الخميس، 28 مايو، 2015

اللامساواة بين الجنسين في المجتمعات النامية



اللامساواة الجنوسية في المجتمعات النامية

تمثل اللامساواة الجنوسية القائمة وفق مبدأ المجتمع الابوي وتقاليده الصارمة صفة غالبة وان لم تكن شاملة لجميع الدول النامية الامر الذي ترتب عليه اضطهادا واقصاءا وتهميشا لنشاطات وقدرات انتاجية تسهم في اضافات خلاقة على حركة التنمية ومعدلات النمو الاقتصادي لتلك البلدان. ونتيجة للموروثات الاجتماعية وانماط سلوكيات المجتمع الابوي فاننا نجد ان هنالك نسبة كبيرة من القوى البشرية تم اقصاؤها او حرمانها من المشاركة الفاعلة في عمليات الانتاج بشكل عام وترتبت على ذلك نتائج اقل مايمكن
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بالإنجليزية، 2005 .
وصفها بانها نتائج كارثية على مجمل النشاطات الاقتصادية بشكل عام. حيث شكلت تلك السلوكيات والانماط الاجتماعية عبئا كبيرا يرمي بثقله على كاهل التنمية الاقتصادية الامر الذي يترتب عليه اضعافا وتباطوءا في نسب النمو والتقدم للتنمية الاقتصادية بشكل عام.
ففي الدول النامية نجد ان معدلات حرمان النساء من التعليم بشكل او باخر يصل الى ارقام ونسب كبيرة قياسا الى بقية دول العالم المتقدم حيث ان الفجوة الجنوسية مابين الجنسين تساوي الصفر بينما نجد ان هنالك تفاوتا في العديد من الدول النامية. والجدول البياني اعلاه يبين درجات التفاوت مابين الدول النامية فيما بينها من جهة قياسا مع الدول المتقدمة.( 17 ).
تشير الإحصاءات المتوافرة إلى ضعف في مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي، مما يضع مساهمة المرأة في المنطقة العربية مثلا عند أدنى المعدلات بين مناطق العالم بداية يفرض تباطؤ النمو الاقتصادي قلة الطلب على العمالة النسائية في المنطقة. وبالإضافة إلى ذلك فإن غلبة التصورات التقليدية لدور المرأة ارتبطت على وجه التحديد بأولوية الرجال في إعالة الأسر وبتدني تفضيل تشغيل الإناث مما يساعد على ارتفاع معدلات البطالة السافرة بين النساء مقارنة بالرجال.

وتشير الخبرة في البلدان العربية إلى أن النساء في أوقات الانكماش الاقتصادي هن أول من يفقد فرصة العمل وآخر من يحصل عليها في أوقات الانتعاش. ومن أمثلة ذلك الانخفاض الضخم في عدد المشتغلين النساء خلال النصف الأول من تسعينات القرن الماضي في مصروهي فترة تباطؤ اقتصادي لاسيما في قطاع المؤسسات الخاصة على حين زادعدد المشتغلين الذكور في الفترة ذاتها وفي ميدان الحرمان من المشاركة في النشاط الاقتصادي وعلى الرغم من توافر الرغبة في العمل تدل الإحصاءات المتاحة  على ضعفها على ارتفاع معدلات البطالة بين النساء عن الرجال. ان النساء في عموم الدول النامية والعربية خصوصا في حالة الاشتغال لايتمتعن بالمساواة مع الرجال في ظروف العمل والعوائد من ناتج العمل والجهد. ناهيك عن الصعوبات التي تواجهها المرأة في حق التقدم الى شغل مناصب صنع القرار في القطاعات الاقتصادية والاجتماعية المختلفة. وفيما يلي بيانا توضيحيا عن معدلات البطالة بين الاناث مقارنة مع الرجال في الدول العربية.

[1]:  برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بالإنجليزية، 2005 .

كما اوضحت بعضا من الدراسات التي اصدرها المعهد العربي للتخطيط ومنها دراسة تحت عنوان (تحليل البطالة) أن أعلى معدلات البطالة سجلت عند الأشخاص ذوي المؤهلات المتوسطة وانخفضت لدى الأشخاص الذين لا يحملون أية مؤهلات ولدى ذوي المؤهلات العالية مشيرة الى أن معدلات البطالة تكون أعلى لدى الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 - 34 . واستخلصت أن البطالة في الدول العربية ناجمة في الأساس عن عدم استيعاب المتخرجين من النظام التعليمي والداخلين لسوق العمل لأول مرة خاصة في ظل تضييق القاعدة الاقتصادية للقطاع العام في أغلب الدول العربية. واشارت الى ان بطالة الاناث تتركز في فئة المتعلمات الداخلات لسوق العمل لأول مرة وان هذه الفئة أكثر عرضة للبطالة من الذكور.

تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن النساء يشكلن 40 في المائة من السكان، وأن 70 % من فقراء العالم نساء وأن هناك حوالي 77.8 مليون امرأة نصفهن عاطلات ووفقاً لما جاء في تقرير عام 2004م "أنماط الاستهلاك العالمية للشباب"، فإنَّ بطالة النساء والشباب أكثر من الرجال وإن نحو الثلث من مجموع 875 مليون بالغ أمِّي في العالم نساء. ان المرأة تواجه خطر الفقر رغم مشاركتها العالية في قوة العمل وذلك لتفضيلها بعض ما أوجدته العولمة من فرص غير رسمية وأجورٍ غير ثابتة لا تخضع للنظم واللوائح وتفتقد الضمان الصحي الاقتصادي على الفرص الرسمية. ويذهب تقرير التنمية في الدول العربية إلى أنَّ ظاهرة البطالة في سوق العمل العربي أكثر حدة على النساء، إذ ارتفعتْ نسبتها من 17% عام 1977، إلى ما يزيد على 25 % عام 2002م.
وجاء في تقرير البنك الدولي [2]حيث ان ففي البلدان المنخفضة الدخل حاليا تتخلف النساء دائما عن الرجال في المشاركة في القوة العاملة الرسمية والحصول على القروض ومعدلات العمل الحر ومستويات الدخل وحقوق الميراث والملكية. وقد تقلصت قدرة النساء في البلدان المنخفضة الدخل على الحصول على وظائف رسمية عما كان عليه الوضع قبل 25 عاما فقد تراجعت قوة العمل من النساء من 53 في المائة عام 1980 إلى 49 في المائة عام 2005م في حين يستمر توظيف الرجال بنفس النسبة تقريبا وتصل إلى 86 %. وكذلك فقد تحرك نصيب النساء من الوظائف ذات الأجر في القطاع غير الزراعي تحركا لا يُذكر في البلدان المنخفضة الدخل منذ عام 1990 إذ زاد من 23 % إلى 25 % عام 2003.
وفي المناطق الريفية في غانا مثلا يقل دخل النساء من الأنشطة غير الزراعية عن دخل الرجال بما يقارب 40 في المائة. وفي أوغندا، يقل دخل النساء من تلك الأنشطة 85 في المائة عن دخل الرجال. وفي جميع البلدان النامية لا يزال دخل النساء يقل في المتوسط 22 في المائة عن دخل الرجال بعد أن تؤخذ في الاعتبار المهارات الملحوظة. في كل عام ينتقل ما بين 600 ألف و800 ألف شخص عبر الحدود الدولية وتشكل النساء والفتيات أغلبية من يجري نقلهم والإتجار بهن من أجل الاستغلال الجنسي. ويقل ما تحصل عليه النساء في أفريقيا من قروض لصغار المزارعين على 10 % من إجمالي القروض التي يحصل عليها صغار المزارعين  و1% من إجمالي القروض الموجهة للقطاع الزراعي في حين أنهن يشكلن أغلبية العمال الزراعيين.( 18 ).
كما ان منع التعليم عن المرأة [3]يؤدي الى خسارة كبيرة في الدخل القومي. حيث نجد ان العديد من الدول النامية ومن بينها اندونيسيا وكازاخستان وماليزيا وباكستان وسيريلانكا وبنغلادش وسنغافورة تتحمل خسارة سنوية تراوح بين 42 و47 بليون دولار بسبب عدم فتح مجالات العمل بنسبة طبيعية امام النساء بينما يصل حجم الخسارة من فقدان التعليم الكافي الى ما بين 16 و30 بليون دولار. وتجد الفتيات في عدد كبير من الدول صعوبة في الحصول على التعليم إذ تنخفض نسبة تسجيل الاناث في المدارس الابتدائية عن الذكور بنحو 26 في المئة. اضافة الى ان تعليم النساء يوفرفرصاً افضل للوقاية من الامراض خصوصاً الايدز وما ينتج عنه.

ان ماليزيا واندونيسيا مثلا يمكنهما جني مكاسب اقتصادية ضخمة بتوظيف المزيد من النساء لكن الأثر سيكون اخف في الصين حيث تُعتبر نسبة النساء العاملات مرتفعة على سواها في المنطقة. ان احد الاسباب الرئيسية التي تحرم النساء من الفرص المتاحة للرجال هو نقص تمثيلهن السياسي بصورة نسبية  فالغالبية منهن ليس لهن رأي في عملية صنع القرار في المنزل او المجتمع حتى عندما تتعلق الامور بهن مباشرة ولا حول لهن على المستويات الفكرية والمادية والسياسية. وان سبعاً فقط من دول المنطقة تتجاوز فيها نسبة تمثيل النساء في البرلمان 20 في المئة. بينما نجد في نيوزيلندا ان نسب التمثيل البرلماني للنساءيتجاوز مانسبته 28 في المئة.

اما في البلاد العربية فان الحال على مايبدو اسوء بكثير مما عليه الحال في بقية الدول النامية التي ترتفع فيها معدلات اللامساواة الجنوسية مابين المرأة والرجل. حيث اننا نجد في المملكة العربية السعودية مثلا وإذا ما قارنا مشاركة المرأة في الاقتصاد السعودي بمشاركة المرأة في اقتصاد دولة إسلامية أخرى مثل ماليزيا، نجد أن النسبة في السعودية تبلغ 4.6% بينما تبلغ في ماليزيا 37%. علما بأن المقاييس العالمية لمشاركة المرأة الاقتصادية تمثل40%.

 ففي السعودية وحسب إحصائيات رسمية بلغت قوة العمل النسائية حتى العام الماضي 670 ألف سيدة يمثلن8% من إجمالي قوة العمل. ويصل عدد العاملات السعوديات حاليا إلى 494 ألف عاملة يمثلن 6.6% من مجموع المشتغلين السعوديين وغير السعوديين وقد بلغ عدد العاملات السعوديات في القطاع الخاص 32 ألف عاملة فقط يشكلن أقل من1% من إجمالي العمالة في القطاع الخاص وبينما تشكل مشاركة المرأة السعودية في القطاع الحكومي نحو14% من إجمالي القوة العاملة بالقطاع فإن مشاركتها في القطاع الخاص لا تتجاوز0.5%  من مجموع القوة العاملة السعودية وحسب رأي الدكتور عبدالواحد الحميد وكيل وزارة العمل السعودية لشئون التخطيط والتطوير فقد ارتفع عدد العاطلات السعوديات عن العمل إلى 176 ألف فتاة ووصلت نسبة البطالة النسائية إلى 26%.
وفي دولة عربية أخرى هي سورية بلغت نسبة مساهمة المرأة في قوة العمل لعام 2006م الى 15.6%. وفي حين بلغ معدل النشاط الاقتصادي الخام بين الذكور43.8% فإنه بلغ فقط 9.9% للإناث. ويظهر أحدث تقرير للتنمية الإنسانية العربية أن معدل البطالة بين الإناث يساوي ثلاثة أضعاف معدل البطالة بين الذكور. ويكشف تقرير لمنظمة العمل العربية أن معدلات البطالة بين الإناث هي الأعلى مقارنة بالذكور إذ بلغت عام 2006 أربعة أضعاف نصيب الذكور في مصر وكان نصيب الإناث من التشغيل أفضل في حالات قليلة مثل دولة الإمارات.

وعلى الرغم من أن التقرير يشير إلى أن معدلات البطالة المرتفعة بين المتعلمين هي حالة عامة ومتفاقمة في جميع البلدان العربية فإنه يشير إلى أن هذه الظاهرة أكثر بروزا في حالة الإناث. فمعدلات البطالة بين المتعلمات منهن تتجاوز23% في أغلب الحالات وتبرز أكثر حالات البطالة بين الجامعيات في بلدان الخليج العربية. والغريب أو الملفت للانتباه أن معدلات البطالة بين الأميين هي الأدنى في غالبية البلدان العربية.

من المؤسف أن ترتفع هذه المعدلات لذوي التعليم ا لمتوسط والثانوي والتعليم الجامعي لتبلغ عشرة أضعاف التعليم الأولي في حالة مصر وثلاثة أضعاف في حالة الجزائر وخمسة أضعاف في حالة المغرب وإن بقيت ضمن المعدل العام في حالة الأردن. ففي السعودية تصل نسبة العاطلات من خريجات مرحلة البكالوريوس الى 29% وفي غياب إحصائيات عربية دقيقة عن حجم الخسائر التي تتكبدها اقتصادات الدول العربية بسبب الغياب الكبير للإناث عن ميادين العمل يستخلص التقرير أن الخسائر السنوية لثماني دول آسيوية هي إندونيسيا وكازاخستان وماليزيا وباكستان وسيريلانكا وبنغلادش وسنغافورة، تتراوح بين 42 و47 مليار دولار.

لتلك الأسباب الآنفة الذكر فإنه ليس غريبا أن يشير تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2005م إلى أن مستوى نمو دخل الفرد في الوطن العربي خلال العشرين عاما الماضية يأتي في المرتبة ما قبل الأخيرة، عالميا أي فقط قبل بلدان إفريقيا ما وراء الصحراء. وفي حال استمرار وتيرة النمو على وضعها الراهن فإن المواطن العربي سيحتاج إلى 140 عاما حتى يضاعف دخله في وقت لا يحتاج فيه سكان المناطق الأخرى المتقدمة إلى أكثر من عشرة أعوام.


[1] انظر تقرير التنمية الانسانية العربية للعام 2005م, العنوان: نحو نهوض المرأة في العالم العربي.
[2] انظر تقرير البنك الدولي الصادر في ابريل نيسان لعام 2007م, تحت عنوان  " البنك الدولي والمساواة بين الجنسين ".
[3] انظر هيئة الامم المتحدة - اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لاسيا والمحيط الهادي في مسحها السنوي "أحرزت منطقة اسيا والمحيط الهادي تقدما طيبا في تقليل التمييز على اساس النوع في السنوات الاخيرة لكن لا تزال هناك تفاوتات مرعبة."وقالت اللجنة إنه فضلا عن كونه قضية من قضايا حقوق الانسان فإن استبعاد النساء من الوظائف له ثمن مباشر على اقتصاديات دول المنطقة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق