الاثنين، 11 مايو، 2015

تحليل شخصية هـاملت شكسبـير



تحليل شخصية هـاملت شكسبـير

       
تتعدد النظريات السيكولوجية في تفسير " الشخصية " ، وكثرة عددها قد لا تشكل مفارقة ، ولكن المفارقة هي انك حين تقرأ نظرية منها تقتنع بها ، فانك ما أن تنتقل الى نظرية أخرى مناقضة لها حتى  تقتنع  بالأخرى المناقضة لها...

                               أفيكون الإنسان هو ملتقى كل التناقضات ؟!

  لقد فعل ذلك شكسبير في هاملت .و شكسبير ـ هذا العقل الحاذق المبدع ـ سبق علماء النفس في طرحه لمفهوم أن " الشخصية " لا يمكن تفسيرها بنظرية سيكولوجية واحدة . ولهذا يمكن القول إن أحد أسباب خلود شكسبير هو مسرحيته " هاملت " . وان أحد أسباب خلود مسرحيته هذه هو قدرة شخصية هاملت على استيعاب عدد قد لاينتهي من التفسيرات المتشابهة ضمن سياق فكري واحد ، والمتباينة في سياقات فكرية مختلفة . فمسرحية " هاملت " ــ كما يصفها الشاعر والناقد وأستاذ الأدب البولندي ، جون كوت ــ أشبه بأسفنجة من شأنها إن تتشرب كل مشاكل عصرنا .
  في حالتنا الابداعية هذه ـ " هاملت " ـ سنتقدم مسحا" مكثفا" لأهم الاجتهادات التي حاولت تفسير شخصية هاملت وتردده على وجه الدقة ، ثم ننتهي بطرح وجهة نظرنا في شخصية هاملت وتردده بالذات . وهي وجهة نظر جديدة قد يجد فيها القارئ أنها تشكل إضافة للتفسيرات القائمة .
أولا. هاملت شكسبير في اجتهادات المفسرين 
    برغم تعدد وتنوع هذه التفسيرات فانه يمكن وضعها على محاور رئيسة بتصنيفات مختلفة . على أن التداخل بينها يبقى قائما" في أي تصنيف محتمل . وسيجري فرز أهم التفسيرات لشخصية هاملت وتردده الى ثلاثة أصناف هي : تفسيرات سياسية ، وتفسيرات فنية وأخلاقية ، ثم تفسيرات سيكولوجية .
  على أن هذا سيتم بعد إن نتعرف بشكل منفصل ومكثف على وجهات نظر متميزة لستة من النقاد والباحثين هم : كولردجColeridge  ، هازلت Hazlitt ، برادلي Bradley، كليمن Clemen ، ماك Mack ، واورنستين Ornstein .
أ‌.      كولردج:
  يتساءل كولردج بدءا" فيقول : ماذا كان يقصد شكسبير حين رسم شخصية هاملت ؟ ويضيف : إن شكسبير لم يكتب ابدا" بدون تخطيط دقيق مسبق ، فماذا كان تخطيطه حين اخرج هذه المأساة ؟
    ويجيب : باعتقادي، هو انه كان يتمعن في القصة قبل كتابتها كما يتمعن الرسام موضوعه وادواته قبل أن يرسم . ولقد قصد شكسبير في هاملت تصوير وجهة نظر الإنسان بالعالم الخارجي، في أن كل حوادثه وموضوعاته هي ، نسبيا"، مظلمة وغامضة ولا رغبة له فيها بحد ذاتها . وان الاهتمام بها يبدأ فقط حين تنعكس تلك الحوادث والموضوعات الخارجية بنفس الطريقة التي ينظر بها الرجل ذو الخيال المفعم بالنشاط، الذي يغمض عينه ليرى أشياء سابقة تركت انطباعاتها فيه.
     لقد وضع شكسبير هاملت في ظروف مثيرة للغاية نادرا" ما يتعرض لها البشر . فهو الوريث المفترض للعرش . ووالده كان قد توفي في ظروف غامضة، ووالدته ابعدته عن العرش بعد أن تزوجت من عمه . وكان شبح والده يظهر ليؤكد له بأنه قتل من قبل أخيه الذي اصبح الآن ملكا" وزوجا" لمن كانت في السابق زوجته.
  وكان تأثير ذلك على الابن هاملت ليس فقط حثه على اخذ الثأر بل ، وأيضا" ، تساؤلات لا نهاية لها ... عزم وتصميم وإلحاح وقلق العقل من اجل الفعل، ورغبة ملحّة مضادة من اجل الهرب من ذلك الفعل. ونوم وتوبيخات متواصلة لنفسه على كسله وإهماله. فيحدث  ان تتبخر كل طاقته على التصميم بفعل هذه التوبيخات. وهاملت ليس جبانا"، فقد اعتبر واحدا" من شجعان زمانه، ولم يكن تردده بفعل الرغبة في التدبير وبعد النظر، ولم يكن توانيه من اجل فهم وإدراك اعمق ، ولكنه كان فقط يكره ويمقت ذلك الفعل.
      انه لا حيرة ولا تردد حول هاملت بقدر ما يتعلق بشعوره هو وإحساسه تجاه واجبه انه يعرف جيدا" ماذا يجب عليه أن يفعل. وكان كثيرا" ما يعمل فكره لأن يفعل ذلك . ولقد انشطر على نفسه فكان شطره الثاني ثورة غاضبة وهذيانا" وانفعالا" ضد نفسه على إهماله تنفيذ واجبه المهيب الذي أوكل إليه.
     لقد أراد شكسبير أن يترك فينا انطباعا" حول حقيقة : إن الفعل هو النهاية الحاسمة للوجود. وان القدرات الفائقة للعقل وحدّة الذهن وألمعية الفكر لا قيمة لها. وأنها ــ لسوء الحظ ــ اذا سحبتنا وجعلتنا نتخلى عن كرهنا لفعل معين ، فإنها تقودنا لأن نفكر ونفكر في ذلك الفعل حتى يكون الوقت قد مرّ وفاتت اللحظة التي كان بالإمكان أن نفعل فيها شيئا" مؤثرا".
    وفي تنفيذ هذه الحقيقة الأخلاقية، فان شكسبير اظهر كامل براعته. فكل شيء ذو هدف ورائع بطبيعته كان في شخصية هاملت. باستثناء خاصية واحدة، هي انه كان رجلا يعيش التأمل والتفكير دعي لأن يفعل وبكل دافع إنساني والهي ، لكن شاغله العظيم في حياته كان يلهيه في اتخاذ قرار دون فعل.
ب. هازلت:
     هاملت هو مجرد اسم ، وكل أقواله وخطبه وحتى صياغاته الساذجة هي من عقل الشاعر شكسبير، فهل يعني هذا إنها غير واقعية ؟. إنها واقعية كواقع أفكارنا الخاصة.. إننا نحن هاملت، وهذه المسرحية لها صدق النبؤة إضافة الى كونها تاريخا".
   ومهما كان هاملت منهمكا" في التفكير وسوداويا" طوال حظه العاثر، أو حظوظ الآخرين، وانه كان عليه أن يشق طريقه في عتمة قاتمة ، ووجد في نفسه انه كثير عليه أن يكون هو الشمس. وآيا كان هو الشمعة الذهبية في نهار معتم يتصاعد فيه الضباب حتى ليخنق أنفاسه، ووجد في العالم خواء ولا شيء يستحق الذكر. ومهما كان قد خبر " أوجاع الحب الذي استخف به " ، فانه هو الذي أحس بأن عقله يغوص في داخله، وان الحزن يعتصر قلبه كالمرض، وانه لم يكن مقتدرا" على التحرر من القلق في وقت يرى فيه الفساد يحوم حوله كالشبح، وحيث قوته للفعل كانت تأكلها أفكاره. انه هو الذي كان يبدو الكون أمامه مطلقا" لا نهاية له ، ورأى في نفسه انه لا يساوي شيئا". وهو الذي أحالته قساوة آلامه الى إنسان غير مبال بما يحدث، فمضى يمثل بسخرية، لأنه وجد في التمثيل الساخر افضل مصدر له في فضح فساد الحياة. هذا هو هاملت الحقيقي .
   إن مسرحية هاملت واحدة من مسرحيات شكسبير التي نفكر فيها كثيرا"، لأنها تزخر بانعكاسات حادة للحياة الإنسانية. ولأن هموم هاملت قابلة الانتقال لأن تكون هموما" عامة على الصعيد الإنساني . فكل شيء يحدث لهاملت نطبّقه على أنفسنا، لأنه يطبّقها على نفسه كوسائل عقلانية عامة. انه أخلاقي عظيم . وما يجعله جديرا" بالحضور انه يسمو بأحاسيسه وخبراته دون تحذلق أو مساومة. وإذا كان " لير" قد تميز بآلامه الكبيرة، فان هاملت يتميز بعبقريته وأصالته وشخصية متطورة غير قابلة للدراسة.
   وشخصية هاملت تقف معتدة بنفسها لا تميزها قوة الإرادة ولا حتى الألم . لكنها تتميز بتصفية وتنقية الأفكار والوجدان  . انه بطل على افضل ما يمكن إن يكون الإنسان . ولكنه كان شابا" وأميرا" مبتدئا"، مملوءا" بحماسة عالية وحساسية سريعة. وهو يبدو غير قادر على فعل سريع، ومع ذلك اقدم على أفعال متطرفة بصورة ارتجالية حيث لم يكن لديه الوقت لأن يعكس ذلك في فكره، كما في مشهد قتله لبولونيوس.
   وفي أوقات أخرى ، وحين يكون متجها"، يبقى متحيرا"، غير قادر على اتخاذ قرار. شكوك، يتوانى حتى تفوته لحظة الفعل، فينتكس نحو الكسل والتراخي والتفكير بعمق مّرة أخرى .
   انه أمير الفلاسفة التأمليين . ولأنه لم يفعل شيئا" فانه كان يفكر في عجزه. وكان تفكيره في هذا العجز والتواني يوفر له فرصة أخرى للتكاسل. ولم يكن مقته للجريمة سبب تباطؤه، ولكن ولعه في أن ينغمس بخياله في تجسيد فداحة وشناعة الجريمة وتنقية خططه للأخذ بالثأر اكثر من وضع هذه الخطط موضع التنفيذ الفعلي . إن علته الأساسية هي أن يفّكر لا أن يفعل. وكان يجد في اتفه الحجج ذريعة لأن يفكر فيها، فتلهيه عن هدفه الرئيس .

جـ . برادلي:
   إن احدا" لا يمكنه أن يحكم على مزاج هاملت بأنه " الميلانخوليا ــ السواد " بالمعنى السائد للكلمة. فلا يبدو ما يشير الى ذلك . ولكن يمكن أن يحكم من خلال مزاج هاملت بأنه يميل الى عدم الاستقرار العصبي، من خلال تقلّبه السريع، وربما تطرّفه في تغيرات الإحساس والمزاج. وقد أطلق الاليزابثيون على هذا النوع من المزاج " الميلانخوليا" ويبدو إن هاملت كان نموذجا لها.
   إننا لا نكون مخطئين حين نعزو لهاملت، في أيامه الأولى الحساسية الحادة. ويمكن أن نطلق عليها " أخلاق" اذا كانت هذه الكلمة تدلل على المعنى . وفي حساسيته الأخلاقية هذه يكمن الخطر دون شك . فكل هزّة عنيفة يتلقاها تثير حساسيته الأخلاقية بأقصى حدتها. وهزّة كهذه يمكن أن تنتهي بنتائج مأساوية. ولهذا فان هاملت تستحق فعلا" عنوان " مأساة الأخلاق المثالية ، أو " مأساة الفكر ".
   ومع هذا المزاج وهذه الحساسية، نجد في هاملت، في أيامه الأولى وفي أيامه الأخيرة، العبقري المفكر. وهذه هي الصفة الرئيسة التي جعلته مختلفا" عن كل المحيطين به، الطيبين والرديئين على السواء، وهي التي تميزه أيضا" عن معظم أبطال شكسبير الآخرين .
   إن تظاهر هملت بالجنون يمكن أن يكون، جزئيا" ، بسبب خوفه من الواقع ، وبسبب غريزة الحفاظ على الذات، وإدراكه المسبق بأن تظاهره هذا سيمكّنه من أن يتكلم لينّفس عن هول العبء الثقيل الذي يضغط على قلبه وعلى عقله،فضلا على  خوفه من كونه غير قادر على كبت أقواله.
   وإذا كان المتخصص بالأمراض العقلية يسمى هذه الحالة " ميلانخوليا" ويقرر دقائقها، فليس لدي أي اعتراض . وسأكون ممتنا" له حول تأكيده من أن حقيقة " ميلانخوليا ـ سوداوية " هاملت هي ليست مجرد كبت عام للنفس . ولا يوجد لدي أدنى شك من أن الكثير من قرّاء المسرحية سوف يفهمونها بشكل افضل اذا اطلعوا مسبقا" على " الميلانخوليا" في كتب الأمراض العقلية . وإذا كنا نميل الى استخدام كلمة " مرض " فان حالة هاملت هي في حقيقتها حالة مرضية ، لا طاقة إرادية قادرة على إنهائها .
   غير انه ليس من العدل أن نطلق على هاملت " دراسة في الميلانخوليا" برغم أنها تتضمن هذه الدراسة.
   إن " ميلانخوليا" هاملت شيء مختلف عن الجنون . برغم أنها يمكن أن تنتهي الى الجنون . إن الرغبة الشديدة في الموت  تصبح دافعا" لا يقاوم لتدمير الذات. واضطراب المشاعر والإرادة يمكن إن يتوسع ليشمل العقل . والوهم يمكن أن يتصاعد ، والإنسان يمكن أن يصبح، كما يقال ، غير قادر وغير مسؤول . ولكن " ميلانخوليا" هاملت تختلف عن هذه المواصفات، وتختلف كلية عن الجنون الذي يتظاهر به. وهو قطعا" حين يكون وحيدا" أو بصحبة هوراشيو، يظهر علامات هذا الجنون .
   إن الرجل الذي يعاني كما يعاني هاملت- وآلاف يعانون في أعمالهم بدرجة اقل أو اكثر ـ يعدّون غير مسؤولين، لا من قبل الآخرين ولا من قبل أنفسهم . ويبقى ذلك الشعور الحاد تجاه المسؤولية.
   إن حالة هاملت هي ليست من الحالات التي لا يمكن للعقل السليم أن يتصورها. إنها حالة عادية. وليست أكثر صعوبة من الإدراك للآلام والمآسي العظيمة لعطيل وانطونيو، وما كبث.
   د. كليمن:
   إن مخيلة هاملت تكشف عن خلفية ثقافية واسعة لبطل يمتلك مدى واسعا" ومتنوعا" من الخبرات. والاستعارات المجازية المأخوذة من العلوم الطبيعية توظف بلغة هاملت الخاصة وتؤكد قدرته على الملاحظة وحذاقته في النقد. ومن جهة أخرى يشكل هاملت " أسطورة إغريقية ". فهو ليس متألقا" مع المسرح والتمثيل حسب ، بل ومع الفنون الجميلة أيضا"، مع الصقور والصيد، مع استراتيجية العمل العسكري، مع طريقة البلاط في الحياة.
   كل هذه المجالات تكشف شخصية هاملت " كرجل بلاط" وجندي وباحث على حد تعبير أو فيليا. وتستحثه مخيلته في أن يحّول خيالاته هذه الى اعتبارات حياتية بتطبيقات مناسبة للمواقف والأشخاص والأمزجة.
   إن أوامر هاملت لها مستويات متعددة من التعبير. وهو ينفرد بقدرته على التساوق ووزن الأمور طبقا" لمخيلته وتبعا" للموقف والشخص الذي يخاطبه. وقابليته على التكيف وبراعته خاصية أخرى في استخدام هاملت لمخيلته اللغوية.
   إن هذا المدى الواسع للمخيلة يمكن أن يخدمه ليكون عونا" له على أمزجته المتصارعة ووجوده الممزّق بين تناقضات ومزاج لا يستقر . هذه الخاصية التي أكد علها بشكل خاص، وعزيت، جزئيا" الى " الملانخوليا" تكشف عن نفسها في التغير المفاجئ للّغة، وبوضع عبارة بجانب أخرى تتباينان في البيان والأسلوب.
   إن مخيلة هاملت، التي تسمي الأشياء بمسمياتها، تستلزم حرية خاصة كان لا بد أن يحصل علها عن طريق تظاهره بالجنون. فهاملت يحتاج الى الخيال " لمزاجه الغريب" وهو سيفضح نفسه لو أنه أستخدم لغة مباشرة واضحة. ولهذا كان عليه أن يتكلم بغموض ليخفي المعنى الحقيقي تحت ستار المراوغات والتلاعبات اللفظية والخيالات والحكايات الرمزية. والذي يحدث إن الشخوص الآخرين يعمّقون اعتقادهم بأنه مجنون، غير أن جمهور المشاهدين يستطيع النفاذ الى حقيقة الموقف. فمن خلال ذلك القناع من " المزاج الغريب" يقول هاملت الكثير من الأشياء اللاذعة . وهكذا نجد أن مخيلة هاملت تلعب دورا" جديدا" في دراما شكسبير لا يشبهها في وظيفتها سوى مخيلة الملك " لير".

هـ . مــاك:
   إن الصفة الأساسية التي تميز مسرحية هاملت هي الغموض. ونحن كثيرا" ما نسمع بأن كل عمل فني لا بد أن يكتنفه الغموض، ولكن الغموض في هاملت شيء آخر. فنحن نشعر بوجوده في عدد لا يحصى من التعبيرات المتعلقة بتردد هاملت: بجنونه، بشبحه، بمعاملته لبولونيوس، أو أو فيليا ، أو أمه. وبالمجالات التي ما زالت قائمة حول ما اذا كانت المسرحية هي " الفشل والإخفاق" ــ على حد تعبير اليوت ــ أو إنها أعظم فرحة نصر فني . وفيما ــ إن كانت هي فرحة النصر ــ تنتمي الى أعظم نظام تراجيدي؟. وان كانت هي تراجيديا،  فهل يعتبر بطلها رجل الإحساس الأخلاقي الرفيع التهذيب ــ وجهة نظر برادلي ــ أم انه أناني ومغرور ــ وجهة نظر ماد أريجا -؟.
   إن هاملت شخص ليس مجنونا" لحاله فقط. بل أنه السبب الذي يجعلنا ندرك بأن الجنون يكمن فينا أيضا".؟
   وهاملت يبدو قريبا" من منطق اللامنطق في الحياة أكثر من باقي تراجيديات شكسبير. ولا نعلم فيما كانت أسباب ذلك تكمن في أن شكسبير نقّح وأعاد قراءة المسرحية مرات حتى جاءت دوافعها أنيقة معتدّة بنفسها ، أو أن مشاكل هاملت قريبة من قلب شكسبير . على أننا ــ بوصفنا نقادا ــ تهمنا النتائج وتأثيرها أكثر من الأسباب.
   إن عالم هاملت هو عالم الاستفهامات. فالمسرحية مليئة بالأسئلة، بالتنبيهات للخطر، بالآلام، وبالتأملات. وعالم هاملت هو عالم الألغاز. فلغة البطل الخاصة هي لغة ملغزة. وهو حين يتلاعب بالألفاظ يصل الى أعماقها. وطريقة كلامه في حالة جنونه، حتى لو كانت متهورة وفيها لف ودوران، فهي حبلى . حتى جنونه نفسه هو لغز، كم منه واقع ؟ كم منه تظاهر؟ ماذا يعني: عقل أم جنون؟!. إن عقل هاملت يلعب دون توقف بعالمه، من لغز الى لغز آخر . وغموض عالم هاملت هو جزء مهم تريد المسرحية أن تطلعنا عليه بدءا" من كلمتها الأولى في مشهدها الأول الذي يلفّه الغموض في منتصف تلك الليلة الباردة.
   إن عظمة المعنى الأخلاقي في هاملت تصلنا بثلاث طرائق :
   الأولى : تأكيد المسرحية على الضعف الإنساني ، وعدم استقرار أهداف الإنسان، وخضوع الإنسان الى الحظ والقدر. وكل هذا يمكن أن نطلق عليه جوانب الإخفاق في الإنسان.
   الثانية: تتعلق بمسألة العجز الإنساني، من حيث توكيدها على التلوث والفساد : القرحة والخراج الخفي والتمشدق بالسعادة والسلام .
   إن مشكلة هاملت هي ليست مشكلة الإرادة والعقل " العقل الفلسفي أو الطبيعة المزاجية التي لا تقدر على الفعل السريع " . كما أنها ليست مشكلة فردية قطعا" ز إنها ، بالأحرى، شرط أو ظرف يكون فيه الفرد نفسه غير مسؤول بشكل واضح أكثر من كونه رجلا" مريضا" يلام على فساد وتلوث يتفشى ليفترسه فيبيد نفسه والآخرين، الأبرياء والمذنبين، على حد ما ترى "Spurgeon" .
   إن مشكلة هاملت ــ ببساطة ــ هي مشكلة المنتقم المطالب بالثأر، تحتم عليه تنفيذ أمر الشبح بقتل الملك. غير أن المشكلة تصاغ بلغة عالم خاص . فأمر الشبح يصبح بالنسبة لهاملت فعلا" لا مناص منه، وفي عالم يريد كهذا الفعل أن يحدث ، وان يتوصل الى تفاهم مع نقيضين .
   إن العجز الإنساني يزود المشكلة بجانبها الثالث فهاملت لم يكن عليه أن يقبل فقط لغز وضع الإنسان بين الملائكة والبهائم. وليس عليه أن يفعل فقط في عالم معقد ورديء ، بل كان عليه، أيضا"، أن يفعل ضمن حدود قدرة الإنسان " بمعتقدات رثّة فاسدة " على حد تعبير اليوت.

و. اورنستين
   إن مشكلة هاملت هي ليست مشكلة حيرة المفّكر. إنها تنشأ بسبب أن المسرحية تخلق شعورا" مدهشا" ومفاجئا" لحياة لا نجد فيها منطلقا" ولو بسيطا" لأفعالها المتشابكة . ولأننا غير قادرين على فهم أو تقبل تعقيدات البطل الشكسبيري المتعدد الجوانب، فأننا نبحث عن هاملت الأكثر انطلاقا وثباتا" وصفاء"، غير الذي تقدمه المسرحية.
   إننا نحاول أن نصل الى الأفكار الأخلاقية الشكسبيرية عن طريق قراءتنا للسمات السيكولوجية والفلسفية الأخلاق الاليزابيثية. ولا شك أن براعة شكسبير في تصوير هذا الجانب تجعلنا نفهم لماذا يبدو البطل لنا هو الأعظم نبلا" والعقل الخالص.
   إن ما يكون غير قريب من ضمير هاملت، لا يكون أيضا" قريبا" من ضمائرنا. انه صدق الإحساس الأخلاقي النقي الذي يجعلنا، من خلال المسرحية ، نتوحّد فيه فنكره ما يكره ونعجب بما يعجب به. وكما يقول النقاد، فنحن لا نتهم هاملت بأكثر مما يتهم هو نفسه: التواني في أخذ الثأر .
   إن انطباعاتنا الأخلاقية عن شخصية هاملت تشتق أساسا" من أقواله أكثر مما تشتق من أفعاله. تشتق من معرفته البديهية بالجمال، بالعمق، وبنقاء طبيعته الأخلاقية .ومن خلال إقحامه بمهمة همجية هي الانتقام والتحرر من الوهم . وإذا كانت شخصيات وهمية خلقها دراما بارعة التكوين ، فان ما نحبه في هاملت هو الوهم داخل الوهم .
   لقد خلق لنا شكسبير تعاطفا" مع هاملت تحول لأن يصبح قريبا" من فعل جعلنا نتقبل فظاظة هاملت تجاه أو فيليا وردود فعله تجاه موت بولونيوس، ورفضه السا ذج لقتل كلوديوس حين كان يصلي .
   إن الحياة في هاملت غامضة وغير قابلة للتنبؤ، فلا أحد يستطيع أن يتنبأ بنتائج أفعاله. ولهذا فان هاملت، وليس النقاد الرومانتيكيون، الذي خلق مشكلة المتباطئ في أخذ الثأر . فمنذ ظهور هاملت أول مرّة كان منشغلا" في خفي مع المشكوك بأمره: كلوديوس. ولا نشعر طوال المسرحية أن هاملت قد تخلى عن الفعل .
   ومشكلة الفعل في هاملت هي أنها تطرح سؤالا" مباشرا" عن تلك القضية الفلسفية التي تجبر الإنسان لأن يتأمل قيمة الوجود . ولأن موت أبيه قد جعل الحياة بنظره لا معنى لها، فانه كان طوال المسرحية يواجه تلك المشكلة الفلسفية القديمة :" أن يتعلم كيف يموت" ، كيف يعيش مع الحقيقة ومع فكرة الموت.
   إن مشكلة هاملت هي ليست مسألة أن يتقبل موت أبيه، ولكن أن يتقبل عالما" أصبح الموت فيه بلا معنى وفقد رسالته من أجل الحياة. ولهذا كانت مسألة الانتقام ، بالنسبة له أمرا" ملزما" لكي يعطي من خلاله معنى وقيمة لوجود فارغ . وسواء أكان هاملت محقا" أم لا فانه كان يكيل الاتهام لنفسه مرة بعد أخرى لفشله في تنفيذ هذا الالتزام .
   انتهت وجهة نظر اورنستين وبها تنتهي وجهات نظر ستة من النقاد المتخصصين بمسرح شكسبير ، قدمناها بشكل مكثف للغاية . وننتقل الآن لطرح مكثّف آخر لوجهات نظر أخرى ، مع إشارات لبعض من قدمنا لهم على وفق الصيغة التي أشرنا إليها في بدء حديثنا بفرز وجهات النظر  هذه الى ثلاثة أصناف.
1ــ تفسيرات سياسية :
   في عام 1595 أصدرت الملكة اليصابات مرسوما" يقضي بمنع عرض أية مسرحية :
" تمس من قريب أو بعيد أي أمر يتصل بالدين، أو يتعرض بنظام الحكم السائد في الدولة. لأن هذه الموضوعات ــ كما ورد المرسوم ــ لا يجوز أن يعالجها العلم والحكمة ولا يجوز عرض مثل هذه الموضوعات على كل جمهور. بل أن لا يتجاوز عرضها نطاق من يجمعون بين الحكمة والوقار" .
   وبموجب هذا المرسوم قامت السلطات في عام 1597 بإغلاق جميع المسارح ،لأن واحدا" منها عرض مسرحية بعنوان " جزيرة الكلاب" تتناول الاستبداد والرشوة.
   وبموجب المرسوم نفسه منعت في عام 1601 مسرحية شكسبير " ريكاردوس الثاني" لأنها تتناول موضوع خلع هذا الملك من العرش . ويشير النقاد الى أن شكسبير كان يهتم بالسياسة التي تتجلى بصورة واضحة في مسرحياته. وان شكسبير استطاع معالجة الموضوعات السياسية، برغم القرار أعلاه، بعد أن شعر بتسامح من الملكة التي فهمت المسرحيات التاريخية لشكسبير على أنها تهدف الى تشبيه الدولة بالسفينة المبحرة في بحر هائج تحف به الأخطار ، وبرغم ذلك تصل السفينة الى حيث الهدوء والاستقرار في عصر الملكة.
   ويرى عدد من النقاد إن شكسبير استغل هذا الوضع واستطاع أن ينجح في الجمع بين إرضاء الملكة وبين أفكار ظهرت ثمارها بعد سنين في الثورة الفرنسية .
   وإذا كان الأمر واضحا" في عدد من مسرحيات شكسبير، فان الأفكار والمضامين السياسية في شخصية هاملت قد لا يبدو للجميع واضحة وضوحها في شخصيات هنري الرابع وهنري السادس وادوارد الثاني وريكاردوس الثاني .
   ومع ذلك فان شكسبير ، من وجهة نظر تفسيرات سياسية ، استطاع بمهارة أن يتولى في شخصية هاملت قضية سياسية مهمة هي الطبيعة الجدلية للتحولات السياسية التي تلحق بها التحولات الأخرى المرتبطة بطبيعة ذلك العصر، وكل عصر مماثل. ذلك أن المجتمع الإنكليزي في عصر شكسبير كان يعاني ، كما يشير أر نولد تويني ، من تصدّع على مستوى الدولة، حيث التناقض في النظام الإقطاعي، والتصّدع في الروح بمواصفاتها البرجوازية الناشئة. وأن شكسبير القادم من الريف حيث أبهة البلاط، ، حدد القوى التي يجب على البرجوازية أن تحركها اذا ما رغبت في قلب الملكية. وبما أن شكسبير مرتبط بالبلاط وبعادات القصر بحكم مهنته، فقد وجد نفسه مقسوما" بين الأثنين على حد تعبير جورج طومسون: بين الإقطاع وبين البرجوازية الناشئة. ويحسم الأمر هنا بأن شكسبير كان مرآة البرجوازية في عصره ، وان التردد هو السمة الرئيسة للشخصية البرجوازية. وأن هاملت حين سعى للقضاء على عمه ، فانه كان يريد القضاء على النظام الإقطاعي لكونه عجز عن تلبية حاجات عصر النهضة.
   ويرى المخرج المسرحي العراقي ، سامي عبد الحميد ، أن تردد هاملت يرجع الى انغماسه في البحث عن مكامن الفساد في مجتمعه، ومحاولته إيجاد الطرق المناسبة للكشف عن مواضع الخيانة الأخرى التي وقف عليها أعداؤه. ويرى في هاملت أنه مصدر الرؤية وبؤرتها ، وهو تجاوز للواقع في حين يمثل الآخرون الواقع الذي لا يمتلكون القدرة على تجاوزه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق