الأربعاء، 13 مايو، 2015

نص غيم اسود



تلك البلدة المنكوبة بحريرها نكبت بوباء أيضا، قيل إنه الهواء الأصفر، وقيل الطاعون، وأكد آخرون فيما بعد أنه الجوع. انتشرت المجاعة في كل مكان ، وانتشر الجرب فأصابتنا العدوى، ظهرت البثور على أجسامنا، والتهبت بالحكة وتبقعت وجعلت الأم تذيب الملح وتدهننا.
ذهبت يوما الى بيت المختار فطردوها، كان الزوج قد جن، دخل غرفته وأغلق الباب نهائيا، ولم يعد يسمح لأحد بالدخول عليه، كان يتناول طعامه من نافذة الغرفة، ويغلقها بعد ذلك، وحرم على الجميع ولوج عتبة الباب الذي غدا محجرا لمن فيه، ولم تستطع الأم أن ترى أختنا المحجورة، فعادت فارغة اليدين، وبدا لها في نوبة من اليأس، ألا مخرج لنا من ورطتنا وأننا ميتون لا محالة جوعا.
كان الوقت عصرا، وكان عصرا تشرينيا باردا، وقالت الأم: إن علينا أن نذهب إلى الحقول ونجمع من التخوم ومجاري المياه أنواعا من الحشائش ستدلنا عليها.
رفضت البقاء في البيت، فألبستني ثيابا شتوية، وقمطت رأسي بمنديل وحملتني ومضينا الى غدير قريب ومعنا سلة، وفي يد الأم والأختين سكاكين. وهناك شرعن باقتلاع عشبة الحميضة التي جمعنا منها مقدارا كافيا. وعدنا الى البيت فغسلتها الأم وفرمتها ونحن نتحلق حولها. ولم نبرح الموقد الذي تسلقها عليه حتى استوت، وسكبتها لنا في صحن كبير، فاقبلنا عليها.
هذه الوجبة الحشيشية كانت خدعة غدائية يائسة، خلفت غثيانا في نفوسنا وإسهالا بلغ حد المرض برغم الملح الذي أكثرت منه الأم. ومع ذلك، كان لابد من هذا الحشيش، وقد حسبت الأم أن الإسهال يزول بشرب الماء الساخن. حدثتنا وهي تطهوه لنا أنها تعرف مكانا ينبت فيه بكثرة، وأنها ستقودنا في الصباح لجمع كمية كبيرة منه، وفي الصباح كنا على حالة من الاعياء بسبب القي والإسهال، ألجأنا إلى الانكفاء في ركن البيت صفر الوجوه، ذابلين كأغصان قطعت وألقيت في شمس تموز. وزاد في هلع الأم ذلك الورم الذي ظهر في وجوهنا وأطرافنا من جراء بثور الجرب.
إن جسوم الأطفال حين ينهكها الضعف أو المرض تنقلب حيويتها الى أشلاء تستدر الإشفاق والجزع، لا يبقى عندئذ من الطفل سوى عينين تنظران بانكسار ولا مبالاة، يذبل وتنفرج شفتاه عن أسنانه، ويكف عن الحركة ويلاحق صامتا أمه بنظرات مودعة ضارعة. كنا نحن أولئك الأطفال ...، لقد أهزلنا الجوع ، وهدنا الإسهال وتراخينا كأوراق مبللة، وعلى فراش في الزاوية تمددت، ولم تلبث أختاي أن تكورتا قربي، وغطتنا الأم وأشعلت النار في  الموقد.
لقد ازدادت الآن نحولا، وفي الاستجابة إلى نداء الجسم المكود كان طبيعيا الاستسلام. لتأت النهاية على النحو الذي تريد. يا أيتها النسمة الباقية في الصدر أخرجي ودعينا، الحياة والموت يصبحان في وهن الجسم وهنا في الصراع. يكف الصراع ويلوح الموت حاملا ملاءة غيم أسود.
ذلك الصباح كان غيم أسود، كان برد، وكنا شموعا صغيرة، أعقاب شموع صغيرة تنوس وتوشك أن تنطفئ، كان يكفي أن تغلق أمنا الباب، وتأتي إلينا وتضطجع مثلنا،  تاركة للغيمة أن تغمرها وللراحة أن تشملها وللبيت الطيني أن يوارينا حتى يفطن إلينا من يوارينا.
حنا مينة، بقايا صور، دار الآداب، بيروت، الطبعة 2، 1978 (بتصرف).


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق