السبت، 16 مايو، 2015

الأسواق الاقتصادية و أنماط الربح



الأسواق الاقتصادية و أنماط الربح:
عند تحديد الربح يتعين معرفة الانتماء السوقي للمنشأة، حيث تؤثر نوع السوق في تحديد الأسعار وكمية الإنتاج وبالتالي الأرباح والخسائر. ويجدر بنا أن نبدأ بالتعرف على الأشكال المختلفة للأسواق وخصائص كل منها، كتمهيد لتحليل نمط الأرباح في كل سوق من هذه الأسواق، ثم كيفية التسعير في ظل كل منها.
أولا- سوق المنافسة التامةPerfect Competition :
تتميز هذه السوق بوجود عدد كبير من البائعين والمشترين للسلعة، وهذه السلعة تكون متجانسة تماماً أي لها نفس المواصفات عند جميع المنتجين، مع توافر المعلومات الكافية للمتعاملين في السوق، وسيادة حرية التعامل في بيع وشراء السلعة دون أي قيود أو عوائق، وعليه يكون هناك ثمن واحد للسلعة يتم التعامل به.  وبناء عليه فإن سوق المنافسة التامة هي سوق تتوافر فيها أربعة شروط أو خصائص أساسية، وهي:-
(1)     كثرة عدد البائعين والمشترين: فلابد من وجود عدد كبير من المنتجين البائعين للسلعة أو الخدمة، وعدد كبير من المستهلكين المشترين للسلعة أو الخدمة مع ضآلة نصيب كل منهم. وليس المراد هنا عدداً معيناً ولكن المقصود أن يكون عدد البائعين و المشترين كبيراً إلى الدرجة التي تجعل القرارات التي تتخذ من قبل أحدهم لا تؤثر في باقي البائعين أو المشترين. كما لا يستطيع المنتج الفرد أو المستهلك الفرد وحده التأثير أو التحكم في اتجاه الأسعار سواء انخفاضاً أو ارتفاعاً.  وبذلك تعتبر المنشأة أو المنتج في حالة سوق المنافسة التامة متلقياً للسعر Price Taker السائد في السوق وليس صانعاً له أي ليس له سلطة في تحديده.
(2) تجانس السلعة تجانساً تاماً:  إن السلعة التي يعرضها أي منتج في سوق المنافسة التامة هي نفسها التي يعرضها المنتجون الآخرون، فالسلعة هنا متشابهة ومتجانسة تماماً عند جميع المنتجين أو البائعين.
(3) حرية الدخول والخروج من السوق: أي حرية التعامل في بيع وشراء السلعة دون قيود، فليس هناك أي قيود إدارية أو قانونية أو اقتصادية تمنع أي منشأة من الدخول في السوق لإنتاج وبيع السلعة أو الخروج من السوق.
(4) العلم التام بأحوال السوق: حيث يشترط في سوق المنافسة التامة توافر كامل البيانات والمعلومات لدى جميع البائعين والمشترين سواء تلك المتعلقة بالثمن السائد أو أي أمور أخرى تتعلق ببيع وشراء السلعة في السوق.

ثانيا- سوق الاحتكار التام ( أو المطلق) Monopoly:
تتميز هذه السوق بوجود منتج أو بائع واحد أو شركة واحدة تستأثر ببيع السلعة، ويستطيع هذا المنتج التأثير على ثمن السلعة وله سلطة في تحديد الثمن وتغييره بالارتفاع أو الانخفاض. أي أن شروط سوق الاحتكار تتمثل فيما يلي:-
(1)  أن يكون هناك منتج واحد للسلعة أو الخدمة.
(2)  أن يقوم هذا المنتج ببيع سلعة ليس لها بديل في السوق.
(3)  عدم إمكانية دخول منتجين آخرين للسوق أو الصناعة.
 وتكون نتيجة ذلك أن يكون المنتج المحتكر صانعاًPrice Maker  للسعر وليس متلقياً له كما في حالة سوق المنافسة التامة.
أما عن أسباب نشأة سوق الاحتكار فتتلخص في الآتي:-
( أ )- قيام الحكومة بإعطاء امتياز إنتاج سلعة أو خدمة معينة لإحدى الشركات مثل شركة الكهرباء أو شركة الطيران أو الاتصالات.
(ب)- أن يمتلك منتج واحد أو شركة واحدة المادة الخام المستخدمة في إنتاج سلعة ما و يصعب على منتجين آخرين الحصول عليها.
(ج)- براءة الاختراع أو حقوق الاختراع والتي يحميها القانون، حيث يكون حق إنتاج السلعة محتكر لمنتج واحد أو شركة واحدة صاحبة الاختراع.
(د)- اقتصاديات الحجم الكبير للإنتاج، حيث يستطيع أحد المنتجين إقامة صناعة كبيرة لإنتاج سلعة معينة (مثل الطائرات)، وإنتاجها بتكلفة منخفضة ويكفي حاجة السوق، مما يجعله يستفيد من وفورات الإنتاج الكبير، فيصعب على منتجين آخرين دخول الصناعة.
ثالثا- سوق المنافسة الاحتكاريةMonopolistic Competition :
تتميز هذه السوق بوجود عدد كبير نسبياً من المنتجين أو البائعين يعرضون سلعة واحدة غير متماثلة أو غير متجانسة. أي أن شروط سوق المنافسة الاحتكارية هي:-
(1)- التعدد، حيث يوجد عدد كبير نسبيا من البائعين للسلعة.
(2)- عدم التجانس، أي أن السلعة ليست متماثلة وإنما تختلف مواصفاتها من منتج لآخر أو من شركة لأخرى من حيث نوعية السلعة أو شكلها و لكنها تعتبر بدائل لبعضها.
(3)- حرية الدخول و الخروج من السوق، أي حرية دخول منتجين جدد للصناعة حيث لا يكون هناك عوائق كبيرة أمام دخول منشآت جديدة للصناعة.
وفي هذه السوق لا يكون هناك ثمن واحد للسلعة في السوق بل يختلف من منتج لآخر بسبب اختلاف مواصفات السلعة ودرجة تميزها من منتج لآخر. ومن الملاحظ أن سوق المنافسة الاحتكارية تحتل مركزاً وسطاً بين المنافسة التامة والاحتكار المطلق، فهي مزيج من السوقين حيث تكون أشبه إلى المنافسة الكاملة من حيث كثرة عدد المنتجين أو البائعين فيها، وأشبه إلى الاحتكار في عدم تجانس السلعة وتميزها من منتج لآخر سواء كان هذا التمييز أو الاختلاف حقيقياً أو وهمياً. ولذلك فإن سوق المنافسة الاحتكارية تتميز بكونها ذات طابع عملي وينتشر وجودها في الحياة الواقعية.
رابعا- سوق احتكار القلةOligopoly :-
هي سوق تتميز بوجود عدد قليل من المنتجين أو البائعين للسلعة، يقومون ببيع سلعة متماثلة أو متباينة (بديلة) بحيث يستأثر كل منهم بنسبة كبيرة من الإنتاج، فيؤثر بقراراته وسياساته الإنتاجية أو التسويقية في باقي المنتجين. ويمكن للمنتج التأثير في ثمن السلعة ولكن وفقا لحجم حصته أو نصيبه في السوق، فكلما كانت حصة المنتج أكبر كان تأثيره على السعر وفي اتخاذ القرارات المختلفة أكبر. 
أما عن أنماط الربح واختلافها في كل سوق عن الآخر، فكما نعلم أن المشروع يتمكن من تعظيم أرباحه عند وضع التوازن، وعند التوازن يتحدد أفضل وضع ممكن بحيث ينتج المشروع في أي شكل من أشكال الأسواق تلك الكمية التي تحقق له أكبر ربح أو أقل خسارة ممكنة وذلك في ضوء ثمن السلعة المحدد  وفي ضوء تكاليف الإنتاج في المشروع. ولكن كلما زادت درجة الاحتكار زادت قدرة المنتج على تحقيق أرباحاً اكبر والعكس كلما ارتفعت درجة المنافسة، حيث تفترض نظرية الاحتكار أن المصدر الرئيسي للربح هو هيمنة الاحتكار في السوق.     
لما كانت التكاليف هي نفسها في أي سوق من الأسواق فإن الإيرادات هي التي تحدد ربح المشروع، والإيرادات بدورها تتحدد وفقاً للسعر المحدد للبيع. فعملية التسعير تختلف من سوق لآخر -كما سنبين فيما بعد- وعليه يختلف نمط الربح من سوق لأخر خاصة في المدى الطويل. ففي المدى القصير، قد يجد المنتج أن الثمن  المحدد أكبر من تكلفة إنتاج الوحدة في مشروعه أي أن الثمن أكبر من التكلفة المتوسطة، وفي هذه الحالة يمكن أن يحقق ربحاً اقتصادياً (غير عادي) وعليه أن يختار حجم الإنتاج الذي يجعله يحقق اكبر ربح ممكن. و قد يكون الثمن مساوياً للتكلفة المتوسطة فيحقق المشروع الربح العادي فقط (المحدد ضمن تكاليف الإنتاج).
ولكن من ناحية أخرى هناك احتمال آخر وهو ان المنتج قد يجد أن الثمن الذي تحدد في السوق أقل من تكاليف الإنتاج المتوسطة في المشروع، وفي هذه الحالة سوف يحقق خسارة وهنا عليه ان يقرر أحد أمرين:-
( أ )- أن يتوقف عن الإنتاج تجنباً لتلك الخسارة.
(ب)- أن يستمر في الإنتاج في المدى القصير مع تحقيقه لخسارة على أساس أن الظروف قد تتحسن في المستقبل و يستطيع التغلب على تلك الخسارة من خلال إدخال تحسينات في المشروع، أو تغيير حجم المشروع لتخفيض تكاليف الإنتاج، أو قد تتغير ظروف الطلب أو ظروف العرض للسلعة التي ينتجها بحيث يرتفع ثمنها في السوق.
وإذا قرر المنتج الاستمرار في الإنتاج رغم تحقيقه خسارة فيجب أن يختار حجم الإنتاج الذي يجعله يحقق أقل خسارة ممكنة و يشترط ان يتمكن على الأقل من تغطية أو دفع التكاليف الكلية المتغيرة على الأقل أي يجب ان يكون الإيراد الكلي (أو قيمة المبيعات) مساوياً على الأقل للتكاليف الكلية المتغيرة (وهي تكاليف تشغيل المشروع مثل أجور العمال وثمن المواد الأولية المستخدمة ..) وبحيث لا تزيد الخسارة عن التكاليف الكلية الثابتة وإلا فإن المشروع يجب أن يتوقف عن الإنتاج ويغلق ولا يستمر حتى في المدى القصير. 
أما في المدى الطويل فإن المشروعات التي تعمل في ظل سوق المنافسة التامة، والتي تحقق خسارة ولم تستطع التغلب على خسارتها لابد وأن تخرج من الصناعة ولا تستمر، وأما إذا كان هناك مشروعات تحقق ربحاًغير عادي فإن تحقيق هذا الربح سوف يشجع مشروعات جديدة على الدخول للصناعة أملاً في تحقيق هذه الأرباح المرتفعة. وهنا يزداد عدد المشروعات المنتجة للسلعة فيزداد العرض الكلي للسلعة في السوق مما يؤدي إلى انخفاض ثمنها. وهذا الانخفاض في الثمن سوف يؤدي إلى اختفاء الأرباح غير العادية وتحقق كل المشروعات الربح العادي فقط حيث يكون الإيراد الكلي مساوياً للتكاليف الكلية و يكون الثمن أو الإيراد المتوسط مساوياً للتكاليف المتوسطة و تكون الصناعة في حالة توازن حيث لا تخرج منها المشروعات ولا تدخل إليها مشروعات جديدة، أي أن الصناعة تصل إلى حالة التوازن عندما يتوقف خروج أو دخول مشروعات إليها. ويكون شرط توازن المشروع في المدى الطويل في سوق المنافسة الكاملة هو:-
         الإيراد الحدي( أو الثمن) =  التكاليف الحدية  =   التكاليف المتوسطة
تكون التكاليف المتوسطة (للمدى القصير و الطويل) عند أدنى مستوى لها و المشروع يعمل عند طاقته المثلى كما يكون المشروع عند الحجم الأمثل له لأن المشروعات الأقل من الحجم الأمثل أو الأكبر منه سوف تكون تكاليفها مرتفعة ولن تبقى في المدى الطويل و إنما تبقى المشروعات التي تنتج عند أدنى تكلفة متوسطة ممكنة وذات الكفاءة الانتاجية المرتفعة. 
أما المنتج المحتكر فإنه إذا تمكن من تحقيق أرباحاً غير عادية في المدى القصير فإنه يمكن أن يستمر في تحقيقها في المدى الطويل أيضاً بخلاف حال المنتج في سوق المنافسة الكاملة، إلا إذا حدث تغير في ظروف الطلب وانخفض طلب المستهلكين على السلعة أو حدث ارتفاع في تكاليف الإنتاج في المشروع وهذا بفرض أنه سيظل هو المنتج الوحيد في السوق ولن يدخل معه آخرين للاستفادة من الأرباح العالية. أما إذا كان المنتج يحقق خسارة في المدى القصير واستمر في تحقيقها ولم يستطع التغلب عليها في المدى الطويل فإنه لابد وأن يتوقف عن الإنتاج نهائياً أو يغير حجم مشروعه بحيث يقلل تكاليف الإنتاج حتى تختفي تلك الخسارة وبحيث يحقق الربح العادي على الأقل أي يتساوى الثمن مع التكاليف المتوسطة ويكون الإيراد الكلي مساوياً للتكاليف الكلية. أي أن المنتج المحتكر في المدى الطويل يمكن أن يحقق ربحاً غير عادي أو يحقق الربح العادي فقط ولكنه لا يستمر مع تحقيق خسارة.
وإذا كان المشروع يعمل في ظل سوق المنافسة الاحتكارية ويحقق خسارة فإنه يتوقف عن الإنتاج إذا لم يستطع التغلب على تلك الخسارة من خلال تغيير حجم المشروع وتقليل تكاليف الإنتاج بحيث تختفي الخسارة ويحقق الربح العادي فقط.  ولكن إذا كانت بعض المشروعات تحقق ربحاً غير عادي فإن هذا يمكن أن يشجع مشروعات جديدة على الدخول للصناعة لإنتاج أصناف من السلعة شبيهة بتلك التي تنتجها المشروعات الموجودة بالصناعة، ويترتب على ذلك تحول بعض المشترين من الصنف الذي تنتجه المشروعات الموجودة أو القائمة بالصناعة إلى الأصناف الأخرى الجديدة مما يؤدي إلى نقص الطلب على السلعة التي ينتجها كل مشروع ونقص كمية المبيعات فتضطر تلك المشروعات لإنتاج حجم أقل من طاقتها الإنتاجية الكاملة لأن كل مشروع لا يستطيع أن ينتج أكثر من ذلك لوجود مشروعات أخرى تنافسه في السوق، فيحقق كل مشروع الربح العادي فقط كما في المنافسة الكاملة.
 وفي حالة سوق احتكار القلة حيث يسيطر عدد قليل من المنتجين على إنتاج سلعة معينة، فإن المشروعات التي تحقق خسارة سوف تخرج من الصناعة في المدى الطويل مما يقلل من عدد المشروعات و يزيد من درجة الاحتكار في السوق، وقد يتحول إلى حالة احتكار ثنائي أو احتكار مطلق. أما المشروعات التي تحقق أرباحاً عالية فإن ذلك سوف يشجع مشروعات أخرى للدخول في الصناعة، ويزداد الإنتاج الكلي والمعروض من السلعة في السوق في حالة تماثل السلعة التي يعرضها كل مشروع فينخفض الثمن، وإذا انخفض الثمن إلى مستوى التكاليف المتوسطة فإن المشروعات سوف تحقق الربح العادي فقط ويختفي الربح غير العادي، ولكن إذا زاد عدد المشروعات وكانت السلعة المنتجة غير متماثلة فإن السوق قد تتحول إلى سوق منافسة احتكارية.
ونتناول فيما يلي عملية التسعير والسياسات التسعيرية في كل سوق من الأسواق الاقتصادية والتي يتحدد بناءاً عليها ربح المشروع أو المنتج:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق