الأربعاء، 13 مايو، 2015

نص عبقرية الخط العربي



يعتبر الخط العربي فنا من الفنون الزخرفية، وهو أكثرها أصالة وانتشارا. وليست الزخرفة في الخط العربي مقصودة لذاتها، بل إنها تجريدية رمزية تتصل باللغة ذاتها. وبما أن الإسلام لم يقر الفنون التصويرية والنحتية، فإن الخط العربي كان معبرا ومعوضا كذلك عن الرغبة في التعبير عن الذات.
وإذا كانت اللغة العربية لغة إيحاء بما في كلماتها من ذبذبة وروحية، فإنها تفرض ذلك على الشكل الفني للخط العربي، إذ إنه يحقق للروح السمو والطهارة التي تحققها الكلمة العربية أيضا، فالخط العربي هو تعبير وصورة صادقة للإحساس الجمالي في الكلمة العربية الموسيقية، والتي تتألف في صياغتها التعبيرية على أسس هندسية لا يمثلها الخط العربي نفسه.
وقد تفنن العرب في كتابة الخط وصياغته مما جعله قطعة فنية رائعة ومقدسة أيضا، فالخط العربي ليس بصورة جامدة، وإنما هو حركي فيه إيقاع وسكون تتخلله ظفائر وزهريات مستمدة من جمال الطبيعة، وهو يشبه الشعاع الضوئي عندما يتوجه إلى قلب الإنسان ليعطيه قوة الوجدان والإحساس، وينقل إليه الإيحاءات الكامنة في اللغة العربية. والخط العربي خط صوتي ذو إيقاع وإلهام، يخاطب القلب، ويفضي إليه بالمعارف الخارجية، ليتصل بالوجدان والعقل معا. والخطوط العربية كلها تعكس هذا التحليل الدقيق، فالكوفي جماله في الاستقرار، والنسخي في الحركة، والجوهر في السيولة، والفارسي في الزخرفة اللؤلئية. على أن الخط العربي بصفة عامة يرمز إلى شجرة الخليقة، فالحروف المتضامة في كلمة تشبه الغصن، والكلمة في جمل تشبه فروع الشجرة.
وربما كان من خصائص الفن الإسلامي أنه يستعمل الحروف العربية عنصرا للزخرفة، وذلك لطبيعة الحرف العربي الذي يتميز بجماله ورشاقته ومرونته، كما أنه ذو قابلية للتشكيل والتصنيف. فالحرف العربي بطبيعته يستوعب عناصر الرسم الفني، لما فيه من قوة الانسجام مع بعضه، وتناسق مجموعته الحرفية ذات الرشاقة والجمال الأخاذ، إذ أنه مستوحى من جمال الطبيعة، وما فيها من نبات دقيق وأغصان مورقة وألوان هادئة.
ومن نافلة القول أن نسجل ظاهرة كتابة الحرف العربي في كل التحف الفنية من كؤوس وأباريق وخزف وديباج وسجاد، وغير ذلك، بل إن متاحف أوروبا تحتفظ بالتحف الفنية مكتوبة بالحرف العربي، إذ أن صناعة نسيج الحرير كانت متأثرة بالحرف العربي في صياغة الصور والزخارف.
حسن السائح، مجلة دعوة الحق (غشت 1980) – بتصرف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق