الاثنين، 25 مايو، 2015

مفهوم البطالة لدى المدرسة الكلاسيكية الكينزية






مفهوم البطالة لدى المدرسة الكلاسيكية

ومن وجهة نظر الاقتصاد السياسي الكلاسيكي فقد فسرالبطالة باعتباره التوجه الإيديولوجي الذي عبر بوضوح تام عن مصالح ووعي الطبقة البورجوازية الحاملة لمشروع الرأسمالية الصناعية في نهاية القرن 17، وقد عرف بداياته الأولى مع كتابات وليم بيتي (1623- 1685) ليصل على أوجه مع أعمال آدم سميث (1723-1790) وديفيد ريكاردو(1772- 1823)، وقد شكل رواد الاقتصاد السياسي الكلاسيكي أهم المعاول التي استهدفت المدرسة التجارية / الميركانتيلية وأبرزالمنظرين للبورجوازية الصناعية الصاعدة خاصة في انكلترا.
لقد أفرد الكلاسيكيون أهمية بالغة للبعدين الاجتماعي والسياسي في تحليل الظاهرة الاقتصادية رابطين في تحليلهم مشكلة البطالة بالمشكلة الديموغرافية وبتراكم رأسمال والنمو الاقتصادي وبالطاقة الإنتاجية للاقتصاد الوطني وأهم ما شغل تفكير الكلاسيكيين هو مشكل التوزيع والربح وتأثيره في تراكم رأس المال حيث يقول ريكاردو في رسالتة إلى مالتس[1] " إن الاقتصاد السياسي ليس بحثا في طبيعة الثروة وأسبابها وإنما هو بحث في القوانين التي تعين على تقسيم ناتج الصناعة بين الطبقات التي ستشترك في تكوينه " وقد ارتكزت دعائم الفكر الاقتصادي الكلاسيكي على النقاط التالية:
v   خضوع الاقتصاد إلى قوانين طبيعية موضوعية صارمة مستقلة عن وعي الناس وإرادتهم.
v   الحرية الاقتصادية (حرية التجارة، حرية العمل، حرية التعاقد) من خلال شعارهم البارز " دعه يعمل... دعه يمر". وذلك للحد من تدخل الدولة أو أي طرف آخر مثل النقابات العمالية.
v   رفض الاحتكار من خلال الإعلاء من شأن المنافسة الحرة الكاملة في جهاز السوق الفعال القادرعلى تجاوز أخطائه ومشاكله بصفة تلقائية وطبيعية فهو الذي يحدد كميات الإنتاج وأشكال توزيع الناتج الإجمالي وكذلك الأسعار وحجم الإنتاج والأجور وأي خلل يتكلف به ما كان يعرف بالرجل الاقتصادي عند الكلاسكيين.( 8 ).

مفهوم البطالة لدى المدرسة الكينزية

"كنت ترى بائعي السندات السابقين على أرصفة الشوارع يحاولون بيع التفاح، على حين أصبح الكتبة السابقون يطوفون أحياء المال لكي يعيشوا على تلميع الأحذية ومسحها. وأخذ المتعطلون والمشردون يرحبون بالقبض عليهم بتهمة التشرد بغية الحصول على الدفء والطعام في السجن. وطلب أكثر من مائة عامل أمريكي العمل في الاتحاد السوفياتي." بهذه الصورة القاتمة يختزل شانون الأزمة الاقتصادية الخانقة التي كان يعرفها المجتمع الأمريكي وهي الظروف التي ستعلن عن ميلاد واحدة من أهم المدارس الاقتصادية ألا وهي المدرسة الكنيزية.[2]
ولم يحدث قط في تاريخ الخمسين سنة الماضية أن تدهورت دخول الناس كما هوت في هذه الأزمة التي لم تبق على مرتبات الموظفين وذوي الدخول الثابتة والزراعيين، وهي الدخول التي من النادر أن تكون قد مست أو لم تمس على الإطلاق في الأزمات السابقة. " لقد أدت مرحلة الأزمة هذه إلى تحولات جوهرية في دور الدولة التي كانت في السابق وبفعل ضغط الكلاسيكيين والنيوكلاسيك - المحايدة بشكل مطلق - لتتحول إلى جهة متدخلة على عكس التصور الرأسمالي الذي يمنح للسوق أهمية بالغة وقد تجلى تدخل الدولة وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية مع السياسة التي نهجها فرانكلين روزفلت والمعروفة  ( بالنهج الجديد New Deal ) مركزة على العامة لزيادة حجم الطلب الكلي وكان لهذه السياسة آثار إيجابية على خفض معدلات البطالة والفقر في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك بريطانيا وألمانيا مع صعود النازية واتجاهها نحو الأشغال الكبرى والتسلح الضخم.

لقد برز كينز في كنف هذا التدخل الدولي في الشأن الاقتصادي على نحو غير مسبوق فنزعت نظريته إلى تبريروتنظير هذا التدخل حيث يتبين من كتابات كينزما لدور الدولة من أهمية في إقامة التوازن للنظام الرأسمالي وبالتالي نقض الأطروحة الكلاسيكية والنيوكلاسيكية. فقد ركز كينز على أهمية الطلب الكلي الفعال والذي يقسمه إلى طلب على سلع الاستهلاك من جهة وطلب على سلع الاستثمار وهذا الطلب هو الذي يحدد حجم العرض الكلي وبالتالي حجم الناتج والأجور والعمالة. وبالنتيجة فإن البطالة هي المقابل الموضوعي لضعف الطلب الكلي الفعال ولغرض القضاء عليها يجب تنمية الطلب الكلي الفعال ولتحقيق التوازن في الدخل القومي كان من اللازم بالنسبة لكينز أن يتعادل الادخارمع الاستثمار عن طريق الاشتقاق المنطقي من المعادلات التالية:

وتتضح أهمية هذه الخلاصة في ضوء المستجدات التي عرفها النظام الرأسمالي على عهد كينز حث بفاعلين جدد إلى مجال التحكم في الادخار والاستثمارعبرالأسواق النقدية والمالية وهو ما لم يعايشه الكلاسيكيون والنيوكلاسيك الذين لم يضعوا في الحسبان إمكانية انفصال الادخارعن الاستثمارإذ اعتبروا كل ادخارهو استثمار وبالتالي فلا مجال لوجود خلل بين العمليتين وهو ما أصبح ممكنا في عهد كينزالذي اعتبرالكساد والبطالة هما الحصيلة الموضوعية للخلل ما بين الادخار والاستثمارومن ثم نادى بتدخل الدولة "فلو افترضنا مثلا أنه في فترة ما زاد حجم الادخار على الاستثمار فإننا نجد حسب المنطق الكنيزي أن الطلب الكلي الفعال سوف يقل عن العرض الكلي. في هذه الحالة سنجد أن المخزون السلعي في قطاع الأعمال يتزايد عن مستواه الطبيعي وتتراكم السلع في المحال التجارية وتنخفض السعاروتقل الأرباح الذي يؤدي الى الاقلال من حجم الناتج وتتزايد الطاقة العاطلة وتحدث البطالة وينخفض مستوى الدخل القومي.
ولما كانت هناك علاقة دالية (علاقة ارتباط) بين مستوى الدخل القومي ومستوى الادخار القومي فإن انخفاض الدخل القومي سيؤدي خلال الفترة الجارية إلى تقليل حجم الادخار حتى يتعادل مع حجم الاستثمار في نهاية الفترة. وبذلك يتحدد توازن الدخل القومي عند مستوى أقل من مستواه في بداية الفترة. وخلال هذه الفترة يكون هناك انكماش قد حدث مسببا معه حدوث بطالة بين صفوف العمال.


[1] راجع خطابات ريكاردو إلى مالتس (1810-1833) (أشرف على نشرها ج.بونار 1887) باللغة الإنجليزية ص: 157 عن رمزي م س ص: 180.

[2] جون ماينرد كنيز ( John M. Keynes 1883 - 1946) والتي اعتبرها خصومها مدرسة منظرة للبطالة. والحقيقة أنها كانت كذلك في الاتجاه الذي يناقض الاقتصاديين المحافظين الذي كانوا لازالوا أوفياء للمدرسة الكلاسيكية والمدرسة الحدية. على الرغم من المآسي التي عرفها العالم بعد الخميس وإذا كانت هناك ثمة تاريخ محدد لنشوء ظاهرة البطالة عالمياً فإن عقد العشرينات سجل أعلى معدلات البطالة لفترة ما بعد الحرب العالمية الأولى وبالتحديد في اليوم الذي سمي بـ«الخميس الأسود» تشرين الأول 1929م بعد ضخ كميات كبيرة من الأسهم والسندات والتي تمثل وقتها الرأسمال الأساسي لكبرى الشركات الكبرى العالمية وكانت بعدها قائمة الإفلاسات المتوالية لعدة بنوك ويكفي أن نذكر أنه في العام 1930 أفلس ما يقارب 1325 بنكاً، وقد أحدثت هذه الكارثة الاقتصادية خلالاً كبيراً وراح سوق البطالة بصورة قياسية. والتي يقول عنها جوزيف شومبيتر J.A.Schumpeter  " لم توجد أي منطقة محصنة من آثار أزمة عام 1929، لأنها كانت أزمة صناعية وزراعية فانطبقت آثارها السيئة على الجميع. وخفضت الدخول والمرتبات في جميع البلاد ولجميع الأفراد إما بطريق مباشر- ناجم عن سقوط قيمة العملات، وإما بطريق غير مباشر- بتخفيض الإنفاق الحكومي الذي اضطرت إليه الحكومات عندما انكمشت مواردها بنسبة تتراوح بين 25% و 45% كما قدرت المؤسسة الألمانية للبحوث الاقتصادية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق