الاثنين، 11 مايو، 2015

عبقرية شكسبير



عبقرية شكسبير
   يقول فكتور هوجو إن شكسبير يمثل قمة شعراء الفن المسرحي . وان عبقريته تتجلى في عناصر الغرابة والتناقض في كسره لعمود أرسطو. وحين شاهد اسكندر توماس الأب عرضا" لإحدى مسرحيات شكسبير هتف قائلا" : " أن الشاعر الاليزابيثي هذا أعظم خالق بعد الله ".
   ويرى بعض النقاد أن تراجيديات شكسبير التزمت بوحدة الموضوع ، إذ يشكل الموضوع البؤرة التي تتجمع فيها خطوط المأساة متوازية ثم مشتبكة أحيانا" ومتعارضة أحيانا" أخرى . فلكل مأساة فكرة أو موضوع يعالج على عدد من المستويات وفي عدد من الحبكات تقوم بينها حبكة أساسية تدعمها، وقد تعارضها أو تسخر منها حبكات ثانوية.
   وعلى رأي هؤلاء النقاد فان الموضوع في هاملت هو الموت. والعلاقة بين ألاب الميت أو الذي يموت أثناء المأساة، تنتظم الحبكات الثلاث في المسرحية : خط هاملت وأبيه الشبح ، وخط لايرتس وأبيه بولونيوس ، وخط فورتنبراس الأمير الشجاع المطالب بعرش أبيه الميت. والخطان الثاني والثالث ثانويان يخدمان الخط الأول.
   وفي هذا السياق يعزى تردد هاملت الى أسباب فنية. فجورج سانتيانا يرى السبب يكمن في ضرورة إطالة المسرحية، حيث إن المأساة لا بد إن يمهد لها لتصل الى قمتها، في مشهد القتل الذي يحدث عادة في نهاية المسرحية.
   لكن وجهة النظر هذه تنقضها وجهة نظر لـ " هانمر " الذي يرى عدم وجود أي مبرر يمنع هاملت من قتل عمه. ولا ضرورة أن يكون عدد القتلى في المسرحية ثمانية في حين كان موضوع المسرحية يهدف الى قتل شخص واحد.
   ويبدو هاملت من وجهة نظر " مركيد " الروح التي تفتش عن الحقيقة والوصول الى الحقيقة ليس سهلا" . ويمثل كلوديوس نموذج الشر، وتمثل اوفيليا الدين والكنيسة، ويمثل بولونيوس مذهبها المطلق، أما فورتنبراس فيمثل الحرية، واما الشبح فهو صوت المسيحية.
وهذا التفسير يلتقي مع تفسير ذي مضمون ديني لـ " فيجيز " الذي يعدّ هاملت هو الشاب المؤمن بالمثل والقيم المسيحية . وان قتل العم ، في حكم التعاليم المسيحية ، يعدّ تعديا" على صاحب السلطان الشرعي في المملكة ، من أجل طمع شخصي دنيوي .
   وثمة التقاء بين هذا التفسير وتفسير اجتماعي واخلاقي آخر يرى إن مهمة هاملت لم تكن مجرد قتل عمه، بل إقناع الشعب بجريمة قتل لا يملك لأثباتها ما يكفي لتبرير الثأر، سوى دليل غير مادي هو شبح أبيه. وأنه لو قام بقتل عمه لأتهم الشعب بجريمة قتل ، ولتحول العم " كلوديوس " الى بطل ضحية وهاملت الى مجرم غادر لفّق تهمة ليتخذها ذريعة للوصول الى العرش .
   غير إن التفسير الأخير هذا، من جهة أخرى مضادة ، ليس له ما يدلل على إن هاملت كان قد وضع الشعب في حساباته ضمن هذا التصور. وبافتراض ذلك فان هاملت كان قادرا" بتعاون صديقه هوراشيو على تدبير أمر ، أو بدون أي تدبير حين سنحت له الفرصة في مشهد الصلاة .
  ويرى أحد الصحفيين النقاد أنه في الموقف الذي واجه هاملت رأى أن العدالة كقيمة عظيمة لا يمكن أن تتحقق بالثأر لأبيه والانتقام من القتلة . وفي الوقت نفسه بدت عملية القتل هذه من خلال ثقافته ورقته وشفافية وجدانه وحساسيته فعلا" بشعا" لا يمكن الإقدام عليه .
   وقد ناقش " برادلي" التفسيرات المختلفة التي تفسر إحجام هاملت عن الثأر لأبيه بضميره الخلقي ، وخلص منها الى أن الضمير وحده لا يكفي لتفسير هذا الإحجام . وأن في المسرحية نصوصا" تدلل على أن هاملت كان يحس أن التفكير على هذا النحو الأخلاقي ليس إلا لونا" من التفكير غير المجدي ، وان مسألة الضمير هذه ليست إلا عذرا" من أعذاره الكثيرة التي يبرر بها توانيه.

تفسيرات سيكولوجية:
   يعتقد " برادلي" أن هاملت مصاب بمرض السوداوية، وهي محور المأساة والمسؤولة عن الحقيقة الأساسية في تقاعس هاملت. لأن السبب المباشر لهذا هو شعوره بالاشمئزاز من الحياة ومن كل ما فيها دون استثناء لشخصه. ويكون الاشمئزاز متباينا"" في شدته. إذ يصل أحيانا" مستوى التبلد. ومثل هذه الحالة من الشعور تنفر من أي عمل حازم .
   ويذهب "بيرتون" الى أبعد من ذلك ، إذ يرى إن المزاج السوداوي كان عقدة سائدة في عصر شكسبير أعطى هاملت  ،عن قصد ، مزاجا" سوداويا" غامضا".
   وعلى غرار هذا التفسير يطرح آخر رأيا" مشابها" فيعزو تردد هاملت الى داء العصر الجديد والشعور بالتمزق ينتاب الشاب كروح الهزيمة التي سادت ما بعد الحرب العالمية 1918 وأحساس الشباب بالبعث.
   ويرى " فولسن نايت" إن روح هاملت مريضة، وأن العالم بنظره سجن كبير مليء بالقذارة.  وهو ـ هاملت ـ رجل مسلوب الإرادة واهن العزيمة يعاني من السوداوية.
   وهناك نمط من التفسيرات تنطلق ممن القدرة العقلية عند هاملت . من بينها تفسير  "دريدان " الذي أقامه على مقولته " العقول الكبيرة شديدة القرب من الجنون ". ففي رأيه إن عقل هاملت الراجح عجز عن أن يدفعه الى العمل برغم تلك الحوافز القوية. لأنه لم يكن بعيدا" تماما" عن الجنون .
   وباستثناء التشخيص الأخير " الجنون " ـ الذي يلتقي مع تشخيص " تيرش" و  "سجمسمند " و " استنجر " الذين يرون إن هاملت مصاب بمرض عقلي في نوع من الجنون ـ فان تفسير " دريدان " يلتقي مع تفسير " شليجل ـ وكولردج " اللذين يريان إن سبب تواني البطل هاملت هو التردد، وسبب هذا التردد هو أدمان الذهن على عادة التفكير والتكهن . وأن هاملت ينافق إزاء نفسه. وما شكوكه وتوجساته إلا الاعتذار يقصد منها تغطية حاجته الى التصميم .  وانه لا يؤمن أيمانا" ثابتا" بنفسه، ولا بأي شيء آخر . انه يضع نفسه في متاهات الفكر.
   ويطرح "بوس" نفس التفسير إذ  يعزو تواني هاملت في الثأر لأبيه الى نشاطه العقلي والعاطفي الزائد ."وهذه إضافة من بوس" الذي يؤدي الى ضمور الإرادة .
   ويرى كل من " جوت وكولردج " إن هاملت يمثل انموذجا" للعقل اللامع والذكاء المتوقد ، ولكن هيمن عليهما الضعف البشري والإرادة المشلولة. وأن هاملت يمثل انموذج العقل الأكاديمي الذي يغوص ويحلّق ولا يكاد يفعل شيئا".
   وهذا الرأي يتفق مع تفسير بريشت لمسرحية هاملت التي اعتبرها تراجيديا التناقض بين العقل والعمل ، حيث يستخدم هاملت بصورة غير مجدية المفهوم الجديد للعقل الذي تعلمه في جامعة وتنبرغ .
   ويطرح كل من " فرويد وارنست جونز " تفسيرا" قائما" على عقدة أوديب. فأرنست جونز يعتقد إن هاملت كان ، خلال حياة أبيه، مرتبطا" بأمه كطفل يحبها حبا" آثما" لا يقّره المجتمع، فكان يغار من أبيه ويشعر بالأثم شعورا" عميقا". وكانت النتيجة تغطية مصطنعة تبدو في إعجابه الشديد بصفات أبيه. ولما قتل أبوه أحس لا شعوريا" بفرح واغتباط إذ تخلص هاملت من منافسه العتيد. ولأن هاملت كان عاجزا" عن التخلص من أبيه ، فهو عاجز أيضا" عن التخلص من عمه لنفس الأسباب.
   ونختتم هذه التفسيرات بالرأي التالي لفرويد:
" ما هي أسباب هذا التردد؟ . ذلك ما لا ينبس النص بحرف عنه، وبذلت في تفسيره محاولات لا تحصى فما أتت بطائل . فهاملت في نظر " فيلهم ما يشتر " اصلها "جوته" ولا تزال لها الغلبة حتى اليوم بمثل هذا الطراز من الرجال الذين شلت عندهم القدرة على العمل المباشر بفعل نمو العقل نموا" مفرطا". وفي نظرة أخرى ، إن الشاعر أراد أن يصور لنا مريضا" مذبذبا" شارف النوراستانيا. بيد إن المسرحية ترينا أن هاملت بعيد كل البعد عن أن يصور في صورة إنسان فقد كل قدرة على العمل. فنحن نراه يعمل مرتين، الأولى في ثورة مباغتة حين يطعن المستّرق من وراء الستار. والثانية فعن قصد مبيت، بل في مكر جم ، وذلك حين يرسل برجلي لبلاط الى الموت الذي كان مدبرا" له هو . مبديا" في ذلك كل التحلل الخلقي الذي يمكن أن يتصف به أمير من أمراء عصر النهضة. فما الذي يوقفه على هذا النحو في إنفاذ التي كلفه بها شبح أبيه؟.
   الجواب ــ والحديث  لفرويد ــ نجده مرة أخرى في الطبيعة الخاصة لتلك المهمة . إن هاملت يستطيع أن يأتي كل شيء إلا أن يثأر من الرجل الذي أزاح أباه ، واحتل مكانه عند أمه. الرجل الذي يريه ـ اذن ـ رغباته الطفلية وقد تحققت .
   وأنا ــ فرويد ــ إذ أقول ذلك أترجم في عبارة شعورية ما كان مقررا" بقاؤه لا شعوريا" في نفس البطل . فإذا أراد البعض أن يدعو هاملت هستيريا" ، لم أجد إلا أن أسلّم بأن تلك النتيجة تخرج من تفسيري . ويتسق وذلك أحسن الاتساق ما يعرب عنه هاملت مع اوفيليا من نفور من الحياة الجنسية. وهذا النفور الذي كان مقدّرا" أن يزيد على الدوام تمكنّا من نفس الشاعر من مستأنف سنواته حتى بلغ التعبير عنه أقصاه في " تيمون الاثيني ". فما يطالعنا في هاملت بالطبع هو الحياة النفسية لشكسبير. وأني ـ    فرويد ـ لألحظ في كتاب " جورج براندس 1896" قوله : " إن شكسبير كتب هذه المسرحية فور موت أبيه 1601 ، أي حين كانت وطأة الحزن في أشدها، وحين بعثت في نفسه من جديد ـ كما يحق لنا افتراضه ـ مشاعره الطفلية نحو والد ه. ومن الأمور المعروفة كذلك أن أبن شكسبير الذي مات في سن مبكرة كان يحمل أسم " هامنت " وهو يطابق  هاملت " .

ثانيا. وجهة نظر جديدة 
   تطرح شخصية هاملت نموذجا" متفردا" في الشخصية الإنسانية، تتجلى فيه القدرة الإبداعية المتميزة للشاعر الخالد شكسبير. وحين يكون الحديث عن الشخصية ، فأن علماء النفس يطرحون تعريفات متعددة لها، ونظريات ووجهات نظر متباينة. لكن المتفق عليه هو أن الشخصية تعني : أساليب أو طرائق الفعل  Acting   والتفكير  Thinking والإحساس Feeling التي يوصف بها الفرد وتميّزه عن الآخرين . أي أن الشخصية هي :الأفكار والمشاعر والتصرفات التي تميز طريقة الفرد في تعامله مع الناس والأحداث .غير أن  بعض المنظّرين يؤكدون على الطفولة المبكرة، ويعدّونها هي العامل الحاسم والوحيد في تقرير سلوك الإنسان، كفرويد الذي فسّر سلوك هاملت وفقا" لعقدة أوديب التي تنشأ  حوالي السنة الخامسة من عمر الطفل، وبالتالي تكون الشخصية غير قابلة للتغير ، بعكس وجهة نظر مضادة تؤكد على أن العناصر اللاحقة المؤثرة في الأفراد في سن متأخرة قد يكون لها نفس تأثير عوامل الطفولة.بمعنى ، أن أحداثا تقع للفرد بعمر الشباب مثلا قد يكون لها تأثير في الفرد أقوى من تأثير أحداث وقعت له في طفولته (عكس ما يقوله فرويد ).
   إن ما يقوم به هاملت هو سلوك. وما لا جدال فيه أن وراء كل سلوك " دافع ". لكن الجدل والاختلاف يكمنان في تفسير الدافع . والمتفق عليه هو أن الدافعية    Motivation حالة داخلية تنشّط أفكارنا ومشاعرنا وأفعالنا ، وتعمل على توجيهها نحو أهداف معينة . والدافعية تحديدا ، هي التي توضح لنا : لماذا يتصرف الناس ، ويفكرون ، ويشعرون بالطريقة التي يعتمدونها . هذا يعني أن الدوافع    Motives حالات في داخل الفرد تعمل على استثارة سلوكه وتحدد اتجاه هذا السلوك وإدامته من عدمها . واستطرادا نضيف : إن الدوافع في الأصل أفكار"عملية معرفية " تتفاعل مع مشاعر"انفعالات وعواطف" تظهر في سلوك" أفعال " توجهه نحو هدف معين .
   ويختلف علماء النفس حول " قوة الدافع" . فبعضهم يرى أن قوة الدافع تكون ثابتة بثبات المواقف، وبعضهم يرى أن قوة الدافع تقوى نتيجة الخبرة والممارسة ومواجهة المواقف المتنوعة.
   ويختلف علماء النفس حول " هدف " الدافع هل هو : الحصول على المتعة والشعور بالزهو ... اختزال المنبهات القوية ... توسيع مجال التأثير في الآخرين ... تصعيد الإثارة ... خفض التوتر ... المحافظة على الذات ... تحقيق الذات .. احترام الذات ..أم هذه الأشياء وأشياء أخرى ؟ وهو موضوع شائك لا نريد الخوض فيه بقدر ما نريد التنبيه إليه، ونحن نتقدم باتجاه طرح تفسير جديد لتردد هاملت.
   تقوم وجهة نظرنا ، في تقديم تفسير لتردد هاملت ، على ما نسميه " خصوصيات المواقف". وخصوصيات المواقف هذه مشروطة بافتراض أن شخصية هاملت تتميز بالصفات الآتية :


* أنه مثقف بمواصفات المثقف البرجوازي بخصوصيات عصر شكسبير . وانه متميز يشكل استثناء" إيجابيا" بكونه منحازا" بشكل ثابت الى الحقيقة.                                                                  
* وأنه ذكي ، ويستخدم المكر أحيانا بذكاء .
* وأنه شجاع .
* وأنه ليس مجنونا". ولكنه يمر بلحظات من التأزم النفسي الحاد، يبدو فيها للآخرين وكأنه مصاب بمس من الجنون أو الهوس .
* وأنه نبيل ، ولديه ومضات من الحس الديني .    
* وأنه وضع فجأة أمام امتحان في الحياة العملية، وإزاء مهمة غير عادية لم يمهد لها بمهمات أهون في حياته التي تلقى فيها ثقافة غزيرة تطلبت منه تكريس طاقته باتجاه الجانب الفكري في حياته الجامعية العامة، وقادته الى اشغال فكره في الإنسان والحياة والموت .
* وأنه أكتشف فجأة إن الواقع الحي، المعاش يضم مجتمعا" يعاني من التبّرم . وهذا الاكتشاف " الصدمة ــ الهزّة " يتناقض مع النقاء الذي كان يتصوره .
* وأن الأم تلعب الدور الرئيس في وضعه السيكولوجي . وأنها تنفرد بتميز خاص بكل اعتبارات الأم وإمتداداتها .
   وكمحصلة لهذه الصفات الأساسية المستقطبة بصيغة تفاعلية في شخصية هاملت، نعود الى خصوصيات المواقف. ونعني بها أن الإنسان حين يكون في موقف يقتضي فعلا معينا"، فانه يتصرف بموجب خصوصية ذلك الموقف.
   وهاملت وضع أو وجد نفسه في  عدد من المواقف. وضمن هذه المواقف جميعها هناك عوامل ثابتة وهناك عوامل متغيرة . والذي يحسم الأمور " الفعل " هو العوامل المتغيرة اذا كانت باللحظة النفسية المقررة تشكل تعزيزا" للعوامل الثابتة.
   إن العوامل الثابتة هنا ضمن المواقف جميعا" هو هاملت كشخص موجود في سلسلة من مواقف. ثم مجمل تعليمه وتنشئته وسلوكه المكتسب، بكل المواصفات الرئيسة المذكورة آنفا".
   وهذا يعني إن طرحنا لخصوصية المواقف مشروط بثلاثة أمور أساسية هي :
* طبيعة الوجود الاجتماعي القائم .
* محصلة علاقة الفرد بالآخرين .
* ثم تاريخ حياته بدءا" من لحظة ميلاده حتى اللحظة التي تشكل زمن الفعل أو عدم الفعل      في موقف محدد بخصوصيته.
   أما العوامل المتغيرة فهي : نوع وكم ودرجة شدة المثيرات التي تكتنف ذلك الموقف. وهي متغيرة من موقف الى موقف آخر.
   وحين يكون الإنسان في لحظة تقرير عمل معين، فانه يكون تحت تأثير قوتين: قوة دافعة باتجاه التنفيذ، وقوة ساحبة باتجاه المراوحة " التردد "       أو السحب المضاد . فحين تكون المثيرات في موقف معين من حيث النوع والكم والدرجة لصالح القوة الدافعة، عندها يفترض حصول التنفيذ " الفعل " في هذا الموقف. وبالنسبة لهاملت حدث ذلك مرتين، الأولى حين وجه هاملت طعنته القاتلة الى " بولونيوس " المختبئ وراء الستارة، ظنا" منه أنه الملك : " كنت أحسبك سيدك ". وذلك لأن خصوصيات هذا الموقف كانت لصالح القوة الدافعة. أي إن العوامل المتغيرة هنا والمتمثلة بالمثيرات شكلت تعزيزا" للقوة الدافعة عند هاملت. فوجود الحركة خلف ستار في مكان هو خاص بالملك والملكة، وله دلالة سيكولوجية عميقة، ودلالات هذه الحركة المتعارضة مع قيم هاملت. ووجود الملكة الأم ... الذي يشكل الانتقام من زوجها الملك في خصوصية هذا الموقف اعدل وأقسى عقاب يستحقه كلاهما الملك العم والملكة الأم بكل إمتداداتها.
   وحصل التنفيذ مرة ثانية في المشهد الأخير حين انكشفت خديعة الملك، فتناول هاملت السيف المسموم وطعن به كلوديوس الملك فقتله. ولسنا هنا بحاجة لتحديد خصوصيات هذا الموقف. فكل العوامل المتغيرة في هذا الموقف، أي كل مثيراته التي جسدت بشاعة رداءة الإنسان المتمثلة بعمّه الملك ، شكلت تعزيزا" للعوامل الثابتة في شخصية هاملت، وحصل التنفيذ.
   وحين تكون المثيرات، في موقف آخر، موزعة بين القوة الدافعة والقوة الساحبة بشكل قريب من التكافؤ، أو تكون لصالح قوة السحب المضاد، عندها يفترض حصول تلكؤ أو تردد في التنفيذ . ويحصل هذا عند الأشخاص من نمط هاملت حين يتعرضون الى مواقف غامضة. فعند كل إنسان توجد قوتان أساسيتان هما قوة التفكير وقوة التنفيذ. وحين تكون قوة التفكير هي المسيطرة فإنها ، في المواقف التي لا تكون فيها العوامل المتغيرة لصالح تعزيز العوامل الثابتة ، تأخذ اتجاها" آخر هو حساب الاحتمالات. وحين تتعدد الاحتمالات فإنها تقود بالتبعية الى حسابات نتائج كل احتمال، وينشأ بسببها نوع من تداخل النتائج والأسباب،  تتعداها الى حسابات مستقبلية. فتكثر الاحتمالات وهاملت ــ بالمواصفات التي أشرنا إليها ــ لا يقبل باحتمالين في موقف القضية فيه هي الحقيقة. لأن وجود احتمالين يعني أحدهما ضياع الحقيقة واندحار الباحث عنها. وهذا ما حصل في كل المواقف التي اتسمت بالتردد، وأهمها الموقف الذي كان فيه كلوديوس يصلي لوحده. فخصوصيات هذا الموقف "عوامله المتغيرة " لم تكن في صالح القوة الدافعة، بل كانت موزعة بين القوتين الدافعة والساحبة فحصل التردد :
"  بإمكاني أن افعلها، كذا ، وهو يصلي . وسأفعلها الآن ويذهب
    هكذا الى السماء ، أفاكون قد انتقمت؟ كلا فلأمحّص الأمر . نذل
                   يقتل أبي غيلة ، ولذا فأنا أبنه الوحيد أرسل هذا النذل الــــى
                   السماء، لكان ذلك خدمة ومكأفاة لا انتقاما  " .
وهكذا في كل المواقف التي حصل فيها التردد. فخصوصيات هذه المواقف تشير الى أن العوامل المتغيرة فيها موزعة بين القوة الدافعة والقوة الساحبة، ولوجود أكثر من احتمال، فيما لو حصل التنفيذ في هذه المواقف ، وهو أمر يتنافى وشخصية هاملت المطروحة بالمواصفات التي أوردناها. لأنه يريد الفعل في الموقف أن ينتهي الى نتيجة واحدة لا تقبل تعدد الاحتمالات ... هي انتصار الحقيقة وخلودها.






المصادر
1.   فرويد، سيجموند . تفسير الأحلام ، ترجمة مصطفى صفوان . دار المعارف بمصر 1969.
2. Bradley, A. C.Shakespearen Tragedy. London: Macmillan& Co. Ltd, 1904. 

3. Clemen, Wolfgang M. The Development of Shakesperes Imagery. Cambridge, Mass, Harvard University press, 1951.

4. Coleridge, S. T. Shakespearen Criticism. London: j. M. Dent & Sons, Ltd, 1961.

5. Elliott, George Roy. A Study of" Hamlet" as a Tragedy of Revengefulness and justice Durham, N. C: Duke University press; London: Cambridge University press, 1951.
  
6.  Hazlitt, William. The Characters of Shakespear s play. 2nded _ London: Taylor & Hessey, 1959.
  
7.  Jones, Ernest. Hamlet and Oedipus. New York: Doubleday & Company, Inc. 1954.
  
8. Mack, Maynard. The Word of "Hamlet". Yale University press, 1952

9. Ornstein Robert. The Moral Vision of Jacobean Tragedy. The University of Wisconsin press, 1960.
 





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق