الأربعاء، 13 مايو، 2015

حيان الانسان قديما




كيف تعلم بناء البيت
الجواب معقد ولكنه موصول بالفهم .. عندما تعلم الإنسان كيف يزرع الأرض ويستقل في الانتاج وعدم الاعتماد على الطبيعة ... بعدما زادت مجاميعهم في منطقة محدودة ، بدأ يستغل الإنسان الأرض ويزرع الحبوب قريبا من كهفه ، ولكن زيادة الانتاج تطلبت منه أن يذهب إلى أبعد من الكهف ليستغل الأرض الخصبة التي تتوفر فيها المياه ، وكانت الخطورة في الذهاب والإياب إلى الكهف ومخاطر تعرضه لهجوم الحيوانات المفترسة ، ففكر ان يسكن قريبا من المزرعة ، ولكن العقدة كانت كيف ينقل الكهف إلى هناك ، وجاءته الفكرة بان يبني نموذجا مماثلا للكهف قرب المزرعة .
وبدأ ببناء مخروطي قاعدته للأسفل وقمته المخروطية للأعلى ، فوضع الحجارة وحفر الأرض على شكل دائرة ورتب الصخور إلى القمة ، وكان ذلك أو تصميم إنساني في البناء .
وبزيادة حجم عدد أشخاص العائلة بنيت مخروطيات أخرى على شكل دائرة تحيط بالمزرعة وابوابها تجاه المزرعة ، وبذلك شيدت أولى القرى ( المدن ) الزراعية في التاريخ ، ثم كبرت القرى الزراعية لتصبح مدن فيها بعض الفعاليات الخدمية كالحدادة لصنع المناجل ، والمعابد ، والطبيب .
-       من كان يتحكم ببناء تلك البيوت والمدن ؟
ضمن القرية الزراعية ظهرت مجموعة صغيرة من الأفراد لديهم رغبة الاستحواز على    وسرقة اتباعهم في العمل الزراعي ، وعملوا في جمع المحصول وبيعه ، وفي أوقات عدم وجود المحصول كانوا يعملون في بيع الأراضي وبناء المساكن وبدون تشريعات تذكر ، وهؤلاء كانوا كالبرجوازيين الآن ، وهم أنفسهم موجودون على أرض الواقع الان في مدن العالم حيث يتاجرون في بناء وبيع البيوت ، ولكن جشع هؤلاء تطلب وضع تشريعات خاصة بدائية مستمدة من العرف والعادات والتقاليد للحد من جشع هؤلاء ، وفي كل الحضارات القديمة هناك تشريعات خاصة بذلك ، ونذكر على سبيل المثال شريعة حمورابي في بابل ( المكونة من 288 مادة قانونية ) فيها مواد متعلقة بتشييد المدن وكيفية العمل .. الخ
والسؤال هنا ، هل كانت تشيد البيوت أو المدن     عن خلفية تخطيط المدن على أسس حضارية آنذاك .. الجواب ، نعم ! ولكن ؟
كانت اسس التخطيط تنصب بالدرجة الأولى على قرب تلك المدن من مصادر المياه أو الطرق أو مصادر الانتاج ، وما زالت تلك المدن نفسها التي شيدت على أساسها ن كالمدن المشيدة على طريق الحرير الممتدة من أوروبا إلى الصين .
إذا فالأسس نفسها في بناء البيوت والمدن .. اي المنفعة العامة ، وقد سيطرت الدويلات ( مراكز القوة ) في التنفيذ والتنظيم والتشريع .

وإذا رجعنا إلى هدي القرآن الكريم والسنة المطهرة في هذا الموضع لوجدنا الأمر على النحو التالي ، حيث يقول الله تعالى في محكم تنزيله : ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) الإسراء / 70

فقد كرم الله تعالى بني آدم ، وأراد أن يكون الإنسان خليفة في الأرض ، فبدأ بخلق آدم عليه السلام وجعله نبيا في هذه الأرض ، وعلمه الأسماء كلها شرعة ومنهاجا ، يستطيع من خلالها التعامل مع هذه الأرض وما عليها من أقوات ومخلوقات .
فالتشريع كان ومازال حيث وجد الإنسان ، ولا تستقيم حياة الناس على هذه الأرض دون شريعة تكون ضابطا وموجها ودليلا ، والتشريع هو تعبير عن إرادة المشرع وصوته الدائم وصورة عن حكمته في قيادة من وضع لهم التشريع ، ومن هذا المعنى نستطيع التماس معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم / إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيكم / [1] ، فالكتاب والسنة هما أصل التشريع الإسلامي ونبراس هداية المسلمين من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولئن غاب المشرع إلا أن التشريع حاضر لا يغيب وهو باق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

اقتضت حكمة الله تعالى أن تعدد الشرائع وتتنوع وفقا لتطور حياة الإنسان على هذه الأرض ، ويعيش الإنسان اليوم في وسط من الأنظمة والشرائع والقوانين المتعددة التي ترسم له حدود واجباته وحقوقه ، وتبين له الطريقة الأفضل لتعايشه مع مجتمعه ، ومن هذه الشرائع والقوانين القانون المدني والتجاري قانون العقوبات ، وقوانين التخطيط العمراني أيضا التي يقوم بحثنا على دراستها ودورها في عملية التنمية الحضرية في وقتنا الحاضر . 
وقد أتت كافة الشرائع السماوية ، والوضعية القديمة منها والحديثة على ذكر العمران وتنظيمه على اختلاف فيما بينها ، منذ شريعة حمورابي ، ووصولا إلى التشريعات الحديثة في تاريخنا المعاصر .
كما أولت الشريعة الإسلامية الغراء موضوع العمران وتنظيمه أهمية كبيرة ، ويرى البعض أنه على الرغم من أن العمران البشري أو التحضر لم يعرف تقنينا أو تشريعا متكاملا ومتميزا ، إلا في القرن الماضي ، إلا أن تحليل مجموع الوثائق والمصنفات والتخريجات الفقهية في تراثنا الإسلامي ، يبين أن إرساء أسس منظومة التشريعات العمرانية والمعمارية قد بدأ منذ قرون عند المسلمين . [2]


[1] - عن ابن عباس / كنز العمال للمتقي الهندي / المجلد الأول - الباب الثاني في الاعتصام بالكتاب والسنة
[2] - مصطفى بن حموش / جوهر التمدن الإسلامي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق