الأحد، 10 مايو، 2015

تاريخ التيارات الفكرية



التيارات الفكرية التاريخية
بات معروفاً أن الجدل الفكري المحتدم دار ومازال حول مهام كبرى واجهت وتواجه البشرية حيث انخرط في هذا السجال ممثلون عن كافة القوى الاجتماعية في هذا البلد أو ذاك، بمعنى أن التعارضات الفكرية لم تشتعل نتيجة لأسباب إرادية بل اشترطتها الوقائع الاجتماعية / الاقتصادية الناظمة لسير التطور في هذه المرحلة الاجتماعية أو تلك من التطور الإنساني.
استناداً إلى تلك الفرضية العلمية نقول أن الصراع الفكري بين الأيدلوجية الليبرالية والنظرية الاشتراكية المناهضة لها احتل الساحة الثقافية الدولية فضلاً عن انعكاسات ذلك الصراع الفكري على المستويات الثقافية الوطنية.
لقد اتخذ الصراع المشار إليه شكلاً استقطابياً خاصة بعد انتقال العالم إلى ثنائية خيار التطور الاجتماعي رأسمالي / اشتراكي حيث عكس هذا الاستقطاب طبيعة الصراع الرئيسى الدائر بين النظامين الاقتصاديين وتجلياتهما الفكرية / السياسية. في هذا السياق نشير إلى أن حدة الصراع الأيديولوجي لم تمنع الحياة الثقافية من احتضان تيارات فكرية / سياسية شكلت نتائج فرعية لطبيعة الصراع الاجتماعي / السياسي بين النظاميين الاجتماعيين السائدين, منها الصراع بين الديمقراطية البرجوازية والفاشية التي عبرت عن روح عنصرية هجومية لرأس المال المتوحش ومنها الصراع بين أطراف الحركة الاشتراكية الأوربية وبين بناء الدولة الاشتراكية السوفيتية. ومنها الصراع الدائر بين الفكر الكولونيالي وفكر حركة التحرر الوطني الهادف إلى الاستقلال والسيادة الوطنية.
 إن التيارات الفكرية الفرعية تحيلنا إلى عناوين النقاشات الفكرية الكبرى التي استعر أوارها ولازال متمثلاً برؤىً فكرية كثيرة منها ما هو مناهض للعنف (الثوري ) الذي بشرت به ثورة أكتوبر الاشتراكية كما هو حال الاشتراكية الديمقراطية التي نادت بالشرعية الديمقراطية للوصول إلى السلطة السياسية. ومنها من ناهض البناء السوفيتي للاشتراكية واعتبار دولته رأسمالية بيروقراطية. وكذلك الصراع الدائر اليوم داخل تيار الليبرالية الجديدة وعلاقتها بنظام السوق حيث تركز السجال ما بين السوق الحرة المنفلتة من رقابة الدولة ونظمها الوطنية وبين السوق الاجتماعي المرتكز على التوازنات الاجتماعية.
إن الصراع الفكري الذي اشتعل أواره في القرن العشرين لا يمكن فصله عن الصراعات الفكرية التي كانت سائدة في القرن الذي سبقه والتي شكلت بدورها نزاعات فكرية كانت تدور حول القضايا الأساسية لمصير الإنسان وكرامته وخبزه وأمنه الاجتماعي.
انطلاقاً من تلك الرؤية المكثفة نحاول تثبت بعض الملاحظات الأساسية التي تشكل لنا منطلقات فكرية تحدد بنية التحليل اللاحق منها: ــ
أولاً: ـــ بات متعذراً مراجعة منجزات الماضي الفكرية بعقلية الحاضر استناداً إلى أن الظروف التاريخية التي اشترطت مضامين النزاعات الاجتماعية هي التي أفضت إلى صياغة التيارات الفكرية المتصارعة ورؤاها السياسية / الاجتماعية.
ثانياً: ــ أصبح من غير المجدي إثارة الجدل حول الشرعية التاريخية لموديل فكري اشترطته ضرورات اقتصادية / سياسية سابقة بهدف تزكية موديل فكري آخر هو في المحصلة الأخيرة نتيجة لتطورات اقتصادية / سياسية معاصرة.
ثالثاً: ــ إن تواصل السجال الفكري بين التيارات الفكرية المختلفة لا يمكن عزله عن المصالح الاقتصادية/ السياسية للقوى الاجتماعية الداخلية المتصارعة والمتشابكة مع المصالح الوطنية / الدولية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق