الخميس، 28 مايو، 2015

تسيير المدينة


تسيير المدينة: تحكم في نسيج عمراني متغير:

تعرف كل مدن العالم حاليا تحولات عميقة، يصعب قياس عواقبها بدقة. وأصبحنا اليوم نتساءل إن كانت أزمة التعمير السابقة هي التي جعلت المدن اليوم عديمة القدرة على الوقوف أمام أوضاع عالمية جديدة، أو أننا أمام مدن جديدة مبنية على علاقات جديدة؛ من هنا يمكن أن نسجل الملاحظات التالية :

في وسط هذا الزخم من التحولات والتراكمات التي تعرفها المدن بمختلف أحجامها، فإن الجانب ألتسييري للمدينة يبقى يشكل الجانب الأكثر تعقيدا، وفي نفس الوقت الأكثر حيوية، و هو الأساس لإشكالية التطور المستديم.
أصبحت المدن حاليا على درجة كبيرة من التعقيد و اللاتجانس، والتخصص وتقسيم العمل، والانفصال المكاني، والاجتماعي.
أصبحت المدينة المعاصرة تتمركز عادة حول قطب وحيد. وأن التنطيق أوجد تخصصات مبالغ فيها من مناطق صناعية، سكنية، وتجارية.وصارت المدينة تعيش في قطاعات منفصلة: من جهة أحياء سكنية مخططة، ومن جهة أخرى أحياء شعبية فقيرة، يمكن أن نصفها بالمريضة، حيث تمتاز بعدم الاستقرار، التلوث بكل أشكاله، انعدام الأمن، انتشارا في العنف الحضري, كما أوجدت نسج عمرانية
مكثفة في مراكز المدن ومتناثرة في الضواحي. قليل من العمارات التي بنيت بشكل منسجم مع محيطها المجاور....
جل مدننا تعرف حاليا تمددا هائلا، حيث أن الكثير من الأحياء الواسعة صارت تشكل من قبل السكان أنفسهم، على جانب تحكم السلطات العمومية ( الأحياء الشعبية: الفوضوية، القصديرية.... المنظمة ذاتيا: عقود بيع، بناء...... بعيدة عن المصالح الرسمية ): أوجدت وضعية بعيدة عن مفهوم التسيير الهادف، أو التنظيم المحكم.
النسيج العمراني يتمدد ويتسع ويتحول، بينما الأراضي الحضرية الضرورية تضيق.وبالتالي ظهور هفوة بين وتيرة التهيئة العمرانية، وما ينبغي على المدينة توفيره. وأصبحنا نشعر وكأن مدننا تتطور بوتيرة تفوق قدراتنا. لذا، ونحن في عصر جديد، ومع متغيرات عالمية ومحلية مفروضة، فان مسير المدينة مطالب بالتأقلم معها
في خضم التحولات التي تعيشها الحضارة الإنسانية، فان المدن تعمل يوميا منتجة بذلك مشاكل اجتماعية واقتصادية متجددة حسب الظروف؛ هذه الحالة تترك الكثير من مسيري المدن يتساءلون عن العلاقة بين الأشكال الفضائية والوظائف الحضرية؟

تسيير المدينة مشاركة عامة:
لقد أصبحت فكرة المشاركة العامة في تسير المدينة عملة رابحة آخذة في الانتشار في كثير من الدول وخاصة المتقدمة . بل إنها أصبحت توجه أعمال الخبراء, السياسيين المهتمين بتخطيط وتسير المدينة، ونظرا لكون استخدامات الأرض تؤثر على كل أعضاء المجتمع بدرجات متفاوتة فقد وجدت الفكرة تجاوبا متزايدا من قبل عامة الناس.
في الواقع أن مبدأ المشاركة العامة في التسيير لا يمكن أن ينجح بدون إعداد أفراد المجتمع لتلق المشاركة ؛ وهذا يكون عن طريق بذل الجهود المسبقة لإفهام الأفراد الأهداف العامة لهذا النوع من التسيير.
إن تشكيل الأهداف العامة وإيجاد الوسائل الفعالة للتسيير يحتاج إلى الانخراط الفعلي للمجموعات والمنظمات المهتمة بالتسيير لإجراء المناقشات والاستشارات للوصول إلى أفضل أسلوب لعرض الأمر على أفراد المجتمع حيث أن بعض الأهداف قد تكون غامضة على الكثير. لهذا قد يلجأ الفرد أحيانا لبعض المنظمات للمشاركة في المناقشات نيابة عنه كأحد أعضائها.

وهنا نسجل إمكانية المساعدة في شرح أهداف واتجاهات التسيير من قبل وسائل الأعلام.
ألا أنه ينتج أحيانا عن مبدأ المشاركة العامة نوع من التضارب في عملية التسيير؛ أحيانا إلألحاح على تدعيم المشورة بين السكان وبين المسئولين عن التسيير قد يصطدم مع الحاجة لتنفيذ بعض القرارات السريعة في بعض عمليات التسيير. وبالتالي قد تكون هذه السرعة المطلوبة أحيانا مستحيلة مع مبدأ المشاركة العامة (كعمليات تحسين إطار حياة بعض الأحياء القديمة....).

أما المشاركة العامة المفيدة فهي تلك التي تبدأ منذ التخطيط ، كنشر الخطط أمام السكان، لإعطائهم الفرص الملائمة لعرض أرائهم والتي يجب أن تكون الأساس في وضع بعض الخطط النهائية. وعموما فإن فاعلية التسيير تبرز مع تشجيع المشاركة لأكبر عدد ممكن من العامة بالمساعدة في إعداد الخطط مثلا, ذات العلاقة الوطيدة بهم كالأماكن العمومية، وأماكن لعب الأطفال، وبعض التجهيزات العامة.... ، وذلك بإبداء أرائهم إما شفويا أو كتابيا...
طريقة المشاركة هذه تفرض على تسيير المدينة أن يكون في الميدان وأن يعمل وفق تصور جديد يعتمد أساسا على التنسيق والتشاور والشراكة بين الدعم العام والخاص وإشراك المجتمع المدني ومعرفة جيدة لكيفية فتح قنوات الاتصال بين مختلف الفاعلين في إطار نظرة شمولية، كي نجعل المواطن يشعر بانتمائه إلى المدينة أي بامتلاكه للفضاءات ( حيازته) لها.

تقودنا هذه النظرة الأخيرة إلى التساؤلات التالية: ما هي الإستراتيجية التي ينبغي إتباعها لجعل سكان المدينة أكثر فاعلية؟ وأي نوع من التسيير المتطلب إيجاده لتشجيع التزامات السكان ؟

تسيير المدينة: تفعيل للقطاع الخاص
جاء في كتاب مدن للقرن 21 ص 135 الصادر عن المنظمة العالمية للتنمية الاقتصادية 1995، أن مندوب الرئيس الأمريكي جيمي كارتر قال : "السياسة الوطنية للمدينة يجب أن تعكس شراكة قوية وفعالة بين القطاع العام والقطاع الخاص. الاعتمادات الفدرالية، واعتماد الدولة والمحلية رغم أهميتها، إلا أنها لا تكفي لحل مشاكل مدننا.
يجب تدخل القطاع الخاص. هو وحده يستطيع توفير الأحوال الضرورية لإعادة البناء والتوسع, هو وحده يستطيع أن ينجز مشاريع التطور الكبير على المستوى الواسع لإيجاد اقتصاد محلي كاملا".

كما يلاحظ في هذا الشأن كذلك بأن الشراكة (العامة/الخاصة) المتعلقة بالتهيئة، وتحسين الهياكل القاعدية تضاعفت، في بعض الدول الأوربية، في بداية 1980: شركات إنجاز وبناء، مستثمرون، هيئات مالية وشركات تطوير أخرى تعاونت مع السلطات العمومية تحت شعار الثورة العمرانية. وتزايدت بعدها الاتفاقيات في مختلف المجالات.
فالبلدية وحدها لا تتوفر على وسائل مادية ومالية تسمح لها بحل كل المشاكل المدنية........بل بمجهودات كل المهتمين بتسيير المدينة، والتي يمكن أن تجمع بواسطة تعاون فعال، لتواجهة تحديات التسيير المشترك.

تسيير المدينة : نماذج مختارة:

رغم تعدد المتدخلين في المدينة باعتبار أن لكل رؤيته الخاصة للمشاكل، ولكل أولويته, الأمر الذي يجعل من عملية التنسيق أمرا معقدا، وبالتالي التناقض في بعض الأحيان بين الكيفيات المطروحة لمعالجة الوضع وضبط التعقيدات، لذا كثيرا ما نتساءل عن بعض النماذج الناجعة في التسيير

هل نعتمد التسيير الخاص: أي أن البلدية هي التي تشرف على تسيير كل القطاعات التابعة لها وذلك باستعمال وسائلها البشرية والمادية الخاصة؟

أم نعتمد التسيير المشترك وذلك بالتسيير الذي يعتمد على التنسيق بين البلدية والمتعاملين الآخرين في آن واحد.
التساؤل على نوع التسيير الأنفع, يقودنا أن نتساءل كذلك ,وبنفس النظرة إلى محل التسيير (المدينة) .هذه الأخيرة يمكن أن نقسمها إلى نموذجين: المدينة السوق – المدينة الحي.
المدينة السوق: أراضي حضرية ، سكن ، قروض ، اتصالات ، خدمات ، لمختلف الشركات ،مهن حرة ، عمل توظيفي..
المدينة الحي: خدمات عمومية عبر الأحياء والتي هي إما مصالح تجارية ( ماء، تطهير، جمع نفايات منزلية، نقل بعض الأشخاص) أو خدمات تنظيمية (الخدمات التي تنظيم فضاء المدينة وتحاول تحسين الظروف داخل الأحياء)، أو خدمات اجتماعية تهدف إلى إخراج بعض الفقراء من فقرهم، تثقيف آخرين وتعلمهم .... أو أفعال ردعية ضرورية للتسيير الحسن للجميع.
يمكن أن ينمو هذا التصور على غرار تصور مفهوم الحي، كما يمكن أن يبنى على ميثاق محلي للمواطنة، أو على هندسة خاصة ترتكز على سلطة الحي.
العمل هنا يقتضي إيجاد تحالف اجتماعي سياسي واسع النطاق يهدف إلى إيجاد التجانس، التنسيق والإدماج الاجتماعي.
مثلا: إرسال برنامج لإجتثاث الفقر، برنامج القضاء على الآفات الاجتماعية.
في هذه الحالة البلدية تكون هي العمود الفقري الذي يرتكز حوله هذا النشاط ألتسييري الاجتماعي.

تسير المدينة : تسيير قطاعات لكن بنظرة شمولية

التحكم في تسير المدينة يقتضي تحديد القطاعات المراد التدخل عليها تحديدا واضحا , لكن بنظرة شمولية ( تعين خصوصية كل قطاع ومجالات التداخل بينها).ومن بين هذه القطاعات التي ينبغي أن تكون من أولويات مسير المدينةرغم درجات تفاوت تأثيرها من مدينة لأخرى- نذكر ما يلي :

*الفضاءات العمومية: هذه الحالة تفرض على السكان وكذلك أصحاب القرارات أن يعتمدوا طريقة ديناميكية للتهيئة العمرانية وأن يجدوا حلولا متجددة لاستغلال الملائم للفضاءات المتواجدة عبر كل أنحاء المدينة.

*إعادة تأهيل الأحياء الهامشية : المتضررة (القديمة) و الفضاءات العمومية، الطرقات هي أول الإجابات التي تعصف بمدننا والتي ينبغي للمسئولين على مستوى البلدية النظر فيها.

النوع الثاني من الإجابة التي يجب أن ينظر إليها المسئولون على مستوى البلديات هي الجوانب الاجتماعية والاقتصادية لسكان هذا النوع من الأحياء.
فإدماج هذا النوع من الأحياء ( والمتواجدة عموما في ضواحي المدينة), ينبغي أن يكون من أولويات مسير المدينة . لأن الكثير من هذه الأحياء أصبحت أماكن لاهية قروية فتطور مستلزمات الريف ,ولاهي حضرية فتستفيد من خدمات المدينة .

*أزمة النقل الحضري: شوارع مدننا مكتظة بالمشاة وسائل النقل,تجهيزات النقل العمومي لا تستطيع تلبية الطلب، كما لا تستطيع الشوارع المتدهورة تلبية الحركة في الميكانيكية في الوقت اللازم للانتقال من نقطة إلى أخرى, وحوادث المرور في تصاعد مستمر.

عليه النقل الحضري في أغلب هذه المدن بحاجة إلا تسير محكم للارتقاء به إلا أهدافه الحقيقة ( التوصيل بسرعة ,بأمان ,وبأقل التكاليف ).

*النفايات الصلبة :وضعيتها في جل مدننا تجعل من مسير المدينة يرسم لها العديد من الخطط ليستفيد منها لأنه عبارة عن عائدة أي مادة ثانوية للنشاط العمراني.كما يمكن تطبيق عدة مبادئ معروفة في التسيير تجعل من مسير المدينة يستفيد من وجود هذه النفايات مثلا:

تطبيق مبدأ الملوث الأكبر يدفع الأكثر.
تفعيل الضرائب المتعلقة بحماية المحيط...
التوعية وإنشاء هيئات تتكفل باستغلال النفايات والتفكير في تخفيض المصاريف المتعلقة بمعالجتها على الأقل, والتقليل من الانتشار العشوائي لأماكن جمع النفايات في كل أنحاء المدينة.


*تسير القطاعات الأخرى:

- كالمساحات الخضراء: (تشجيع المبادرات الفردية والجماعية كإنشاء مؤسسات خاصة ومتخصصة في صيانتها، والتي تهدف إلى حمايتها والمحافظة عليها.....
- المياه الصالحة للشرب: ( التفكير في إيجاد طرق التعامل العقلاني معها، خاصة في المناطق الجافة والشبه الجافة....)
يجب على مسير المدينة أن يبني استراتيجيته على الاستغلال الأمثل لكل عناصر المحيط الحضري، ويحسن الاستفادة من العوامل المحيطة به مع تطوريها مركزا على بعض النقاط، نذكر منها على سبيل المثال، لا الحصر، ودون ترتيب ما يلي:

- الإشراف على حملات تطوعية.
- مراقبة لكل التغيرات وتشخيص تدهور للمحيط.
- تشجيع المبادرات الفردية والجماعية الهادفة إلى تحسين إطار الحياة.
- إشراك أهل الحي في العمليات العمرانية وذلك بواسطة ورشات ميدانية.
- تحديد نوعية مشاركة السكان، مثلا:
o هل هي مشاركة تقنية ؟
o هل هي استثمار جماعي في فعل معين ؟
o مشاركة مالية.
- تهيئة وتسيير الأحياء على شكل وحدات جوارية لها تجانسها.
- تشجيع الدراسات المفيدة لعمليات التسيير :
- جمع المعلومات وتحليلها.
- إيجاد قاعدة بيانات
- تقوية شبكة علاقات واتصالات مع المتدخلين والمتعاملين الأساسيين
- تحديد الشركاء الحقيقيين، والفاعلين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق