني لست بمجنون!
ــ الكلام عن البسملة:
ــ روى الإمام أحمد، عن أبي تميمة، عن رديف النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: عثر بالنبي -صلى الله عليه وسلم- حماره، فقلت: تعِس الشيطان! فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تقُلْ: "تعِس الشيطان!" فإنك إذا قلت: "تعِس الشيطان!"، تعاظم، وقال: بقوّتي صرعتُه. وإذا قلت: "بسم الله"، تصاغر حتى يصير مثل الذّباب)).
قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وصحّحه الشيخ الألباني -رحمه الله-.
و"تعَِس": -بكسْر العين وفتحها-، أي: كُبّ لوجهه، أو هلك. ويبدو أنه كان مِن عادتهم إذا عثر أحدهم دعا بذلك على مَن يكره، كما في حديث الإفك: تعِس مسطح. فهذا من تأثير بركة "بسم الله"؛ ولهذا تُستحب في أوّل كلِّ عمل وقول، كما يأتي تفصيل ذلك في المسائل -إن شاء الله تعالى-.
ــ وللنُّحاة قولان في تقدير المتعلّق بالباء في قولك: "بسم الله": هل هو اسم أو فعْل؟ وهما متقاربان، وكلّ قد ورد به القرآن.
ــ "الله": عَلَمٌ على الرب -تبارك وتعالى-. يقال: إنه الاسم الأعظم، لأنه يوصف بجميع الصِّفات. كما قال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}؛ فأجرى الأسماء الباقية كلّها صفات له. وفي "الصحيحيْن" عن أبي هريرة: أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: ((إنَّ للهِ تسعةً وتسعين اسمًا، مائة إلاّ واحدًا، مَن أحصاها دخَل الجنّة)). وجاء تعدادها في رواية الترمذي، وابن ماجة، وفي الروايتيْن اختلاف وزيادة ونقصان. وقد ذكر الرازي في "تفسيره" عن بعضهم: أنّ لله خمسة آلاف اسم: ألْف في الكتاب والسُّنّة الصحيحة، وألْف في التوراة، وألْف في الإنجيل، وألْف في الزبور، وألْف في اللوح المحفوظ؛ وهذا مِن خرافات تفسير الرازي وتوسّعاته غير المرضية، التي لا أزمّة لها، ولا تثبت لا عقلًا ولا نقلًا.
وهو اسم لم يسمَّ به غيْرُه -تبارك وتعالى-، ولهذا لا يُعرف في كلام العرب له اشتقاق من: "فعل" و"يفعل"؛ فذهب من ذهب من النحاة، إلى أنه اسم جامد لا اشتقاق له. وقد نقل القرطبي عن جماعة من العلماء، منهم: الشافعي، والخطابي، وإمام الحرميْن، والغزالي، وغيرهم... وروي عن الخليل وسيبويه: أنّ الألف واللام فيه لازمة. قال الخطابي: "ألا ترى أنك تقول: "يا الله"، ولا تقول: "يا الرحمن"، فلولا أنه مِن أصل الكلمة لما جاز إدخال حرف النداء على الألف واللام.
وقيل: إنه مشتق، واستدلوا عليه بقول رؤبة بن العجاج:
لله دَرُّ الغانيات المُدَّهِ        سبّحن واسترجعْنَ من تألّهِ
و"المُدّه": المُدّح، "المادِه": المادح، والجمْع: المُدّه. و"الغانية": الجارية التي غنِيت بزوجها. فقد صرّح الشاعر بلفظ المصدر وهو: "التألّه"، مِن: ألِه، يأله، إلاهة، وتألّهًا. كما روي: أنّ ابن عباس قرأ: "ويذرَك وإلاهتَك". قال: عبادتك، أي: أنه كان يُعبد ولا يَعبد. وهي قراءة شاذة. وأصل ذلك: "الإله"، فحذفت الهمزة التي هي فاء الكلمة، فالتقت اللام التي عينها، مع اللام الزائدة في أوّلها للتعريف، فأدغمت إحداهما في الأخرى، فصارتا في اللفظ لامًا واحدة مشدّدة، وفُخمت تعظيمًا، فقيل: الله.
والقول بعدم اشتقاقه أصحّ، والمشتق المذكور هو: لفظ: "الإله"، وليس لفظ: "الله". ومِن الأدلّة على عدم اشتقاقه: أنه لا يُثنّى ولا يُجمع.
ــ {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}: اسمان مشتقّان مِن الرحمة، على وجه المبالغة. و"رحمن" أشدّ مبالغة مِن "رحيم". وفي كلام ابن جرير ما يفهم منه حكاية الاتفاق على هذا.
وقال القرطبي: "والدليل على أنه مشتقّ: ما أخرجه الترمذي وصحّحه، عن عبد الرحمن بن عوف: أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((قال الله تعالى: أنا الله، و أنا الرحمن. خلقتُ الرّحم، وشققت لها اسمًا من اسمي؛ فمَن وصلَها وصلتُه، ومَن قَطَعها قطعتُه))". قال: "وهذا أظهر في الاشتقاق؛ فلا معنى للمخالفة والشّقاق".
قلت: الدليل المذكور يدلّ على أنه مشتقّ منه، لا مشتقّ، ولا يمنع أن يكون "الرَّحِم" و"الرحمة" وتصريف ذلك كلّه مشتق من اسم الله: "الرّحمن".
قال القرطبي: "ثم قيل: هما بمعنى، كـ"ندمان" و"نديم"؛ قاله أبو عبيدة. وقيل: ليس بناء "فعلان" كـ"فعيل"؛ فإن "فعلان" لا يقع إلا على مبالغة الفعل، نحو قولك: "رجل غضبان"، للرجل الممتلئ غضبًا. و"فعيل" قد يكون بمعنى: الفاعل والمفعول. قال أبو علي الفارسي: "الرحمن": اسم عامّ في جميع أنواع الرحمة، يختص به الله تعالى. و"الرحيم" إنما هو مِن جهة المؤمنين، قال الله تعالى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}".
وقال ابن المبارك: "الرحمن": إذا سئل أعطى، و"الرحيم": إذا لم يُسأل يغضب".
واسمه تعالى "الرحمن": خاص به، لم يسمَّ به غيره، كما قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}، وقال تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ}. ولما تجهرم مسيلمة الكذاب، وتسمَّى بـ"رحمن اليمامة"، كساه الله جلباب الكذب، وشُهر به، فلا يقال إلا: "مسيلمة الكذاب"؛ فصار يضرب به المثل في الكذب بين أهل الحضر من أهل المدر، وأهل الوبر من أهل البادية والأعراب.
قلت: "جهرم": بلدة بفارس، ولم أقف على شرح لمعناها، وكأنه يراد بها: تزندق، كأنه اتّبع دين فارس. وقد ذكرها الحافظ الذهبي في "المغني" في الضعفاء، في ترجمة علي بن عبد الملك الطرسوسي، فقال: قال الحاكم: "كان معتزليًا متهاونًا بالرواية، تجهرم حتى هجر". اهـ.
وقد زعم بعضهم: أنّ "الرحيم" أشد مبالغة مِن "الرحمن"، لأنه أُكِّد به؛ والتأكيد لا يكون إلاّ أقوى مِن المؤكَّد. والجواب: أنّ هذا ليس من باب التأكيد، وإنما هو من باب النعت بعد النعت، ولا يلزم فيه ما ذكروه. كما زعم بعضهم: أن العرب لا تعرف "الرحمن" حتى ردّ الله عليهم ذلك بقوله: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}؛ ولهذا قال كفار قريش يوم الحديبية -لما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعليّ: ((اكتب: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}))- فقالوا: "لا نعرف الرحمن، ولا الرحيم". رواه البخاري. وفي بعض الروايات: "لا نعرف الرحمن، إلا رحمن اليمامة".
قلت: هذا اللفظ لم أجده إلا في "طبقات ابن سعد"، عن ابن عباس في قصة أخرى، وهي: إرسال قريش النضر وعقبة لسؤال اليهود عنه -صلى الله عليه وسلم-؛ وفيه: "يزعم أنه رسول الرحمن، ولا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة"؛ وفيه الكلبي، وهو متروك.
وقال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا}. والظاهر: أنّ إنكارهم هذا إنما هو جحود، وعناد، وتعنت في كفرهم. وإنه قد وجد في أشعار الجاهلية تسمية الله تعالى بالرحمن. قال ابن جرير، وقد أنشد لبعض الجاهلية الجهال:
ألا ضربتْ تلك الفتاةُ هجينَها        ألاَ قضَب الرحمنُ ربي يمينَها
"الهجين" هنا: يعني الزوج. و"قضَب": أي قطع.
وعن الحسن قال: "الرحمن": اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه، تَسمّى به تبارك وتعالى".
ــ تفسير (الفاتحة):
ــ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}:
القرّاء السّبعة على ضمّ الدال مِن قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ}؛ وهو: مبتدأ وخبر.
ورُويت فيه قراءات أخرى: {الْحَمْدَ لِلَّهِ} -بالنّصب-؛ وهو على إضمار فعْل
{الْحَمْدُ لُلَّهِ} -بضمّ الدّال واللام، إتباعاً للثاني الأوّل-، وله شواهد.
{الْحَمْدِ لِلَّهِ} -بكسر الدّال، إتباعاً للأوّل الثاني-. وكلها شواذ لا يُقرأ بها.
قال أبو جعفر بن جرير: "معنى {الْحَمْدُ لِلَّهِ}: الشكر لله خالصًا، دون سائر ما يُعبد مِن دونه، ودون كل ما برأ من خلْقه، بما أنعم على عباده من النِّعم التي لا يحصيها العدد، ولا يحيط بعددها غيره أحد، في تصحيح الآلات في طاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلَّفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وغذاهم به من نعيم العيش، من غير استحقاق منهم ذلك عليه، ومع ما نبّههم عليه ودعاهم إليه من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود، في دار المقام في النعيم المقيم؛ فلِربِّنا الحمد على ذلك كلّه، أولًا وآخرًا".
وقال ابن جرير: {الْحَمْدُ لِلَّهِ}: "ثناء أثنى به على نفسه، وفي ضِمنه أمر عباده أن يُثنوا عليه؛ فكأنه قال: قولوا: "الحمد لله". قال: وقد قيل: إن قول القائل: "الحمد لله": ثناء عليه بأسمائه الحسنى، وصفاته العُلا. وقوله: "الشكر لله": ثناء عليه بنعمه وأياديه. ثم شرع في ردّ ذلك بما حاصله: أنّ جميع أهل المعرفة بلسان العرب، يوقعون كلًا من الحمد والشكر مكان الآخر".
وقد اشتهر عند كثير من العلماء مِن المتأخرين: أنّ الحمد هو: الثناء بالقول على المحمود، بصِفاته اللازمة والمتعدّية. والشكر لا يكون إلا على المتعدّية؛ ويكون بالجَنان واللسان والأركان. ولكنهم اختلفوا: أيها أعمّ، الحمد أو الشكر؟ على قولين. والتحقيق: أن بينهما عمومًا وخصوصًا؛ فالحمد أعم من الشكر، من حيث ما يقعان عليه، لأنه يكون على الصفات اللازمة والمتعدّية؛ تقول: "حمدْتُه لفروسيّته"، و"حمدته لِكرمه"؛ وهو أخص لأنه لا يكون إلاّ بالقول. والشكر أعم من حيث ما يقعان به، لأنه يكون بالقول والفعل والنِّية، كما تقدم. وهو أخص لأنه لا يكون إلاّ على الصفات المتعدّية؛ لا يقال: "شكرْته لفروسيته"، وتقول: "شكرْته على كرمه وإحسانه إليّ". هذا حاصل ما حرره بعض المتأخِّرين -والله أعلم-.
وقد ورد في فضل الحمد أحاديث كثيرة، ومِن ذلك: ما رواه أحمد وغيره، عن الأسود بن سريع، قال: قلت: يا رسول الله، ألا أنشدك محامد حمدتُ بها ربي تبارك وتعالى؟ فقال: ((أمَا إنّ ربّك يُحبّ الحمد)). وهو حديث حسن، وقد صحّحه أحمد شاكر، وحسّنه الألباني.
وحكى القرطبي عن طائفة، أنهم قالوا: قول العبد: "الحمد لله رب العالمين"، أفضل من قوله: "لا إله إلا الله"، لاشتمال الحمد لله رب العالمين على التوحيد مع الحمد.
وقال آخرون: بل "لا إله إلا الله" أفضل، لأنها الفصل بين الإيمان والكفر، وعليها يقاتل الناس حتى يقولوا: "لا إله إلا الله"، كما ثبت في الحديث المتّفق عليه. وفي الحديث الآخر في "السُّنن": ((أفضلُ ما قلتُ أنا والنّبيّون مِن قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له)). وهو حديث حسن له طُرق.
والألف واللام في: {الْحَمْدُ} لاستغراق جميع أجناس الحمد وصنوفه لله تعالى. كما جاء في الحديث: ((اللهم لك الحمد كلّه، ولك المُلْك كلّه، وبيدك الخير كلّه، وإليك يرجع الأمْر كلّه)).
ــ و"الرب" هو: المالك المتصرف. ويُطلق في اللغة على السَّيِّد، وعلى المتصرِّف للإصلاح. وكلّ ذلك صحيح في حق الله تعالى. ولا يُستعمل "الرب" لغير الله إلا بالإضافة، تقول: "ربّ الدار"، و"ربّ كذا". وأما "الرب"، فلا تقال إلا لله -عز وجل-.
ــ و{العَالَمِينَ}: جمْع عالَم وهو: كلّ موجود سوى الله -عز وجل-. والعالَم: جمع، لا واحد له من لفظه. والعوالم: أصناف المخلوقات في السموات وفي البر والبحر، وكلّ قرن منها وجيل يسمّى عالَمًا أيضًا.
وفي رواية سعيد بن جبير وعكرمة، عن ابن عباس: "ربّ الجن والإنس"؛ وكذلك قال غير واحد مِن السلف. واستدل القرطبي لهذا القول بقوله تعالى: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا}، وهم الجنّ والإنس. وقال الفراء وأبو عبيدة: "العالَم عبارة عما يَعقل وهم: الإنس والجن والملائكة والشياطين، ولا يقال للبهائم: عالَم.
ــ وقوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} سبق الكلام عليه في البسملة.
قال القرطبي: "وإنما وصف نفسه بـ{الرَحْمَنِ الرَّحِيمِ}، بعد قوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ}، ليكون من باب قرن الترغيب بعد الترهيب، كما قال: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}، وقوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}". قال: "فـ"الرب" فيه ترهيب، و"لرحمن" فيه ترغيب. وفي "صحيح" مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لو يعْلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، لما طمع في جنَّته أحد. ولو يعلم الكافر ما عند الله مِن الرحمة، لما قنط مِن جَنته أحدٌ))".
ــ تفسير قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}:
- قرأ بعض القُرّاء: {مَالِكِ}، وقرأ آخَرون: {مَلِكِ}؛ وكلاهما صحيح متواتر في السّبعة.
وقُرئ أيضًا: {مَلْكِ} -بإسكان اللام-، على وزن: سَهْل-، و"مَلِيكِ" -على وزن: فعيل-، و"مَلِكِي" -بإشباع الكسرة-. وحكي عن أبي حنيفة أنه قرأ: "مَلَكِ يَوْمَ الدِّينِ"، على أنه فعْل وفاعل ومفعول. وكلّها شواذ لا يُقرأ بها.
وقد رجّح كلًا من القراءتيْن المتواترتيْن مرجِّحون، من حيث المعنى؛ وكلاهما صحيحة حسنة. ورجّح الزمخشري {مَلِكِ} لأنها قراءة الحرميْن، ولقوله: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ}، و{قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ}.
وقد روى أبو بكر بن أبي داود في ذلك شيئًا غريبًا، عن ابن شهاب: أنه بلغه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبا بكر، وعمر، وعثمان، ومعاوية، وابنه يزيد بن معاوية، كانوا يقرؤون: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}. قال ابن شهاب: وأول من أحدث {مَلِكِ}: مروان. قال ابن كثير: "مروان عنده علّم بصحة ما قرأه، لم يطلع عليه ابن شهاب". والله أعلم.
قلت: الأثر في إسناده: عديّ بن الفضل، قال الذهبي: "تركوه"، وهو أيضًا مرسَل لا يصح.
وتخصيص الملْك بيوم الدين، لا ينفيه عما عداه، لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين، وذلك عامّ في الدنيا والآخرة. وإنّما أضيف إلى يوم الدِّين، لأنه لا يدّعي أحد هنالك شيئًا، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه، كما قال تعالى: {يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ}.
و"الملِك" في الحقيقة هو: الله -عز وجل-. قال الله: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ}. وفي "الصحيحيْن" عن أبي هريرة مرفوعًا: ((أخنعُ اسم عند الله، رجلٌ تسمَّى بـ"مَلِك الأملاك"؛ ولا ملِك إلاّ الله)). وفيهما: عنه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((يَقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملِك، أين ملوك الأرض؟ أين الجبّارون؟ أين المتكبِّرون؟)). وفي القرآن العظيم: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}. فأمّا تسمية غيره في الدنيا بـ"ملِك"، فعلى سبيل المجاز، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا}، {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ}، {إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا}. وفي "الصحيحيْن": ((... مثْل الملوك على الأسرّة)).
- و{الدِّين}: الجزاء والحساب، كما قال: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ}، وقال: {أَإِنَّا لَمَدِينُونَ}، أي: لمَجْزيّون، أي: محاسَبون. وفي الحديث الذي حسّنه الترمذي، وفيه ضعف: ((الكيّس مَن دان نفسه، وعمِل لما بعْد الموت)). أي: حاسب نفسه لنفسه، وكما قال عمر: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسَبوا، وزنوا أنفسَكم قبل أن توزَنوا، وتزيّنوا للعرْض الأكبر، على مَن لا تخفى عليه أعمالكم: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ}".
ــ تفسير قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}:
- القراءة المتواترة المُتّفَق عليها: بتشديد الياء من: {إِيَّاكَ}، وقرأ عمرو بن فايد بتخفيفها مع الكسر، وهي قراءة شاذة مرذولة، لأنّ "إيا": ضوء الشمس. وقرأ بعضهم: "أَيَّاك" -بفتح الهمزة وتشديد الياء-. وقرأ بعضهم: "هياك" -بالهاء بدل الهمزة-؛ وكلّها شواذ.
- و{نَسْتَعِينُ}: بفتح النون أوّل الكلمة في قراءة الجميع، سوى يحيى بن وثاب والأعمش فإنهما كسراها؛ وهي لغة بني أسد وربيعة وبني تميم.
- و"العبادة" في اللغة مِن الذّلّة. يقال: طريق معبّد، وبعير معبّد، أي: مذلّل. وفي الشرع: عبارة عما يجمع كمال المحبة، والخضوع، والخوف.
وقدّم المفعول -وهو: {إِيَّاكَ}- وكُرّر، للاهتمام والحصر، أي: لا نعبد إلاّ إيّاك، ولا نتوكّل إلا عليك؛ وهذا هو كمال الطاعة. والدِّين يرجع كلّه إلى هذيْن المعنييْن. وهذا كما قال بعض السلف: "(الفاتحة) سرّ القرآن. وسرّها هذه الكلمة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}". فالأوّل: تبرِّي مِن الشّرك. والثاني: تبرِّي من الحوْل والقوة، والتفويض إلى الله -عز وجل-. وهذا المعنى في غير آية من القرآن، كما قال تعالى: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}، {قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا}، {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا}. وكذلك هذه الآية الكريمة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.
وتحوّل الكلام من الغيْبة إلى المواجهة بكاف الخطاب وهو مناسبه، لأنه لمّا أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى؛ فلهذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}. وفي هذا دليل على أنّ أول السورة خبَر من الله تعالى، بالثناء على نفسه الكريمة، بجميل صفاته الحسنى، وإرشاد لعباده بأن يُثنوا عليه بذلك.
وإنما قدّم {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} على {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، لأنّ العبادة له هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها؛ والاهتمام والحزم هو: أن يقدّم ما هو الأهمّ فالأهمّ -والله أعلم-.
فإن قيل: ما معنى النون في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}؟ فإن كانت للجمع فالداعي واحد، وإن كانت للتعظيم فلا يناسب هذا المقام. وقد أجيب: بأنّ المراد من ذلك: الإخبار عن جنس العباد، والمصلِّي فرد منهم، ولا سيما إن كان في جماعة أو إمامهم، فأخبر عن نفسه وعن إخوانه المؤمنين بالعبادة التي خُلقوا مِن أجْلها، وتوسّط لهم بخير. ومنهم من قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ألطف في التواضع مِن: "إياك أعبد"، لِما في الثاني من تعظيم نفسه، من جعْله نفسه وحده أهلًا لعبادة الله تعالى، الذي لا يستطيع أحد أنْ يعبده حقّ عبادته، ولا يُثني عليه كما يليق به.
والعبادة مقام عظيم، يشْرف به العبد لانتسابه إلى جناب الله تعالى. وقد سمّى الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- بـ"عبْده" في أشرف مقاماته، فقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ}، {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ}، {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ}؛ فسمّاه عبدًا عند إنزاله عليه، وعند قيامه في الدعوة، وإسرائه به.
* دعوة المسلمين ربهم أن يهديهم الصراط المستقيم, وأن يجنّبهم طُرق المغضوب عليهم والضالين:
ــ تفسير قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}:
- قراءة الجمهور بالصاد، وقرئ: {السِّرَاطَ} بالسّين، وقرئ بالزّاي. قال الفراء: وهي لغة بني عديّ، وبني كلب.
قلت: ليس بالزّاي الخالصة كما رواه بعضهم خطًا، وإنما بالصاد المشوبة بالزاي، ويسمى: الإشمام. وتنطق مثل: "الظاء" عند عوامّ مصر. وهي قراءة حمزة، على تفصيل في الروايتيْن عنه. وهذه القراءات المذكورة متواترة.
وطلب العبد هنا ذلك: أنه لمّا تقدّم الثناء على المسؤول -تبارك وتعالى-، ناسب أن يعقب بالسؤال، كما قال: ((فنِصْفها لي، ونصفها لعبدي؛ ولعبدي ما سأل)). وهذا أكمل أحوال السائل: أن يمدح مسؤوله، ثم يسأل حاجته وحاجة إخوته المؤمنين، بقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، لأنه أنجح للحاجة، وأنجع للإجابة؛ ولهذا أرشد الله تعالى إليه لأنه الأكمل.
والهداية ههنا: الإرشاد والتوفيق. وقد تعدّى الهداية بنفسها كما هنا: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، فتضمّن معنى: ألهِمْنا، أو وفِّقنا، أو ارزقنا، أو أعطنا. {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}، أي: بيّنّا له الخير والشر. وقد تعدّى بـ"إلى" كقوله تعالى: {اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}، {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ}، وذلك بمعنى الإرشاد والدلالة، وكذلك قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. وقد تعدّى باللام كقول أهل الجنة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا}، أي: وفّقنا لهذا، وجعلنا له أهلًا.
قلت: الهداية نوعان: هداية دلالة وإرشاد، وهداية توفيق وإلهام؛ وكلّه مراد هنا.
- وأمّا {الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، فقال الإمام أبو جعفر بن جرير: "أجمعت الأمّة من أهل التأويل جميعًا على: أن {الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم} هو: الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه. وكذلك ذلك في لغة جميع العرب؛ فمِن ذلك: قول جرير بن عطية الخطفي:
أمير المؤمنين على صراطٍ        إذا اعوج الموارد مُستقيمِ"
قال: "والشواهد على ذلك أكثر مِن أن تُحصر". قال: "ثم تستعير العرب الصراط، فتستعمله في كلّ قول وعمل وُصف باستقامة أو اعوجاج؛ فتصِف المستقيم باستقامته، والمعوجّ باعوجاجه".
ثم اختلفت عبارات المفسِرين مِن السلف والخلف في تفسير {الصِّرَاط}، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد وهو: المتابعة لله وللرسول. فروي أنه: كتاب الله، كما في حديث الحارث الأعور عن علي؛ وهو حديث ضعيف. كما روي في تفسير السّدّي، عن ابن عباس وابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} قالوا: هو: الإسلام.
وقال عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} قال: "الإسلام؛ هو أوسع ممّا بين السماء والأرض". وإسناده حسن.
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد في "مسنده"، عن النواس بن سمعان عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ضرَب الله مثلًا: صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتَي الصراط سُوران، فيهما أبواب مفتّحة، وعلى الأبواب ستور مُرخاة. وعلى باب الصراط داعٍ يقول: "يا أيها الناس! ادخلوا الصراط جميعًا، ولا تعوجوا". وداعِ يدعو مِن فوق الصراط. فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا مِن تلك الأبواب، قال: "ويحك! لا تفتحْه، فإنك إن تفتحه تلجه!". فالصراط: الإسلام. والسُّوران: حدود الله. والأبواب المفتّحة: محارم الله. وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله. والداعي مِن فوق: واعظ الله مِن قلب كلِّ مسلم)). قال ابن كثير: "وهو إسناد حسن صحيح". قلت: صحّحه أيضًا: الحاكم، والسيوطي، والألباني.
وقال مجاهد: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، قال: "الحق". وهذا أشمل، ولا منافاة بينه وبين ما تقدّم.
وعن أبي العالية: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، قال: "هو: النبي -صلى الله عليه وسلم- وصاحباه مِن بَعْده". قال عاصم: "فذكرنا ذلك للحسن، فقال: صدَق أبو العالية ونصَح". إسناده حسن.
قال ابن كثير: "وكلّ هذه الأقوال صحيحة، وهي متلازمة؛ فإنّ مَن اتّبع النبي -صلى الله عليه وسلم-، واقتدى باللّذَيْن مِن بَعْده -أبي بكر وعمر- فقد اتّبع الحق، ومَن اتّبع الحق فقد اتّبع الإسلام، ومَن اتّبع الإسلام فقد اتّبع القرآن؛ وهو: كتاب الله، وحبْله المتين، وصراطه المستقيم. فكلها صحيحة، يصدّق بعضها بعضًا، ولله الحمد".
وعن عبد الله بن مسعود، قال: "{الصِّرَاط المُستقيم}: الذي تركَنا عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-". إسناده صحيح؛ ولهذا قال الإمام أبو جعفر بن جرير -رحمه الله-: "والذي هو أوْلى بتأويل هذه الآية عندي -أعني: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}-: أن يكون معنيًا به: وفِّقنا للثبات على ما ارتضيتَه، ووفّقتَ له مَن أنعمتَ عليه مِن عبادك، من قول وعمل. وذلك هو الصراط المستقيم، لأنّ مَن وُفِّق لما وُفِّق له مَن أنعم الله عليه مِن النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، فقد وُفّق للإسلام وتصديق الرسل والتمسك بالكتاب، والعمل بما أمره الله به، والانزجار عما زجره عنه، واتباع منهاج النبي -صلى الله عليه وسلم- ومنهاج الخلفاء الأربعة، وكل عبد صالح؛ وكلّ ذلك من الصراط المستقيم".
فالجواب: أن لا، ولولا احتياجه ليلًا ونهارًا إلى سؤال الهداية، لما أرشده الله إلى ذلك؛ فإنّ العبد مُفتقِر في كلِّ ساعة وحالة إلى الله تعالى، في تثبيته على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصّره وازدياده منها، واستمراره عليها. فإنّ العبد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلاّ ما شاء الله، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كلّ وقت أنْ يمدّه بالمعونة والثبات والتوفيق. فالسعيد من وفّقه الله تعالى لسؤاله؛ فإنه تعالى قد تكفّل بإجابة الداعي إذا دعاه، ولا سيما المضطرّ المحتاج المفتقر إليه، آناء الليل وأطراف النهار، وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ...} الآية. فقد أمَر الذين آمنوا بالإيمان، وليس ذلك من باب تحصيل الحاصل، لأنّ المراد: الثبات والاستمرار والمداومة على الأعمال المعِينة على ذلك -والله أعلم-.
ــ تفسير قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ}:
- القراءة في: {صِرَاطَ} كالقراءة في: {الصِّرَاطَ} معرّفة.
وقد تقدم الحديث فيما إذا قال العبد: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} إلى آخرها، أنّ الله يقول: ((هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل)).
- وقوله: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}: مفسِّر للصِّراط المستقيم، وهو: بدل منه عند النحاة، ويجوز أن يكون عطف بيان -والله أعلم-.
والذين أنعم الله عليهم: هم المذكورون في سورة (النساء)، حيث قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا}.
وعن الربيع بن أنس: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} قال: "هم: النبيّون". وقال ابن جريج عن ابن عباس: "هم: المؤمنون"؛ وكذا قال مجاهد. وقال وكيع: "هم: المسلمون". وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: "هم: النبي -صلى الله عليه وسلم- ومَن معه". والآية أعمّ وأشمل.
ــ وقوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ}، قرأ الجمهور: {غَيْرِ}، بالجرِّ على النعت.
قال الزمخشري: "وقرئ بالنّصب على الحال؛ وهي قراءة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعمر بن الخطاب؛ ورُويت عن ابن كثير. وذو الحال: الضمير في: {عَلَيْهِمْ}، والعامل: {أَنْعَمْتَ}.
قلت: تعبيره بـ"قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم-" غير صحيح؛ فإنّ قراءة العشرة هي قراءة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأصحّ الأسانيد، بل بالتواتر؛ وأمّا هذا، فالمراد به: أنها رُويت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بالآحاد الضعيفة أو الشاذّ. وقد روى الدّوري عن عبد الجبار بن وائل بن حجر، قال: قرأ النبي -صلى الله عليه وسلم-: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ}، وهي غير مشكّلة، ولعلها المرادة هنا، وإسناده ضعيف لإرساله. وروى الطبراني، عن ابن مسعود: أنه قرأ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}: خفْض. قال الهيثمي: "فيه الفياض بن غزوان وهو ضعيف، وجماعة لم أعرفهم".
وأما قراءة عمر -رضي الله عنه-، فقد أخرجها ابن أبي داود في "المصاحف" مِن طرق عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود وعلقمة عنه؛ وهذا إسناد صحيح، وهي قراءة تفسيريّة أو منسوخة شاذة.
والمعنى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ممّن تقَدّم وصْفُهم ونعتُهم، وهم: أهل الهداية، والاستقامة، والطاعة لله ورُسله، وامتثال أوامره، وترْك نواهيه وزواجره، غير صراط المغضوب عليهم وهم: الذين فسدت إراداتهم، فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين وهم: الذين فقدوا العلْم، فهم هائمون في الضلالة، لا يهتدون إلى الحق. وأكّد الكلام بـ{لاَ} ليدلّ على: أنّ ثَم مَسلكيْن فاسديْن، وهما طريقتا اليهود والنصارى.
وقد زعم بعض النّحاة: أنّ {غَيْر} ها هنا: استثنائية؛ فيكون على هذا منقطعًا لاستثنائهم مِن المنعَم عليهم، وليسوا منهم. والأوّل أوْلى، أي: غير صراط المغضوب عليهم، اكتفى بالمضاف إليه عن ذكر المضاف وقد دلّ عليه سياق الكلام، وهو قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}، ثم قال: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}.
ومنهم مّن زعم: أنّ {لاّ} في قوله: {وَلا الضَّالِّينَ}: زائدة، وأنّ تقدير الكلام عنده: غير المغضوب عليهم والضالين. واستشهد ببيت العجاج:
في بِير لا حُور سعى وما شعرْ      
أي: في بير حور. والصحيح ما تقدّم.
وقوله: "حور" أي: هلكة، أي: بئر هلكة؛ ولهذا روى أبو عبيد القاسم بن سلام عن عمر بن الخطاب: أنه كان يقرأ: "غير المغضوب عليهم وغير الضالين". وهذا إسناد صحيح. وكذا حكي عن أبيّ بن كعب: أنه قرأ كذلك. وهو محمول على أنه صدر منه على وجْه التفسير؛ فيدلّ على ما قلناه مِن أنّه إنما جيء بها لتأكيد النفْي -لئلا يُتوهّم أنه معطوف على: {الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}-، وللفرْق بين الطريقتيْن لتُجتنَب كلّ منهما؛ فإنّ طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلْم بالحق والعمل به، واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلْم. ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى، لأنّ مَن علِم وترَك استحق الغضب، بخلاف مَن لمْ يعلم. والنصارى لما كانوا قاصدين شيئًا، لكنهم لا يهتدون إلى طريقه لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه -وهو اتباع الرسول الحق-، ضلّوا. وكلّ من اليهود والنصارى ضالّ مغضوب عليه، لكن أخصّ أوصاف اليهود: الغضب، كما قال عنهم: {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ}، وأخصّ أوصاف النصارى: الضلال. كما قال: {قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ}؛ وبهذا جاءت الأحاديث والآثار.
من ذلك:
ما رواه أحمد وغيره، عن عديّ بن حاتم، قال: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}، قال: ((هُمُ اليهود)). {وَلا الضَّالِّينَ}، قال: ((النّصارى هُمُ الضّالّون)). وإسناده حسن.
وعن أبي ذر، قال: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}، قال: ((اليهود)). قال: قلت: {الضَّالِّينَ}؟ قال: ((النّصارى)). ذكره الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"، وعزاه لابن مردويه، بإسناد حسن.
وفي تفسير السّدّي، عن ابن عباس وابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} هم: اليهود. {وَلا الضَّالِّينَ} هم: النصارى.
قال ابن أبي حاتم: "ولا أعلم بيْن المفسّرين في هذا اختلافًا".
ــ مِن المسائل والأحكام المتعلّقة بسورة (الفاتحة):
ومِن المسائل والأحكام المتعلّقة بهذه السورة العظيمة:
ــ أوّلًا: مشكلة النطق بـ"الضّاد" في: {وَلا الضَّالِّينَ}:
يتعذّر على بعض مَن يقرأ هذه السورة تحرير النطق بـ"الضّاد" في قوله: {وَلا الضَّالِّينَ}:
فمنهم مَن ينطقها "دالًا" مفخّمة أو "طاء"، ومنهم مَن ينطقها: "ظاء" خالصة، ومنهم مَن ينطقها "ظاء" كظاء عوامّ مصر، دون إخراج طرف اللّسان. وعلى القارئ أن يحاول تحقيق مخرجها، ونطقها نطقًا صحيحًا؛ فإذا تعذّر عليه ذلك، فنطَقها بما يشبه "الظاء"، وهو أهون خطًا مِن نُطقِها "دالًا" أو "طاءً"، اغتُفر له ذلك؛ ولذا قال الحافظ ابن كثير: "والصحيح مِن مذاهب العلماء: أنه يُغتفر الإخلال بتحرير ما بين "الضّاد" و"الظّاء"، لقُرْب مخرجَيْهما؛ وذلك أنّ "الضاد" مخرجها مِن أوّل حافة اللسان وما يليها من الأضراس، ومخْرج "الظاء" مِن طرف اللّسان وأطراف الثنايا العليا، ولأنّ كلاّ مِن الحرفَيْن مِن الحروف المجهورة، ومِن الحروف الرّخوة، ومِن الحروف المُطبقة؛ فلهذا اغتُفر استعمال إحداهما مكان الأخرى لِمَن لا يميّز ذلك -والله أعلم-.
وهذه صفات للحروف لها أضداد. وضدّ الجهر: الهمس، وضدّ الرخاوة: الشِّدّة، وضدّ الإطباق: الانفتاح.
وقد أبعد بعضهم النّجعة، فظنّ أنّ نطقها "ظاءً" صوابٌ، وضمّن كلامه ما تقدّم عن الحافظ ابن كثير، ولم يفطن إلى أنه اعتبره خطأً مغتفَرًا في حقّ مَن تعذّر عليه النطق الصحيح. فأمليتُ رسالة مختصَرة في الرّدّ عليه سمّيتُها: "تنزيه المثاني عِن النطق بالضاد عند عبيد الله الأفغاني". فمَن شاء التّوسّع في تلك المسألة، فليراجع الرسالة المذكورة.
وأما حديث: "أنا أفصح مَن نطق بالضاد"، فقد قال ابن كثير: "لا أصل له". وقال السيوطي: "معناه صحيح، ولكن لا أصل له".
ــ ثانيًا: إذا طرحنا سؤالًا فقلنا: لماذا أسند الله الضّلال في هذه السورة إلى مَن قام به؟
ألا يكون في ذلك حجّة للقدريّة ومَن حذا حذوهم، مِن أنّ العباد هم الذين يختارون ذلك، ويفعلونه؟
فالجواب: إنّ أصحاب الفِرق الضّالّة يحتجّون على بدَعهم بمُتشابِه من القرآن، ويتركون ما يكون فيه صريحًا في الردّ عليهم؛ وهذا حال أهل الضّلال والغيّ. قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ}. وقد ورد في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم: ((إذا رأيتمُ الّذين يتّبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمّى الله؛ فاحذروهم!)). فليس -بحمد الله- لمُبتدِع في القرآن حجّة صحيحة، لأنّ القرآن جاء ليفصِل الحق من الباطل، مفرّقًا بين الهدى والضلال، وليس فيه تناقض ولا اختلاف، لأنه من عند الله: {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}.
والصواب هو: ما عليه أهل السّنّة والجماعة، وأنّ الله هو الذي أضلّهم بقدَره، كما قال: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا}، وقال: {مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}، إلى غير ذلك من الآيات الدّالّة على أنه سبحانه هو المنفرد بالهداية والإضلال... وأمّا نسبة ذلك لهم، فهو من باب التّأدّب في الخطاب مِن العبد لربِّه، كما في قول إبراهيم -عليه السلام-: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}، فنسب المرضَ لنفسه، والشفاء لله؛ والكلّ منه سبحانه. والأمثلة على ذلك مِن الكتاب والسُّنّة مشهورة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق