الأربعاء، 13 مايو، 2015

أثر الصناعة على توسع العمراني



 أثر الصناعة على توسع وتخطيط المدن :

لقد أدت الثورة الصناعية الأولى في منتصف القرن الثامن عشر وصولا إلى القرن التاسع عشر، إلى تحول العمل اليدوي إلى عمل آلي ، وظهور الآلة وانتشارها بشكل كبير، مما أدى إلى التوسع والانتشار العمراني في كل اتجاه ، نتيجة انتشار المصانع والتجمعات العمالية بشكل عشوائي نتيجة زيادة القوى العاملة وزيادة الإنتاج بشكل كبير ، خاصة في المدن الصناعية الكبرى مثل لندن ، الأمر الذي أدى إلى تدهور المناطق الحضرية والهيكل العمراني لكثير من المدن الكبيرة نتيجة الهجرة الكبيرة التي حصلت من الأرياف نحو المدن خاصة غير المؤهلين الذين لم يجدوا فرص عمل كافية لتشغيلهم، وأدى ذلك بدوره إلى تكدس أعداد كبيرة منهم في الأحياء الفقيرة والتي تعاني أصلا من كثرة الضوضاء والتلوث البيئي بمختلف صوره ، كل ذلك أدى إلى قصور وظيفي في جميع النواحي والأنشطة الخدمية ، إضافة إلى ، وتدني مستوى والمرافق العامة من ناحية الكفاءة والعدد وعلى كل المستويات الصحية والتعليمية والاجتماعية والثقافية . . الخ .

وفي منتصف القرن العشرين أيضا وبعد الحربين العالميتين الأولى والثانية كانت الثورة الصناعية الثانية المتمثلة بالثورة التكنولوجية، حيث تحول جزء كبير من العمل والإنتاج إلى ما يسمى بالعمل الالكتروني، وحلت الأنظمة الكومبيوترية المتطورة محل الآلة الميكانيكية ، وبالتالي بدأ معدل التغير والتطور يزداد بسرعة هائلة تفوق بمراحل ما حدث في الثورة الصناعية الأولى .

ولكن مع كافة المظاهر السلبية التي أدت إلى وجود الكثير من المشاكل الحضرية والبيئية ، إلا أنه يمكن القول ، أن تأثير الثورة الصناعية على الهيكل العمراني للمدن وتخطيطها الحضري كان له الكثير من الآثار الإيجابية ايضا ، والتي يمكن الإشارة إلى بعضها وفقا لما يلي :
1-  انتشار المصانع داخل المدن للاستفادة من الوفورات الاقتصادية الحضرية التي تقلل نفقات الإنتاج التي يتحملها أصحاب المصانع ، والتي من أهمها :
·        توفر الأيدي العاملة والسكن والخدمات الارتكازية (الماء والكهرباء والمجاري والهاتف)
·        وسائل النقل والاتصالات، ووجود أسواق تصريف البضائع وتأمين الخدمات المصرفية
·        تركز رجال العمال والمصانع في المدن كقاعدة مكانية تمكنهم من الاتفاق فيما بينهم وإقامة الكارتلات والاتحادات الاقتصادية لحماية إنتاجهم والتحكم بالأسعار .
2-  أدى صنع السيارات والقطارات والطائرات ووسائل الاتصالات ، إلى توسع المدن بسرعة
3-  تحرر الصناعة نفسها من قيود المكان والمسافة ، وانطلقت من الناحية السوقية من المحلية إلى الإقليمية والدولية .
4-  تكريس مفهوم استعمالات الأراضي وتصنيفها بشكلا وظيفي ، حيث ظهرت أحياء جديدة حول المدينة القديمة ، وظهرت مناطق الصناعات الخفيفة ، وأخرى للصناعات الثقيلة ومنها مناطق تخزين .
5-  الإسهام الفاعل في تطوير فن العمارة والتخطيط ، حيث استخدمت الآلات والمعدات الحديثة في مجال البناء ، وصناعة مواد البناء الجديدة التي لم تكن معروفة سابقا .

6-  إن هذه العوامل الإيجابية للثورة الصناعية كانت بمثابة الركيزة الأساسية التي دفعت بالمخططين إلى التفكير بإنقاذ تلك المدن من خلال أفكارهم الحديثة ونظرياتهم المتنوعة والتي عبرت عن إبداع المخططين وتفننهم في تخطيط المدن بما يوفر البيئة المريحة والآمنة للإنسان .

7-  كان للثورة الصناعية وما تلاها من انجازات في مختلف الأنشطة الانتاجية من صناعة وزراعة واقتصاد ، والخدمات التي تطورت بسببها ، كان لها الدور الأساسي في جعل التخطيط العمراني ذو مسار حضاري يؤدي إلى تقليل المسافات الزمنية للوصول إلى مراكز الوحدات الإنتاجية كالمصانع والمزارع وربطها بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية ، والارتقاء بنظم وتخطيط المواصلات ، وظهور المدن العمالية القريبة من المراكز الانتاجية ، وترسيخ مايسمى بإدارة الوقت في مفهومنا المعاصر ( وهو من المفاهيم الوليدة في عالمنا العربي أو أنه ما زال في طور المهد في بعض الدول ) .

8-  كما كان للثورة الصناعية دورا هاما في تطور منظومات القوانين والتشريعات العمرانية لدى الدول الصناعية خاصة في انجلترا والولايات المتحدة الأمريكية ، تلك التشريعات التي كانت أداة مهمة في توجيه الاقتصاد الحضري وتنظيم التنمية العمرانية والتحكم بإنجاز المشاريع التنموية المنبثقة عن ذلك التطور في الفكر العمراني ، نتيجة البحث عن الحلول التخطيطية كما اسلفنا سابقا .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق