الخميس، 28 مايو، 2015

التخطيط الحضري




يشير المعماري جيمس واينز (James Wines) في كتابه "العمارة الخضراء" إلى أن المباني تستهلك سُـدس إمدادات الماء العذب في العالم، وربع إنتاج الخشب، وخُمسين الوقود والمواد المصنعة. وفي نفس الوقت تنتج نصف غازات الجنة ، ويضيف بأن مساحة البيئة المشيدة (built environment) في العالم ستتضاعف خلال فترة وجيزة جداً تتراوح بين 20-40 سنة قادمة. وهذه الحقائق تجعل من عمليات تخطيط و تسيير المجالات الحضرية واحدة من أكثر المجالات استهلاكاً للطاقة والموارد في العالم. كما أن التلوث الناتج عن عدم كفاءة التهيئة الحضرية في التعامل مع مجال فيزيائي ، اجتماعي و اقتصادي.

لاشك أن كيفية تقسيم المجال عمرانيا من خلال المقاربة الوظائفية (سكن ، عمل ،خدمات) هي التي تتحكم في العملية التخطيطية و التسييرية برمتها . على هذا المستوى ينبغي أن نمتلك رؤية بعيدة المدى تتضمن تناسقا مابين طريقة تنظيم المجال من جهة، و تسييره من جهة أخرى .

تنطلق مداخلتنا هذه من ثلاث عناصر أساسية يرتكز حولها المفهوم الحديث لتخطيط وتسيير المدينة نظرا لما وصلت اليه البشرية من تقدم تكنولوجي مذهل في السنوات الأخيرة :

مفهوم التخطيط الحضري المستدام بشكل عام و خصوصيات تخطيط المدينة العربية .
معنى و هدف التسييرالحديث للمجالات الحضرية.
المعاينة الميدانية للتعامل مع القضايا العمرانية للواقع المعاش في مدننا و الوسائل التي تضعها التقنية الحديثة بين أيدي مخططي و مسيري المدن لرفع كفاءة آداء المجالات الحضرية .

كما ينبغي التنويه إلى أن مضمون المداخلة يرتكز على جملة من التساؤلات التي تنبثق من تنضيد (نطابق) بين أهداف تخطيط و تسيير المدينة، كما يراه المختصون من جهة، وتطبيق هذا التسيير في واقع مدننا (فالتخطيط سابق و التسيير تابع ) وما يترتب عن ذلك من انعكاسات سلبية أو إيجابية على الحياة اليومية للمواطن من جهة أخرى ؛ لنصل بعد التحليل، إلى بعض نتائج حول واقع العمليتين التخطيطية و التسييرية في مدننا و سبل الإستفادة من الثورة المعلوماتية لرفع مستوى آداء مدننا دون المساس أو التنازل عن هويتها و الرقي بها وفقا لخصوصياتها إلى مصاف المدن الحديثة بمستوى خدماتها ؛ وذاك من خلال أبراز قيمة التقنية الحديثة في الحفاظ العمراني و التي تضع بين يدي مسيري و مخططي المدن وسائل بسيطة تساعد في تبني استراتيجيات تخطيطية و تسييرية ...

1. التخطيط الحضري المستدام : خطوة لتدارك الفشل :

البيئة مركب غاية في الأهمية في أي عملية عمرانية مهما كان حجمها الزمني أو المكاني، وخاصة بالنسبة لمخططي ومسيري المدن ، تتجاوز الانشغالات الآنية لخفض التلوث داخل المحيط الحضري إلى حمايته و تثمينه. لذا فإن الرهان الأساسي يجب أن نضعه نصب أعيينا كباحثين هو ضمان تنمية مستديمة تنطلق من إدخال البعد البيئي في جميع مراحل العملية العمرانية بداء من التخطيط و انتهاء بالتسيير. من أجل ذلك؛ فإن البيئة و المدينة يشكلان ثنائيا متجانسا تربطهما علاقات متينة.

1.1 الشعور المتنامي بأهمية الحفاظ البيئة: أول خطوة في الاتجاه الصحيح
اهتدى إسلافنا إلى ضرورة الحفاظ على البيئة لتحسين ظروف الحياة الحضرية ؛ فقد ظللنا لعقود نشيد مدنا :
مريحة
مزدهرة اقتصاديا نظرا لما توفره من فرص للتجارة و الإستثمار بأقل تكاليف ( مدينة القاهرة القديمة ، دمشق القديمة ، القصبة في الجزائر....الخ)

متلائمة مع خصوصيات السكان الإجتماعية و الأقتصادية و الأمنية ....الخ
بعد ذلك صرنا ، و في خضم تيار الستينيات و السبعينيات من القرن الماضي ؛ و لأن جل الدول العربية خرجت لتوها من استعمار مدمر ، كان لزاما إعادة بعث الحياة الحضرية من جديد . إلا أن ذالك جاء في خضم انبهار مفرط بما يحصل في الغرب ؛ حتى صرنا ننادي كنظرائنا في الغرب بالتنمية الاقتصادية كسبيل وحيد لتحسين إطار حياة الإنسان الحضري. مركزين على الجوانب المادية و مغفلين حقيقتين مهمتين أجمع عليها المختصون حديثا و قديما هما أن:

النظام الحضري يعتمد في توازنه على جوانب أخرى لا تقل أهمية عن الجانب الاقتصادي ؛
الاستغلال الجائر للموارد الطبيعية يتسبب في إحداث ضغط كبير على البيئة نتيجة لما تفرزه من ملوثات ومخلفات ضارة .


لذلك ظهر مفهوم الاستدامة الذي عرفه العرب في مدنهم القديمة لقرون عديدة من جديد ليطرح نفسه حلا وسطا بين منهجين متضادين (التنمية المادية و التنمية غير المادية ) ، و يقرر أن “تلبية احتياجات السكان ضرورة لكنها لا يمكن أن تكون على حساب مستقبل الأجيال القادمة". و قد أولت معظم دول العالم في العقد الأخير من القرن المنصرم عناية خاصة واهتماماً واسعاً بمواضيع حماية البيئة والتنمية المستدامة، ولم يولد هذا الاهتمام من فراغ بل كان بعد أن تراءى للعالم محدودية الموارد زمنا و مكانا و ما يمكن أن يصير إليه مستقبل الأجيال الحالية و القادمة إذا واصلنا على نفس النهج في استنزاف الموارد خاصة غير المتجددة منها .

2.1 البيئة الحضرية وقود غير متجدد الحياة البشرية ينبغي المحافظة عليه:

البيئة الحضرية هي مجموع العناصر ذات العلاقات المركبة تشكل إطار و وسط و شروط حياة الإنسان . نتيجة للنمو العمراني المطرد تركز عدد هائل من السكان في المدن و خاصة في التجمعات السكانية الجماعية ذات الكثافة العالية في مجال محدود هو المدينة ؛ هذه الأخيرة تواجه اليوم و أكثر من أي وقت مضى تحديات جسام فيما يخص نوعية البيئة الحضرية(مياه ، نفايات، ضجيج، مساحات خضراء،...الخ) . إذا فالتنمية العمرانية لا يجب أن تتم بمعزل عن الضرورات البيئية الملحة ، لأن:

المدن تعتبر أحد المستهلكين الرئيسيين للموارد الطبيعية كالأرض والمواد والمياه والطاقة؛
عمليات التعمير الكثيرة والمعقدة ينتج عنها كميات كبيرة من الضجيج والتلوث والمخلفات الصلبة و استهلاك للمجال الطبيعي الذي يعد رئة الأرض كلها و ليس المدينة فقط من جهة ، و تنتج علاقات اجتمتعية و اقتصادية غاية في التعقيد (تحدد شكل و طبيعة الغلاقات الإجتماعية ، الإقتصادية ....الخ) .

ونتيجة لتنامي الوعي العام تجاه الآثار البيئية المصاحبة للأنشطة الحضرية يتبين لنا أن التحدي الذي يجب على مدننا رفعه يتمثل في:


مقدرتها على الإيفاء بالتزاماتها التخطيطية وأداء دورها التنموي تجاه تحقيق رفاهية الحضر دون الإضرار بمستقبل الأجيال القادمة ؛
القدرة على تسيير المجالات الحضرية بشكل يسمح الحفاظ على نمط حياة حضرية راقية و يقلل من استنزاف الموارد غير المتجددة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق