الأحد، 10 مايو، 2015

تيار المراجعة التاريخية الليبيرالية



تيار المراجعة التاريخية الليبيرالية
أن تيار المراجعة التاريخية الذي تحتضن نشاطه مؤسسات بحثية ومواقع فكرية / ثقافية هو أحد التيارات الرئيسية لليبرالية الجديدة.وهنا يواجهنا السؤال التالي ما هي الركائز الفكرية والأعمدة الثقافية لدعاة مراجعة التاريخ ؟ . وما هي السمات الأساسية لتلك الركائز ؟ .
محاولة التقرب من تلك الأسئلة لابد من حصرها بالعناوين التالية: ــ
 أولاً: ــ الروح المثالية الرافضة لدراسة الموروث التاريخي انطلاقاً من تحديد قواه الفاعلة والصانعة لمنجزاته الاقتصادية / السياسية وتجلياتها الفكرية.
ثانياً: ــ النبرة الأيديولوجية الصاخبة والروح العدمية المتلازمة ونفي الفكر الاشتراكي ومنجزاته الاقتصادية / الاجتماعية وتراثه الثقافي.
ثالثاً: ـــ التبشير بكونية الثقافة الأمريكية وتقاليدها الديمقراطية والدعوة إلى سيادتها في العلاقات الدولية.
إن السمات المشار إليها تشترط معاينة طبيعة المؤسسات البحثية الحاملة لتيار المراجعة التاريخية ومواقعها في الحياة الثقافية وتأثيراتها على مسار السياسية الدولية.

بداية نقول إن التغيرات التي طرأت على الفكر الليبرالي في مراحله التاريخية تقودنا إلى وضع تلك التحولات في إطارها الملموس بهدف معالجتها تاريخياً لذلك وبهدف حصر البحث في إطاره الزمني نعمد إلى متابعة تلك المتغيرات بمؤشرات عامة تاركين التعرض إلى التفاصيل لمعالجات لاحقة.  وبهذا النسق التاريخي نعتمد الموضوعات التالية: ـ
1ـــ تلازم تطور الفكر الليبرالي مع تطور المنظومة السياسية للدولة الرأسمالية حيث اقترن ذلك التطور بهيمنة الطبقة البرجوازية المتحركة والمتكيفة على الحياة الاقتصادية / السياسية من جهة، وبمضامين وأشكال الصراعات الاجتماعية السائدة في اللحظة التاريخية الملموسة من جهةً ثانية. وبهذا المعنى نشير إلى أن الدولة القومية بوصفها المنتج السياسي الأبرز للطبقة البرجوازية كانت الحاضنة السياسية والقوة العسكرية المدافعة عن حركة راس المال الفكرية وشعاراته التاريخية.
2ــ إن بناء الدولة القومية ترافق والتطورات الحاصلة على صعيد البناء الاجتماعي / السياسي المستند على القانون، الشرعية الديمقراطية، المواطنة وحقوق الإنسان.
3ـــ أفضت الصراعات الاجتماعية بين العمل ورأس المال إلى ظهور نماذج رأسمالية متعددة منها رأسمالية السوق الاجتماعي التي أملتها التوازنات الطبقية والسلم الاجتماعي كما هو الحال في ألمانيا وفرنسا. ومنها دولة الرفاه الاجتماعي كموديل للتضامن الطبقي كما  في الدول الاسكندنافية . ومنها النموذج الليبرالي المعتمد على السوق الحرة للرأسمالية الأمريكية.
إن تعدد نماذج أنظمة السوق الرأسمالية المرتبطة بسياسة التوازنات الاجتماعية لا يمكن عزلها عن ازدواجية خيار التطور الاجتماعي التي فرضته الدولة الاشتراكية السوفيتية بعد الحرب العالمية الأولى.
4ــ أدى التطور اللاحق لحركة رأس المال إلى ظهور نموذج الدولة الرأسمالية الاحتكارية التي اتسمت بتداخل وظائفها الاقتصادية / العسكرية مع حركة رأس المال التوسعية وبهذا المعنى فقد أصبحت مؤسسات الدولة الاقتصادية والعسكرية ورشاً حقيقية لتطور رأس المال الوطني فضلاً عن حماية ممراته الدولية بالقوة الدبلوماسية / العسكرية.
إن المنجزات الاجتماعية / السياسية الكبرى التي أفرزتها حركة رأس المال التاريخية تجري مساءلتها فكرياً في الظروف التاريخية المعاصرة وذلك بعد انهيار نموذج التطور الاشتراكي حيث تتعرض ركائزها ( المنجزات ) للتآكل بسبب انتقال حركة التوسع الرأسمالي من طوري المنافسة والاحتكار المبنية على قوة الاحتكارات الوطنية إلى طور العولمة الرأسمالية المتسمة بتزايد حركة الاندماج والتركز والتمركز بين الاحتكارات الدولية.
5ــ فرض الطور الجديد من العولمة الرأسمالية تحولات جدية على وظائف الدولة في المراكز الرأسمالية تتمثل في هيمنة الاحتكارات الدولية على الوظائف الأساسية للدولة (خصخصة الوظائف الأمنية والتشريعية ) ووضعها في خدمة مصالحها الكونية. ( 1 )
هذا الواقع المعاش يمثل مرحلة تاريخية جديدة في تجليات حركة رأس المال التوسعية حيث تتشابك وتتداخل أنشطة وحركة الطواقم البيروقراطية للدولة مع توجهات وحركة القمم القيادية للشركات الاحتكارية لتشكل في نهاية المطاف حركة واحدة تتماشى والمصلحة الدولية لحركة راس المال.
إن انتقال حركة رأس المال من طوره الاحتكاري المتشابك والدولة الرأسمالية إلى مرحلته المعولمة تلازم وتحولات في الفكر الليبرالي الذي انتقل بدوره من محيطه الوطني إلى فضائه الدولي مبشراً بحزمة من الأفكار الجذابة والتي يمكن تحديدها بالموضوعات التالية:ــ
أ: ــــ أفضت العولمة الرأسمالية إلى نشر الليبرالية الجديدة المستندة إلى مبادئ السوق الحر عبر تحرير الدولة من وظائفها الاقتصادية / الخدمية وحصر تلك الوظائف بالمهام القمعية.
ب: ـــ تحرير الدول الوطنية من وظيفة السيطرة على ثرواتها الوطنية وربط حركة تطورها الاقتصادي بحركة تطور الاحتكارات الدولية.
ج: ـــ تعطيل مبدأ السيادة الوطنية بهدف المشاركة في صياغة طبيعة الأنظمة السياسية للبلدان النامية بما يتلاءم ومصالح المراكز الرأسمالية.
د: ــــ التدخل في الصراعات الوطنية عبر مساندة أطراف ليبرالية ضد أطراف اجتماعية أخرى وبهذا الاتجاه تكمن قوة العامل الخارجي في تقرير الشئون الداخلية.
خلاصة القول إن الليبرالية الجديدة بوصفها أيديولوجية رأس المال المعولم تتلخص أهدافها بالمهام التالية: ـ
1: ــ إعادة البناء السياسي / الاقتصادي لدول العالم المخلفة بما يتناسب وحركة رأس المال الرأسمالي المعولم.
2: ــ تعديل القوانين الناظمة للعلاقات الدولية وذلك بتغليب القوة العسكرية / الاقتصادية على منظومة توازن المصالح الدولية.
3: ــ تحجيم الحريات الديمقراطية والمكتسبات الاجتماعية في المراكز الرأسمالية.
إن المهام التي تبشر بها الليبرالية الجديدة تقود إلى توتير التعارضات الاجتماعية وتقود إلى النزاعات الدولية والوطنية.
لقد ارتكزت الأفكار والآراء والشعارات التي تبشر بها أيديولوجية راس المال على حزمة من المؤسسات البحثية التي تشكل مراكز وورش أيديولوجية لنشر تلك المبادئ. وفي هذا السياق نتعرض إلى بعض تلك المؤسسات المؤثرة في السياسية الدولية والتي يمكن حصرها بــــ:
ــ معهد أمريكان انتربرايز المسمى "قلعة المحافظين الجدد" والذي تأسس 1943، وهو أحد أكبر معاهد صنع القرار الأمير كي، ويعتبر من أكثر المراكز تأثيرا على إدارة بوش الابن وتنشط في أروقته مجموعة من المحافظين الجدد ذات الروابط القوية بالجناح اليميني في حزب الليكود في إسرائيل. ( 2 )
ــ معهد واشنطن للشرق الأوسط ومنتدى الشرق الأوسط وهما مركزان يعمل فيهما عدد كبير من الخبراء المتخصصين في الشرق الأوسط يسيطر عليهم التوجه المحافظ الجديد، ويظهر هؤلاء الخبراء بكثافة في أجهزة الإعلام الأمريكية، كما أنهم يدلون بشهاداتهم أمام لجان الكونجرس المختلفة.
ــ مؤسسة هيريتيج التي تم إنشائها عام 1973 كأحد المراكز البحثية التي تعني بالسياسات العامة المحافظة القائمة علي مباديء وقيم العمل الحر وتحجيم دور الحكومة في الاقتصاد والحرية الشخصية وتقوية جبهة الأمن القومي والتقاليد والأعراف الأمريكية المحافظة. ( 3 )
ــ منتدى الشرق الأوسط الذي يضم ثلاث من الشخصيات المهمة في معهد واشنطن تنتمي إلى المنتدى هم: روبرت ستلوف "مدير السياسة" وباتريك كلوسون ومايكل روبين والذي يكثر من الكتابة في العديد من الصحف الأمريكية، ويرأس المنتدى دانييل بايبس ويعمل في المنتدى أيضا السيد مارتن كرامر وهو من معهد واشنطن..
ــ   المعاهد والمؤسسات البحثية، ومراكز الدراسات، التي تخضع لهيمنة المحافظين الجدد، ومن خلالها يمارسون تأثيرهم في صناعة القرار الأمير كي، وتوجيهه الوجهة التي يريدون. وفي مقدمتها معهد مشروع القرن الأميركي الجديد، تأسس سنة 1997 تحت رعاية"مشروع المواطنة الجديد"، وللمعهد علاقة مع"معهد التخطيط الأمير كي"هدفه الترويج للزعامة الأمير كية العالمية. ورئيسه هو وليام كريستول. ( 4 )
ــ إضافة إلى مؤسسة برادلي، ومؤسسة"الأميركيون من أجل النصر على الإرهاب"، ومعهد هدسون، والمعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي، ومؤسسة الدفاع عن الديموقراطية، فان هناك الكثير من الصحف والمجلات المطبوعات التي تروج لأفكار المحافظون الجدد، وتوجهاتهم الفكرية والسياسية، منها: "مجلة كومنتري"، و"مجلة ناشيونال ريفيو"، و"مجلة ويكلي ستاندارد" التي يرأس تحريرها وليم كريستول، و"نيو ريبابليك"، و"ناشيونال إنتريست"، و"بابليك إنتريست"، مجلة «المحافظين الجدد» الأمريكية   وغيرها. ( 5 )

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق