الأحد، 10 مايو، 2015

طبيعة السلطة السياسية



طبيعة السلطة السياسية، طبيعة الدولة

تتعاظم الحاجة أكثر من أي وقت مضى الى دراسات أكثر انضباطا – منهجية – للتكوينات الاجتماعية في بلدان " العالم الثالث " ولتحليل أكثر ملموسية للبنية الاجتماعية والوزن النوعي لكل طبقة وفئة فيها بشكل صحيح ومعلل. ولن نغامر بالقول إذا أكدنا انه وعلى الرغم من " السيل الهائل " من الدراسات التي ظهرت، مازلنا لحد اللحظة بشأن الدراية بواقع هذه المجتمعات هي أقرب الى المعرفة العادية منها الى المعرفة العلمية، في احيان عديدة، هذا ناهيك عن اختلاط المفاهيم واضطرابها. ومن هنا تتأتى ضرورة التأمل في واقعنا، رؤيته كما هو، وليس تفصيله على وفق مقاسات نظرية مخططة في الذهن، غير قابلة للنقاش، تبدو وكأنها كلية القدرة [1].

كما معروف، شهدت العقود الاخيرة " تحولات عميقة " في البنية الاجتماعية والطبقية، وتزايد الوزن النوعي للعديد من الفئات وتعاظم دورها " الفعال " في تحديد اتجاهات " التطور "، بعد أن ظلّت لفترة طويلة على " هامش التاريخ ". كما ظهرت على " المسرح " فئات جديدة بدأت تلعب دورا نشيطا في مختلف مستويات التشكيلات الاجتماعية، ولكن على الرغم من هذا الدور فما زالت تلك الفئات من دون تحديد دقيق، على المستوى المنهجي، على الرغم من كثرة الدراسات. ويبدو كما تشير التجربة، أن هناك فجوة بين الواقع الملموس لهذه الفئات وبين رؤية الفكر النظري لها، الذي ما زال، على ما يبدو غير قادر على توصيفها بدقة وتحديد " هويتها ". ولهذا فإن أحد " ثغرات " هذه الفجوة بين الواقع وفكر الواقع تمثلت بظهور العديد من المصطلحات، كلها تريد أو تحاول أن تعبر عن هذه الظواهر مفهوميا. لذا فإن دراسة هذه الفئات تأتي في موعدها الملائم، فإنتاج معرفة صحيحة بأي ظاهرة أو عملية هو أفضل بكثير من الادعاء بمعرفتها. ولابد من الاقرار بأن التأملات القاصرة للظواهر والعمليات الاجتماعية/الاقتصادية/السياسية تساعد على منع نشوء بناء نظري متماسك، متفتح، يضم مقولات ومفاهيم وأدوات تحليلية تسمح بدراسة الظواهر والسيرورات الفعلية، الملموسة ( لا المفترضة في الذهن) وتعميق معرفتنا النظرية بصددها.

لماذا التأمل في اشكالية طبيعة السلطة ؟ يبدو أن التطور التاريخي للتجارب " التنموية " وما فرخه من فئات اجتماعية وقوى جديدة ومتنوعة أثار ويثير العديد من التساؤلات الاضافية حول طبيعة التشكيلات هذه وطبيعة السلط " الجديدة " الناشطة فيها.

ومنعا لأي التباس لابد من الاشارة الى أن هذا البحث يعرف حدوده ويلتزم بها. إنه ليس شيئا أكثر من محاولة اثارة الانتباه الى واقعتين اثنتين واقتراح اطار نظري عام واولي لمقاربتهما. الواقعة الاولى وتتعلق بضرورة التحفظ على اطلاق افكار عامة وضبابية، أو تقديم احكام قطعية حول السلطة وطبيعتها قبل انجاز دراسات متنوعة وجدية حول هذا الواقع. الواقعة الثانية وتتمثل بالكشف عن حقيقة أن العراق عرف خلال العقود الاخيرة تشكيلة اجتما-اقتصادية من " طراز فريد "، حددّت هذه الدراسة – كهدف مركزي لها – ابرازها وتقديمها واقتراح فرضيات أولى لمقاربتها. وعلى هذا الاساس يمكن القول أن هذه المساهمة هي بمثابة بحث أولي يسعى الى رسم الاطار العام وتحديد المعالم الكبرى أكثر مما يدقق في الجوانب الشكلية للاشكاليات المطروحة. ولهذا تبدو المعالجة المنهجية ضرورية لاخضاع مفاهيم اللغة السياسية والاقتصادية اليومية للنقد، وبما يسمح بانتاج معرفة صحيحة، مركبة عن واقع " يتمرد " على صانعيه !.
المبحث الاول
طبيعة السلطة السياسية، طبيعة الدولة – اختلاط المصطلحات أم اختلاف المفاهيم

تستحث المعرفة المنهجية الدقيقة للاشكاليات المطروحة ضرورة الانطلاق من اسئلة محددة، تشكل المرشد بالنسبة للباحث في بناء معرفته بصدد الظاهرة أو الظواهر المدروسة، ومراكمة تلك المعرفة بشكل منتظم. ومن المؤكد أن انتاج معرفة منتظمة بصدد أية ظاهرة من الظواهر موضوع الدراسة إنما يرتبط شديد الارتباط بطبيعة الاسئلة المثارة، لأن طرح الاسئلة ليس " لعبة " من العاب المنطق الشكلي، انما هي قضية أساس  للباحث ذاته. لماذا كل هذا التاكيد ؟ نجيب باختصار شديد: إن تحديد المفهوم وضبطه وتدقيقه غير ممكن، منهجيا على الاقل، من دون تحديد السؤال.

ويتعين التأكيد، أيضاً، على انه على الرغم من العديد من المحاولات الا ان هذا المفهوم (طبيعة السلطة) مازال بعيدا عن الوضوح النظري، ناهيك من الناحية المنهجية. ويؤكد ذلك بروز العديد من التعابير مثل : السلطة، سلطة الدولة، السلطة السياسية ..... الخ، التي تعج بها الخطابات السياسية وتستخدم من دون تدقيق. هنا ينطرح سؤال بسيط : هل هذه المفاهيم عبارة عن مترادفات synonims تعبر عن ظاهرة (أو ظواهر محددة) أم لا ؟ فإذا كانت هذه التعابير/المفاهيم تعالج اشكالية محددة فما هي " الضرورة الموضوعية " لهذه   " التسميات " المختلفة ؟ واذا انطلقنا من مبدأ منهجي عام هو انه لكل مفهوم أو مقولة حقل محدد، عندها ينطرح سؤال آخر : هل تنتمي هذه المفاهيم لحقل واحد، وما هو مبرر هذا التداخل أو الاضطراب ؟. إن الاضطراب في صياغة المفهوم أو المقولة مرتبط أساسا بضعف المعرفة بالظاهرات أو العمليات التي نقوم بدراستها.

ثمة ضرورة، أولا، للاشارة الى أن هناك اختلافا بين التعبير المجازي وبين المضمون المفاهيمي. تنتصب الحاجة الى رؤية هذه القضية والعمل على تدقيق المفهوم وفك الاشتباك – حسب سمير أمين – بين هذه المفاهيم وتبيان دقتها العلمية. ويبدو أن عدم الوضوح والاضطراب وتنوع التسميات مرده ليس غياب التسميات الملائمة، بل غياب مفاهيم اساسية، لا يستكمل التحليل النظري ويتخذ مداه العلمي وحقله الملموس، الا بوجود هذه المفاهيم.

وبمكن الاشارة الى أن " الفكر النظري " في بلداننا لم يولِ مسألة انتاج المفاهيم النظرية الاهمية التي يستحقها في بناء الجهاز المفاهيمي الذي نفكر فيه ونعمل عليه. وكما تشير التجربة فقد ظهر العديد من المصطلحات أو المفاهيم " المستعارة "، وتبيّن أنها بدلا من أن تساهم في توسيع وتعميق معرفتنا بهذه الظواهر، بدت أكثر ضبابية، أي أنها لم تنجح في تحديد نظري دقيق لها. يرجع هذا الخلط، عدا عن غياب مجموعة من المفاهيم الضرورية، الى عدم فهم الطابع التاريخي للمقولات والمفاهيم. وفي هذا المجال من المفيد استعارة الاطروحة المهمة لماركس في تحديده للمقولات عندما قال : " المقولات خالدة خلود العلاقات التي تعبر عنها..... انها منتجات تاريخية مؤقتة " [2].
قبل المباشرة في العمل على ضبط مفهوم (السلطة السياسية) علينا أن نعرّف أولا ما المقصود بـ (السلطة)؟ هناك من يعرف (السلطة) على أنها قدرة طبقة أو مجموعة من الطبقات على تحقيق مصالحها الموضوعية. وهذه القدرة تتوقف على علاقات القوى وتوازن القوى في أي مجتمع. هذا التعريف يثير جملة من الصعوبات، وأهمها أنه يستخدم مفهوم " المصالح " الذي يحتاج بدوره الى تحديد وتدقيق اضافي. ويدرك المرء أهمية مفهوم " المصالح " بالنسبة للماركسية. فالمفهوم الماركسي للطبقات والسلطة يرتبط ارتباطا وثيقا بمفهوم " المصالح الطبقية " [3].

عندما نتحدث عن (السلطة) تنطرح اشكالية المعايير التي نستخدمها لتحديد الاصول الطبقية للمجموعة الحاكمة، من هي، من أين أتت، جذورها الطبقية، أي ينبغي فهم السلطة ضمن تحديد اطارها المرجعي. ولهذا فإن السلطة هنا هي علاقة قوى طبقية، حسب بولانتزاس [4]. وانطلاقا من هذه الاطروحة يمكن القول أن الصراع الاجتماعي ومحوره الاساس الصراع بين الطبقات الاجتماعية في المجتمع هو الاطار المرجعي لمفهوم السلطة هذا. ويتعين فهم علاقات القوة هذه ليس يوصفها علاقة بسيطة، خطية، انما هي علاقة مركبة من جهة، وغير متكافئة، من جهة اخرى، وتحددها، في نهاية المطاف، القوة الاقتصادية، ثالثا. كما يتعين فهم حقيقة أن القوة السياسية أو القوة الايديولوجية ليس مجرد تعبير عن القوة الاقتصادية أو انعكاس بسيط لها، بل يتعين فهمها في اطار العلاقة مع القوة الاقتصادية. فأحيانا كما تشير التجربة التاريخية، تكون احدى الطبقات هي المسيطرة اقتصاديا ولكن من دون أن تكون هي المسيطرة سياسيا، فتكون غير قادرة على تحقيق مصالحها السياسية أو الايديولوجية. أو أن تكون هي المسيطرة ايديولوجيا دون ان تكون لها الهيمنة الاقتصادية أو السياسية [5].

تتضمن السلطة السياسية لطبقة ما (أو لإئتلاف طبقي محدد)، والتي هي طبعا نتاج وشروط لسيادتها الطبقية –الاقتصادية، سلطة فعلية لممثلي هذه الطبقة على آلة الدولة، وهؤلاء الممثلون هم عادة اعضاء يمثلون وينتمون الى شريحة محددة من الطبقة المسيطرة. ولذلك يمكن للسلطة السياسية أن يكون رهان صراع فيما بين هذه الشرائح. الا انه يجب عدم خلط السلطة الفعلية الخاصة بالماسكين بآلة الدولة مع سلطة الة الدولة المنظمة قانونيا على المجتمع. ان هذه السلطة المنظمة قانونيا هي التي تؤول الى تحقيق السلطة الفعلية. ولا تظهر السلطة السياسية للدولة دائما، في شكل علاقة مباشرة بين طبقة واخرى. إنه لصحيح، من جهة أخرى، ان العلاقة الطبقية تحفظ ويعاد انتاجها على مستوى السلطة السياسية السياسية للدولة، كما أنه لصحيح، من جهة اخرى، أن وجود الدولة كأداة، يحقق في شكل معدل، السيطرة السياسية للطبقة المسيطرة [6].
واذا اردنا القيام بمقاربة مكثفة نستطيع القول بأن التحليل التاريخي الملموس للسلطة السياسية يستحث التأكيد على العناصر التالية، التي بالرغم من بساطتها الظاهرية هامة جدا لفهم هذه الاشكالية "

·       ان السلطة السياسية في أي مجتمع هي نتاج العلاقات الاجتماعية الجوهرية فيه، علاقات الملكية والتقسيم الاجتماعي للعمل، ومن ثم فإن هذه السلطة تكون محصلة للتناقضات الاجتماعية وكيفيات حلها، والتي تتجسد من خلال الطبقات ومصالحها. ومن هنا تتأتى ضرورة تناول السلطة السياسية باعتبارها علاقة قوة.
·       إن السلطة السياسية في المجتمعات ذات البنية الاجتماعية المتناقضة لم تكن أبدا محايدة حتى لو أعلن حائزو السلطة غير ذلك.
·       إن نمط توزيع السلطة يرتبط ترابطا وثيقا بنمط توزيع الثروة، وان هناك علاقة جدلية بين السلطة والثروة تتضمن ضمن ما تتضمن أن حائزي احدهما يتطلعون الى الاخرى، كما أن فرصتهم تكون أكبر وأيسر من غيرهم في حيازة الاخرى. يلعب مقياس توزيع الثروة المادية (التحكم في وسائل الانتاج) الدور الاساسي في توزيع السلطة والنفوذ. وبتعبير أخر : يحدد هذا التراتب الاجتماعي-الاقتصادي والتراتب السياسي ويتحكم فيه، ومن خلاله  يتحكم في البنيان الاجتماعي والثقافي والايديولوجي برمته، أي تحقيق وحدة هذا البنيان.
·       إن انبثاق سلطة سياسية معينة وتطورها يخضع لتراتب سياسي واجتماعي جديد يعتمد على عدة مقاييس، من بينها :
أ‌.       مدى القدرة على تحقيق الحد الادنى من التماسك الافقي بضمان الانخراط في مسلسل تطور نمط انتاج محدد تحت اشراف اجهزة الدولة ورعايتها.
ب‌. مدى القدرة على اختراق " المجتمع المدني " عموديا أي عبر شبكات " الولاءات الخاصة "، وباكتساب " الزبائن والتابعين "، واستقطاب وتوظيف اكثر ما يمكن من الارتباطات والولاءات الباقية، من اجل ضمان الحد الادنى من " الوحدة " لمجتمع ما زال يتطور. ولكن هل يمكن تصور اثبات واستمرار " سيطرة " هذه السلطة السياسية بدون توفر الحد الادنى من " الشرعية " يؤمن لها قدرة ما على الاختراق الافقي والعمودي للجسد الاجتماعي ككل، في اتجاه خلق واحياء مجال ما للهيمنة ؟ إن الاجابة على هذا السؤال تستدعي التأكيد على أن الحديث عن السلطة السياسية في مستواه الاكثر تركيزا هو حديث عن الدولة بوصفها التجسيد الرسمي للسلطة السياسية. ثمة، اذن، ضرورة لتناول مكثف لإشكالية الدولة [7] كمدخل لإستيعاب وفهم السلطة السياسية، إذ ثمة ضرورة لبلورة صياغة نظرية للعلاقة بين الطبقة السائدة(أو الائتلاف الطبقي المهيمن) والدولة، مع ملاحظة أن التحليل الطبقي لا يمكن أن يبدأ وينتهي عند مستوى البناء الفوقي للتشكيلة المعنية. وينبع هذا التأكيد من حقيقة ان العلاقة بين الطبقة المسيطرة اقتصاديا وبين السلطة السياسية وجهاز الدولة في " العالم الثالث "هي من القضايا البالغة الاهمية والشديدة الخطورة ولكنها لم تحظ باهتمام كبير الا من طرف بحاثة قليلين [8].

ابتداء، يتعين التأكيد على أن علم السياسة لم يتوصل الى صياغة شاملة ونهائية لقضية الدولة بل هناك مقاربات مختلفة لها.
-       فهناك التصور الذي يرى الدولة كأداة بيد الطبقة المسيطرة، وهذا يعني أن الدولة تبدو وكأنها قوة تابعة، أداة محايدة، وهذا مفهوم غير مقبول نظريا وأكدّت التجارب الملموسة خطأه. وسبب الخطأ ناجم عن الخلط بين مفهوم سلطة الدولة ومفهوم جهاز الدولة بوصفهما شيئا واحدا. فهو اذن تصور يقوم على مقاربة ميكانيكية تعد السلطة اداة في يد الطبقة الحاكمة من جهة، ومن جهة ثانية تعد السلطة والثروة وجهان لعملة واحدة، في حين أن السلطة ليس انعكاسا اليا للملكية والثروة.
-       مقابل هذا التصور هناك مفهوم الدولة كفاعل، أي ذلك الذي يتصور الدولة بمثابة " قوة سوبر " تستطيع أن تفعل أي شيء بصرف النظر عن علاقات القوى السائدة في اللحظة التاريخية، وهو مفهوم خاطيء أيضا لأنه يقفز على الواقع ويتجاوزه.
-       أما مفهوم الثالث فهو الذي يرى الدولة كعلاقة قوى وكتجسيد مؤسسي لعلاقات القوى الطبقية، كتجسيد السلطة. ولهذا ثمة ضرورة لتحليل السلطة السياسية وسلطة الدولة في علاقتهما بعمليات اعادة الانتاج الاجتماعي. وهنا ينطرح السؤال التالي : ما الذي يعاد انتاجه ؟ يتعلق الامر هنا بثلاثة أمور اساسية : علاقات الانتاج، قوى الانتاج، طابع جهاز الدولة والبنى الفوقية السياسية والايديولوجية المعنية، بأجهزتها المتخصصة في الارغام والتأهيل والاخضاع. وفي هذه المجالات الثلاثة، جميعها، تتم عملية اعادة انتاج المواقع والعمليات، في نفس الوقت الذي تتم فيه اعادة انتاج الافراد المناسبين (أو تجنيد عناصر جديدة) وبأعداد كافية لملء المراكز.

هناك ضرورة لتوضيح هذه القضية. من المعلوم أنه يتم الاستيلاء على سلطة الدولة ضمن حقل مكون من نوعين ثابتين من العلاقات. فالدولة تمثل مجتمعا طبقيا، كما أن الدولة تتوسط في العلاقات الاجتماعية ما بين " الحاكم والمحكوم ". إن اعادة انتاج سلطة الدولة لطبقة ما (أو جزء منها أو تحالفا معينا) يتعين اعادة تمثيلها في قيادة الدولة والتوسط لفرض غلبتها على بقية الطبقات. إن التمثيل والتوسط هما نموذجان مؤسسيان محددان، ولا يمكن، بشكل عام، التقليل منهما بارجاعهما الى علاقات الانتاج فقط. فلا يمكن، بكل بساطة، اختزال الشكل السياسي لسلطة الدولة الى مجرد انعكاس خطي ومباشر لعلاقات انتاج معينة. ان قيام الدولة بالتوسط في العلاقات الاجتماعية يعني اضافة عنصر جديد الى العلاقات الطبقية. ولهذا تبدو صائبة اطروحة (غرامشي) التي يؤكد فيها على وجوب عدم الاكتفاء بالفهم " التقليدي " للدولة بوصفها اداة " قوة " بل انها " منظم " للهيمنة كذلك [9].

نتساءل اذن : كيف تتم، في الواقع، ممارسة هذه السلطة من طرف هذه الطبقة الحاكمة
(أو الائتلاف المهيمن)؟
تتم هذه الممارسة عبر الدولة، أي من خلال الامساك بزمام سلطة الدولة. تحاشيا لأي التباس يجب التأكيد على وجوب عدم تفسير التعابير الكلاسية مثل " أخذ " و " الامساك " بسلطة الدولة، على أنها تعني أن سلطة الدولة هي عبارة عن شيء يمكن لمسه باليد. فهي بالاحرى، عملية تدخلات في مجتمع ما من طرف مؤسسة منفصلة (أي تتمتع باستقلال نسبي) تتركز لديها الوظائف العليا في المجتمع [10]. أي أن الدولة تسعى لتأمين علاقتين اثنتين، فعليها ( وخاصة عناصرها القيادية)، أن تمثل (بمعنى أن تدافع وتشجع) الطبقة الحاكمة ونمطها في السيادة والاستغلال. كما أنها، من جهة ثانية، تتوسط بالنسبة لاستقلال الطبقة السائدة، وضمان سيادتها على الطبقات والفئات الاخرى.

إن المشكلات المطروحة سابقا تستحث ضرورة تحديد اضافي في ثلاثة جوانب هامة. ولكن نظرا لضيق المساحة المخصصة هنا اشير هنا الى هذه الجوانب بتكثيف بالغ، بأنها :
-       الثقل المرتبط بالطابع الطبقي بجهاز الدولة،
-       معنى التحالف الطبقي،
-       محتوى الهيمنة ضمن تحالف مكوّن من طبقات بكاملها( أو شرائح منها).

إن هذا الدور المعطى لطابع جهاز الدولة يستند الى تعريف هذا الجهاز بوصفه البلورة المادية للعلاقات السائدة في مجتمع ما، ولنوع تقسيم العمل السائد فيه. إن أسسه المادية هذه، توفر نقطة موضوعية يمكن من خلالها ادخال البعد الزمني في تحليل سلطة الدولة.

يحتل جهاز الدولة هذه المكانة الخاصة بالنسبة لمواقع السلطة، وذلك لسببين. الاول هو ان كل نشاط تقوم به الدولة يتم من خلال جهاز الدولة. وهو، على هذا الاساس، يقدم منفذا للتحكم في نوعية تدخلات الدولة اقتصاديا وايديولوجيا. أما الثاني فيتعلق بحقيقة أن جهاز الدولة، بوصفه التكثيف المادي للعلاقات الطبقية، يوفر القاعدة الاستراتيجية لاحداث تغيير شامل في سياسة الدولة [11].

يتجلى هذا الامر في فترات التحول، على وجه الخصوص، وما يرافقها من " طغيان " الدولة التي تقوم بتمهيد الطريق لعملية موضوعية تشق طريقها بعنف، بل أن التحول السياسي ما كان له أن يحدث لولا وجود فئات حققت وزنا ما في الحياة الاجتما-اقتصادية وتسعى، جاهدة، الى ترجمة هذا الوزن سياسيا.

وإذا فهمت العلاقة بين سلطة الدولة والطبقات والفئات الصاعدة بتلك الصيغة التي لا ترى في الدولة خادما سلبيا ولا صانعا لها، فإنه يمكن تفهم حاجة الفئات المحجوزة الى ثقل سياسي هائل، أو تمثيل سياسي قوي لها في جهاز الدولة يتيح لها الاتكاء عليه للحصول على " تسهيلات متنوعة "، في حين أن الفئات الراسخة نسبيا تستطيع أن تعتمد على شبكة علاقاتها التي نسجتها خلال فترات سابقة بهدف توطيد وادامة وضعها وتوسيع شبكة علاقاتها بشرط أن لا يكون هناك ثمة تعارض صريح بين توجهاتها وتوجهات الدولة [12].















ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق