الاثنين، 25 مايو، 2015

بحث دراسة ظاهرة البطالة



البطالة ظاهرة وجدت في أغلب المجتمعات الإنسانية في السابق والحاضر ولا يكاد مجتمع من المجتمعات الإنسانية على مر العصور يخلو من هذه الظاهرة أو المشكلة بشكل أو آخر. إلا أن النظرة إلى البطالة بوصفها مؤشرا مهما من المؤشرات الدالة على بداية انحدار النظام الاقتصادي الى منزلق خطير حيث تنتظره العديد من الافات والامراض التي اتعمل على اضعاف مناعته وبالتالي مناعة المجتمع باكمله الامر الذي يؤدي الى الى ظهور مشاكل اقتصادية واجتماعية وسياسية لاحصر لها وقد يخرج الوضع عن السيطرة فيما لو تجاهل القائمين على امر البلاد من التنبه الى ذلك العارض ودراسته الدراسة التي يستحقها من اجل صون وحماية المنجزات الاقتصادية والاجتماعية التي عمل المجتمع عليها على فترات زمنية طويلة.
البطالة تشكل ايضا مشكلة اجتماعية كبيرة تحتاج منا التامل في نتائجها وتحليل اثارها وفق منظور المنهج العلمي لمعرفة حجمها وتحديد أسبابها وآثارها في المجتمع والعمل على تقليص حجم الضرر الى اقل مايمكن عن طريق البحث المستمر عن الطرق الناجحة والملائمة اجتماعيا واقتصاديا وتربويا من اجل تطويق تلك المشاكل ومعالجتها في مهدها قبل ان تصل الى مرحلة البلوغ والقوة التي يصعب بعدها الخروج من دوامة الازمة دون خسائر جسيمة تلقي بظلالها على المجتمع باسره. عانت ولازالت تعاني المجتمعات البشرية المعاصرة من مشكلة البطالة بين فترة وأخرى إلا أن نسب البطالة اختلفت من مجتمع إلى آخر كما أن كيفية التعامل مع العاطلين عن العمل أخذت أساليب مختلفة تتراوح مابين التجاهل التام إلى الدعم الكلي أو الجزئي لمشكلة البطالة. فأن أكثرية علماء الاجتماع يعتبرون البطالة والفقر سببان رئيسيان في زيادة العنف الاجتماعي بمختلف أشكاله وطرقه ومؤشران على نهج السياسة التسلطية التي تمارسها الدولة وقيادتها السياسية.
ومن الأهمية الإشارة إلى أن البطالة ترتبط عادة وبشكل عام بحالة الدورة الاقتصادية (Economic Cycle) للدول. حيث تظهر البطالة جلياً وتزداد نسبها في حال الركود الاقتصادي العام (Economic Bust)، وذلك عند حدوث أزمات اقتصادية "مؤقتة" ناتجة إما بسبب عوامل داخلية تتعلق بإجراءات العمل والتوظيف أو سوء توافق بين مخرجات التعليم وسوق العمل أو نتيجة لعوامل وضغوط خارجية تتعلق بمنظومة الاقتصاد الدولي. فاذا كانت الدورة الاقتصادية في حالة من النشاط والانتعاش (Economic Boom) فإن ذلك سوف ينعكس على الاقتصاد المحلي من حيث نهوضه وتنوعه مما يؤدي إلى توافر فرص عديدة ومتنوعة للعمل ومن ثم تسجيل نسبا من الانخفاض الواضح بين صفوف العاطلين عن العمل نتيجة لامتصاصهم الى داخل سوق العمالة النشط . وبذلك يتضح أن للدورة الاقتصادية دوراً أساسياً في تشكيل اقتصاد المجتمعات المعاصرة ونشاط سوق العمل فيها.
 تسعى كثير من الدول في عالمنا المعاصر إلى دراسة البطالة وتحليل أسبابها ونتائجها في مجتمعاتها بشكل مستمر ودؤوب وتحاول جاهدة تحديد أعداد العاطلين عن العمل ونسبهما مقارنة بقوة العمل من إجمالي تعداد السكان. لذا تعد قضية البطالة المتمثلة بعدم وجود فرص عمل تتناسب من حيث الحجم والنوع مع القوى العاملة المحلية من أهم الموضوعات التي أخذت تشغل السياسيين وأصحاب القرار في الوقت الراهن إذ اهتم هؤلاء بالعمل على وضع الخطط والبرامج المدروسة لخفض نسب البطالة وتقليصها في مجتمعاتهم. إن هذا الاهتمام الكبير بقضية البطالة يأتي بلا شك من أهمية ظاهرة البطالة نفسها وما يترتب عليها من آثار جسيمة ذات مساس ببنية المجتمع وبخاصة تلك المتعلقة بالآثارالأمنية والاجتماعية والاقتصادية والصحية على أفراد المجتمع ومؤسساته.
لاتقتصر اضرار البطالة على الجانب الاقتصادي فحسب بل تتبع البطالة نتائج واضرار تنعكس على الجانب الصحي والنفسي التي تحد وتشل قدرات الفرد واستعداداته البدنية كما تلحق أعباء كثيرة بأسرته وذويه إضافة إلى مايترتب من مسؤلية وتحدي كبير ينتظر الدولة من اعباء مالية باهظة لمتطلبات العلاج والاستشفاء للمصابين بالأمراض النفسية والجسمية من العاطلين عن العمل. فنجد نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل يفتقدون تقدير الذات ويشعرون بالفشل وأنهم أقل من غيرهم كما وجد أن نسبة منهم يسيطرعليهم الملل وأن يقظتهم العقلية والجسمية منخفضة وأن البطالة تعيق عملية النمو النفسي بالنسبة للشباب الذين ما زالوا في مرحلة النمو النفسي. كما وجد أن القلق والكآبة وعدم الاستقرار يزداد بين العاطلين بل ويمتد هذا التأثير النفسي على حالة الزوجات وأن هذه الحالات النفسية تنعكس سلبيًّا على العلاقة بالزوجة والأبناء وتزايد المشاكل العائلية وعند الأشخاص الذين يفتقدون الوازع الديني يقدم البعض منهم على شرب الخمور فقد وجد أن 69% ممن يقدمون على الانتحارهم من العاطلين عن العمل نتيجة للتوتر النفسي كما تزداد نسبة الجريمة كالقتل والاعتداءات الجنسية لديهم.
دراسة مفهوم البطالة ونشوئها والاسباب المؤدية الى ظهورها في اقتصاديات العالم سواءا المتقدم منها او تلك الاقتصاديات التي في طور النمو فضلا عن التعرف على الجوانب والمضاعفات والتاثيرات المباشرة منها والغير مباشرة على الكيان الاجتماعي وما تلحقه تلك الظاهرة من اضرار اقتصادية واجتماعية تطال شرائح واسعة من الموارد البشرية التي تشكل العنصر الاساسي من العناصر الرئيسية في بناء سياسة اقتصادية ناجحة تضع نصب عينيها تحقيق اهداف التنمية الاقتصادية المستدامة وصولا الى حالة من الرفاهية التي هي غاية كل سياسة اقتصادية تنموية اصيلة على وجه البسيطة. والتي تبدي اهتماما في تطوير الاقتصاد ووسائل الانتاج من خلال تحقيق افضل استثمار في الموارد البشرية واعدادها الاعداد الصحيح من حيث التعليم والتدريب وصقل المهارات وتوفير الرعاية الصحية وتحقيق العدل والمساواة في فرص العمل والمشاركة الفاعلة في الانتاج من اجل الوصول الى هدف التنمية الجوهري في تحقيق مجتمع الرفاهية المنشود في ظل سياسات تسودها الديمقراطية الحقيقية والشفافية المطلقة في مراكز صنع واتخاذ  القرارات والاجراءات ناهيك عن تنشيط دور المسائلة والمحاسبة الدائمتين.
اظهار الجوانب السلبية الناتجة عن مشكلة البطالة وتسليط الضوء على الجوانب الاجتماعية, الاقتصادية’ السياسية التي تتاثر تاثرا شديدا في تلك الظاهرة مع استعراضا موجزا الى اهم المفاهيم والاسس التي اتبعتها مختلف المدارس الفكرية والاقتصادية في تعريفها وتعليلها لنشوء ظاهرة البطالة من حيث الاسباب والنتائج والتقيم والتاثير على عموم القطاعات الاقتصادية في المجتمع. متضمنين في هذا البحث بعضا من الطرق والوسائل التي نعتقد بنجاعتها في معالجة ظاهرة البطالة والحد من انتشارها الواسع كمحاولة في تجنب المجتمعات النامية الكوارث والخسائر الفادحة التي تحملتها الدول المتقدمة في بواكير القرن العشرين المنصرم بعد ظاهرة الكساد الاقتصادي الذي اجتاح العالم انذاك مستفيدين من الدراسات والاطروحات التي بذلت في دراسة وتحليل تلك الظاهرة وعرض المقترحات والحلول التي من شأنها ان تختصر الزمن والجهد في الوقاية اولا من البطالة كمرض او وباء يعمل على امتصاص اي تقدم او نمو في الاقتصاد.
v   البطالة ظاهرة مرضية فيما لو تجاوزت النسب المتعارف عليها من اجمالي القوى العاملة في المجتمع.
v   لن تقتصر تاثيرات البطالة على الجانب الاقتصادي المتمثل في انخفاض الطلب على المنتوجات الوطنية او الاجنبية نتيجة الى تدني الدخول فحسب وانما تمتد تاثيراتها على جوانب اخرى في المجتمع.
v   ظهور البطالة ونموها بنسب عالية ومتصاعدة دليل على وجود خلل كبير في سياسات المنهج الاقتصادي للمجتمع الامر الذي يتطلب سرعة التدارك وتصحيح المسار نحو التنمية الاقتصادية الشاملة.
v   البطالة هي ظاهرة عامة لاتخلو منها المجتمعات والدول سواء متقدمة كانت ام دولا نامية ولكن الخطر يكمن في نموها المتسارع.
v   للبطالة ابعاد وتاثيرات اخرى على المكون الثقافي والاجتماعي للبلد ومن هنا تكمن خطورة تاثيراتها واضرارها البليغة التي تصيب وتؤثر في السلوكيات الاجتماعية الامر الذي يكون سببا لنشوء بعضا من الظواهر الشاذة في الحياة اليومية والذي يكون بدوره حاضنة مناسبة لظهور الاختلالات السلوكية في محيط العاطلين عن العمل.
v   ترتبط البطالة بعلاقة وثيقة مع طبيعة الحكم السياسي وحالة الاستقرار السياسي والامني حيث ان البطالة تعتبر كونها من بنات انظمة الحكم الاستبدادية والعسكرية حيث التوترات السياسية الدائمة سواء في داخل البلد او على حدوده الخارجية مع محيطه وجيرانه.
v   كما ان البطالة ترتبط ايضا بعلاقة قوية مع طبيعة وحركة وتشكيل الانظمة الاقتصادية العالمية حيث تؤثر سياسات تلك الدول القوية على الحركة الاقتصادية في العديد من دول العالم الضعيفة وبالتالي تكون البطالة من احدى افرازات تلك النظم الاقتصادية العالمية.
التعرف على المبادئ والمفاهيم الاساسية لمفهوم البطالة من خلال استعراض جملة من وجهات النظر المختلفة عن المدارس الاقتصادية التي تناولت بالبحث والتحليل لظاهرة البطالة. حيث تحاول هذه الدراسة بالقاء الضوء على وسائل التحليل وطرقه التي اتبعتها تلك المدارس في تفسيرها لنشوء ظاهرة البطالة وتشخيص اعراضها مع تحديد جملة من الخيارات في المعالجة من ذلك المرض او للوقاية منه. وكما يستشرف البحث دور واهمية البطالة واثارها المترتبة على راس المال البشري الذي يعتبر الهدف الاساسي والرئيسي لذلك الداء الامر الذي يجعل من امكانية اصابة التنمية الاقتصادية الشاملة في مقتل امرا حتميا فيما لو استفحل مرض البطالة في جسم المجتمع الاقتصادي.
بما ان التنمية الاقتصادية المستدامة قد اخذت تشق طريقها من خلال التركيز على اهمية العنصر البشري في تطور ونمو الاقتصاد فقد لزم علينا الامر ان نسلط الضوء على اثار البطالة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على المجتمع باعتبار ان البطالة لاتظهر وتنتشر بين الالات والعدد بقدر ما تنتشر وتستشري بين القوى البشرية التي تشغل تلك العدد والالات. لذا فانه من الطبيعي بمكان ان من يهتم باقامة وانشاء اسس صحيحة للتنمية الاقتصادية المستدامة عليه ان يقي العنصر البشري من شر اصابته بداء البطالة عن طريق المزيد من التطوير والتاهيل والاستثمار في البنى التحتية بواسطة سياسات تخطيطية رشيدة قائمة على مبدأ الدراسة والتحليل والتقيم لكل مرحلة من مراحل النمو الاقتصادي اخذة بنظر الاعتبار احتمالات الانحراف عن الاهداف المرجوة وطرق المعالجة الانية لتلك الانحرافات واقامة البدائل والحلول الضرورية لتفادي تفاقم الازمات الاقتصادية في المستقبل القريب والبعيد من خلال تحقيق التكامل النوعي والكمي مابين السياسات التعليمية والتربوية وحاجات المجتمع من نوعية وكفاءة راس المال البشري المتعلم والمتخصص.
وكما تلقي هذه الدراسة الضوءعلى جوانب مهمه من احوال اقتصاديات العالم النامي عموما واقتصاديات العالم العربي خصوصا ومدى استشراس وتاثير البطالة على حياة ومستقبل تلك الامم منبهيت كل ذي لب وفطنة الى مخاطر تلك الظواهر والامراض التي تتولد بفعل تاثير البطالة مسببا انتكاسات لاحصر لنتائجها ليس على حياة الاجيال في الوقت الراهن وانما على حياة الاجيال القادمة من بعدنا.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق