الاثنين، 25 مايو، 2015

مشكلة البطالة



البطالة ظاهرة وجدت في أغلب المجتمعات الإنسانية في السابق والحاضر، ولا يكاد مجتمع من المجتمعات الإنسانية على مر العصور يخلو من هذه الظاهرة أو المشكلة بشكل أو آخر. إلا أن النظرة إلى البطالة بوصفها مشكلة اجتماعية تخضع للدراسة والتحليل وفق منظور المنهج العلمي للعلوم الاجتماعية لمعرفة حجمها وتحديد أسبابها وآثارها الاجتماعية في المجتمع لم تتشكل إلا في عام 1933، وذلك عندما عمد (1933) Jahoda et al. إلى وصف الآثار المدمرة للبطالة في إحدى مدن النمسا، وتزامنت هذه الدراسة مع حالة الركود الاقتصادي التي عاشتها دول أوروبا بشكل عام خلال فترة 1930.ومنذ تلك الحقبة الزمنية، التي تشكل فيها الاقتصاد بصورة دولية، أخذت المجتمعات البشرية المعاصرة تعاني مشكلة البطالة بين فترة وأخرى، إلا أن نسب البطالة اختلفت من مجتمع إلى آخر، كما أن كيفية التعامل مع العاطلين عن العمل أخذت أساليب مختلفة من التجاهل التام لهم إلى الدعم الكلي أو الجزئي لوضعهم.
ومن الأهمية الإشارة إلى أن البطالة ترتبط عادة وبشكل عام بحالة الدورة الاقتصادية (Economic Cycle) للدول. حيث تظهر البطالة جلياً وتزداد نسبها في حال الركود الاقتصادي العام (Economic Bust)، وذلك عند حدوث أزمات اقتصادية "مؤقتة" ناتجة إما بسبب عوامل داخلية تتعلق بإجراءات العمل والتوظيف أو سوء توافق بين مخرجات التعليم وسوق العمل، أو نتيجة لعوامل وضغوط خارجية تتعلق بمنظومة الاقتصاد الدولي. أما إذا كانت الدورة الاقتصادية نشطة (Economic Boom)، فإن ذلك سوف ينعكس على الاقتصاد المحلي من حيث انتعاشه ونهوضه وتنوعه، مما يؤدي إلى توافر فرص عديدة ومتنوعة للعمل، ومن ثم تنخفض نسبة العاطلين عن العمل في المجتمع، وبذلك يتضح أن للدورة الاقتصادية دوراً أساسياً في تشكيل اقتصاد المجتمعات المعاصرة، ونشاط سوق العمل فيها.( 1 ).
أضحت مشكلة البطالة عائقا تنمويا كبيرا في الكثير من دول العالم الثالث وأصبحت سببا في تهديد استقرار العديد من الأنظمة والحكومات في ظل المعدلات المتزايدة للنمو السكاني في هذه البلدان وزيادة الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك. تنعكس بلا شك البطالة التي يعاني منها شباب دول العالم النامي وكذلك البعض من دول العالم المتقدم على حد سواء على سلوكهم وتلقي بظلالها على المحيط الاجتماعي حيث بدأت تظهر في البعض من مجتمعات الدول النامية المحافظة ( اجتماعيا وسلوكيا ) صورا لأوضاع شاذة على شكل تعاطي المخدرات والسرقة والاغتصاب والإحساس بالظلم الاجتماعي وما يتولد عن هذا الاحساس بالاحباط والهزيمة الداخلية من قلة الانتماء والعنف وارتكاب الأعمال الإرهابية والتخريبية وقد تقوم فئات اخرى بالكبت بداخلها مما يتحول بمرور الوقت إلى شعور بالإحباط ويخلق شبابا مدمرا نفسيا وعضويا.
لقد اضحت البطالة في مختلف دول العالم هي مشكلةالمشاكل بل هي ام المشاكل التي تؤدي غالبا الى تفاقم نتائجها على المجتمع حيث ان اولى بنات البطالة الفقر ويليها المرض ومن ثم التخلف المطبق وهناك مايقارب مليار عاطل عن العمل موزعين على مختلف أنحاء المعمورة. ويبدو أن البطالة قد دخلت مرحلة جديدة تختلف تماماً عن بطالة عالم مابعد الحرب العالميّة الثانية حيث كانت البطالة جزءاً من الدورة الاقتصادية بمعنى أنّها تظهر مع ظهور مرحلة الركود وتختفي مع مرحلة الانعاش. أمّا الآن فقد أصبحت البطالة ومنذ مايزيد عن ربع قرن من الزمان مشكلة هيكلية فبالرغم من تحقّق الانتعاش والنمو الاقتصادي تتفاقم البطالة سنة بعد أخرى. وفي البلاد النامية تتفاقم البطالة بشكل عام مع استمرار فشل جهود التنمية وتفاقم الديون الخارجية وتطبيق برامج صارمة للانضباط المالي ومما زاد من خطورة الأمر أن هناك فقراً شديداً في الفكر الاقتصادي الراهن لفهم مشكلة البطالة وسبل الخروج منها الامر الذي شجع ظهور بعضا من الافكار التي تتبنى فكرة البطالة أضحت مشكلة تخص ضحايا المجتمعات التي لم نتجح في التكييف مع مفهوم العولمة الجديد او تندمج في اقتصادياتها.( 2 ).
وتتجاوز مشكلة البطالة بعدها الاقتصادي الى حدود اكبر وفضاءات اوسع حيث ينسحب ذلك التاثيرعلى الواقع  السلوكي والنفسي والاجتماعي لشرائح كبيرة في المجتمعات المتخلفة حيث تؤكد التقاريرالصادرة عن معهد السياسات الاقتصادية التابع لصندوق النقد العربي[1] أن خطورة مشكلة البطالة في الدول العربية لا تنبع من تأثيرها الاقتصادي فحسب ولكن من تأثيرها النفسي والاجتماعي. كما أن نسبة البطالة بلغت 15% بالإضافة إلى حجم البطالة المقنعة الذي يصل إلى 25% باستثناء نسبة العاملين في القطاع غير الرسمي والبالغة 35% من حجم قوة العمل حيث يتضح من هنا مدى عمق وحجم تلك المشكلة الاقتصادية في مجتمعات العالم النامي عموما والدول العربية خصوصا حيث اوضحت منظمة العمل العربية بأنه هناك البعض من البلدان التي كان يعتقد بأنها دول تستعصي على البطالة مثل دول الخليج حيث يؤكد التقريرعلى أن المعدلات العالية للبطالة في كثير من الحالات هي ليست قدراً محتوماً ولكنها تعود لأوضاع استثنائية لحالات غير مستقرة كانعدام الأمن وحالات الاعتداء الخارجي أو حالات سوء إدارة سوق العمل وهي حالات قابلة للتجاوز ويؤكد التقرير أن بطالة الشباب في البلدان العربية أصبحت مشكلة حيوية حيث تهدد السلام الاجتماعي فيها حيث تعد البطالة المقنعة أكثر إيلاماً وخطراً في هذا الصدد.( 3 ).



[1] صندوق النقد العربي هو المسئول عن الإشراف على الجانبين المالي والنقدي في اقتصاديات الدول العربية وقد أنشئ صندوق النقد العربي على غرار صندوق النقد الدولي ليكون بمثابة مؤسسة نقدية إقليمية تهتم بالشئون النقدية والمالية لدول المنطقة العربية، ويتخذ الصندوق من مدينة أبو ظبي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق