الاثنين، 11 مايو، 2015

تحليل رواية واقعية



تحليل رواية واقعية
لقد ورد في القرآن أن الله طلب إلي سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم أن يتلو علي اليهود خبر وقصة ذلك العالم الذي علم بعض كتب الله فانسلخ من الآيات كما تنسلخ الحية من جلدها بإن كفر وأعرض عنها حين لحقه الشيطان واستحوذ عليه حتى جعله في زمرة الضالين الراسخين في الضلال والغواية .
قال ابن عباس : أنه رجل من بني إسرائيل بعثه موسى إلي ملك مدين ولكن الملك رشاه وإعطاءه الملك علي أن يترك دين موسى . وسلوكه مثال الخسة قيم تشبيهه بالكلب . قال تعالى في كتابه العزيز :
" واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين . ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلي الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب أن تحمل عليه يلهث وأن تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فأقصص القصص لعلهم يتفكرون ".
( الأعراف ، 176) .
ورغم توفر المكونات المتفاعلة للسلوك والتخيل من خلال مثل يتضمن عند تحليله:
-         خبرة مباشرة دون أن يتضمن ملاحظة مباشرة فإن إمكانية التفكر متوفرة .
-         أن الأسلوب المستخدم في التعبير كان مثيرا فهو القصة الموجزة ، والتمثيل بخبرات مألوفة في البيئة والتشبيه بليغ سواء في الانسلاخ أو تتبع الشيطان للعالم والخلود إلي الأرض ( الدنيا ) والرفع : لرفعناه بمعني رفعه إلي منزلة العلماء وإيثار الشهوات عند التفضيل مع الآخرة .
-         والتعميم علي القوم الذين يكذبون بالآيات ( ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ) .
-         والحكمة من الآيتين واضحة لا تخفي علي القارئ .


والتنقل بين الملاحظات والاستنتاجات ، والأمثلة والتعميمات والتعددية يعمق الفهم والمفاهيم والإدراك والمدركات . وهو يتخطى الملل والرتابة وهكذا نجد أن التفاعل بين الناحيتين : العقلية الإدراكية لدي الإنسان والعاطفية الوجدانية لديه وهما تسيران جنبا إلي جنب في عملية التفكر .
هذا التفاعل ضروري لاستمرار الرغبة في الفهم والتفقه والإدراك والميل للمعرفة وهنا يصبح التعلم مزودا بالدافعية موجها من الداخل قائما علي الفهم مما يجعله نشطا فاعلا مثمرا وممتعا. تأتي المتعة فيه ليس فقط من اكتشاف الاتساق بين مكونات الشيء وسلوكه النوعي ولكن أيضا مما يوفره الخيال هذا الخيال الذي يربط ثقافة الفرد وخبراته وعملياته العقلية بما يلاحظه ويدركه . ويؤدي تعدد المكونات أو المشاهد إلي تسهيل الإدراك وزيادة المتعة مما يزيد طاقة التفكير -أحيانا- ليشمل الإبداع أو توفير ما يمكن تسميته بالسيولة الفكرية التي تساعد في التوصل إلي إدراك التفاصيل واستشعار المشكلات والمرونة والطلاقة والأصالة وهي أهم عمليات الإبداع أو التفكير الإبداعي .
ربط مجموعة من الصور الكونية أو المشاهد الطبيعية في مدرك واحد متناغم تؤدي العمليات المتخيلة المتضمنة فيه إلي إضفاء الحركة علي مكوناته المتعددة فتشكل آيات تطوع نفسها للتأثير في الناس بحيث تدفعهم إلي مزيد من التفحص والاستدلال واستثمار الأفكار :-
" وهو الذي مد الأرض وجعل رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل زوجين اثنين يغشى الليل النهار إن في ذلك آيات لقوم يتفكرون . " ( الرعد ، آية 95 ) .
والمكونات هي الأرض والرواسي ( الجبال ) ، والأنهار والثمرات( وما قد تحتويه من بذور ) . ويلاحظ هنا التعددية في المشاهد . ويشاهد من العمليات مد الأرض ، وتوزيع الجبال وفعل الرسو ، والتزاوج بين الأنواع ، وغشى الليل النهار .
ومن الطبيعي للمرء إذا عرف مكونات الظواهر وعملياتها واهتم بها أن يفكر في مخرجاتها ، وأن يفكر في العلاقات البيئية ومدلولاتها وكيفية الاستفادة منها أو استثمارها . فذلك حب الاستطلاع أو الحالة الوجدانية التلقائية في الإنسان السوي التي تؤدي إلي البحث والتنقيب والسفر إلي آفاق الفكر . ويصبح الإنسان المتفكر مسافر زاده الخيال . قال الرجل الصالح لسيدنا موسى عليه السلام : " وكيف تصبر علي ما لم تحط به خبرا " (الكهف،آية68) وفي الآية (3) من سورة الرعد قد يتساءل القارئ المهتم :
-ماذا فعل الله أيضا بالأرض غير المد ؟
-ماذا جعل فيها غير الرواسي والأنهار والثمرات ؟
-ماذا يترتب علي غشى الليل النهار ؟
-كيف نستفيد من هذه الظواهر ( وأمثالها ) ؟
الإقناع بالاستحقاقات
من التساؤل الافتراضي : إذا كان الأمر كذلك فماذا يتوجب علينا ؟ نجد أن الاستحقاقات تتبع القناعات . والتفكر يولد قناعات تستوجب الاستحقاقات.مثال ذلك ما جاء في الآيتين التاليتين :
" إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار * ربنا إنك من تدخل النار فقد أخذيته وما للظالمين من أنصار .
إن تفحص الآيات من خلق لمكونات الكون العظمى (السموات والأرض ) واختلاف الظواهر الكبرى (الليل والنهار ) يشكل قناعات عند ذوي الألباب بالقدرة الإلهية ويثير تساؤلات حول أغراض الخلق فتتعطش الأذهان والقلوب إلي التفكير في أساليب النجاة من آثار الظلم وكل ما يؤدي إلي العقاب الرباني وفي ظل قناعة مؤداها أن الظالمين ليس لهم أنصار حقيقتين .
متى يبدأ حب الاستطلاع ؟
يمكن القول بأن حب الاستطلاع يبدأ عند بداية تكون العقل (وهو غير المخ) ويساهم الطفل في بناء عقل ذاته إسهاما كبيرا في المدركات العقلية تقوم علي أمرين الفهم والخبرة .
الطفل يختلف عن الكبار في أنه يضع أساسات المعرفة (القواعد) ، والكبير يرفع القواعد من المعرفة و لا يتوقف عن وضع القواعد .
الطفل يجمع المعرفة بنفسه من خلال خبراته التي يمر بها كما تجمع النحلة الرحيق فهو لا يكدس المعلومات في عقله تكدسا وإنما يحولها إلي مدركات كما تحول النحلة الرحيق إلي عسل .
وتشير خبرة الأمهات والآباء ونتائج ملاحظات الدارسين والعلماء إلي أن حصول الطفل علي المعرفة بالأشياء عملية مبكرة في حياته وهى لا تبدأ عندما تبدأ تساؤلات ، وحب الاستطلاع لديه يبدأ قبل أن ينطق بأوائل الكلمات . فمتابعاته البصرية و التحركات المحيطة به تبدأ في سن مبكرة وهو يمد يده لملامسة الأشياء قبل أن ينطق بنت شفه يحاول أن يتعرف علي كنه الأشياء .
تماما كما أنه يعبر عن حاجته إلي الطعام بالبكاء والبكاء أول أساليب التعبير عن الحاجات ولكن الآباء والأمهات يبدءوا في اكتشاف حب الاستطلاع عندما يمتلك الطفل القدرات اللغوية التي تمكنه من توجيه الأسئلة للحصول علي معلومات تسد الفجوات في البني العقلية الأساسية له والتي تمكنه من تفسير المثيرات والخبرة وبالتالي إلي تشكيل الاستجابات .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق