الأحد، 10 مايو، 2015

توظيف التفكير في التعليم



تـوظيف التفكر لتـدريس العلوم
 
الإنسان خليفة الله في الأرض ، أوسع الكائنات معرفة، وأرقاها لغة وأعمقها فكرا وثلاثتهما - المعرفة والفكر واللغة - أهم ما يميز الإنسان ويؤهله للخلافة في الأرض ، وهي تتفاعل مع بعضها لترتقي به وبيئته ، ولتصنع الحضارة علي عينه .
والتفكير موضوع قديم حديث متجذر متجدد ، أظهر التربويون أهميته سواء أكان ذلك علي المستوى العالمي أم علي المستوى العربي ؛ فظهرت المقالات ذات العلاقة والمؤلفات ، والبحوث المهنية والأكاديمية ، والمقاييس والاختبارات . وتجاوز موضوع التفكير مجال علم النفس إلي فروع التربية كالمناهج وطرق التدريس ، وتشبعت أنواعه وعرف التفكير المسالك إلي المناهج : العلمي والإبداعي والناقد ، إلي جانب التفكير الاستدلالي الذي طالما استخدمه الباحثون المسلمون في اجتهاداتهم الفقهية وبحوثهم الدينية .
وعقدت المؤتمرات ذات العلاقة الكلية أو الجزئية ؛ بالتفكير ، وتشكلت المجالس القومية ومنها اللجنة التربوية للولايات المتحدة الأمريكية ( 1982 ) ، ومجلس الكليات ( 1983 ) . ثم تعددت واتسعت جهودها لتشمل الممارسات التربوية في المدارس والمناهج المختلفة ، وبرامج التطوير والتحديث .
وفي العالم العربي عقدت بعض المؤتمرات المتعلقة بالتفكير ، فقد عقدت الأونروا مؤتمرا للقادة التربويين عام (1998 ) بالأردن ، قدمت فيه العديد من البحوث ذات العلاقة . وقد أدي ذلك إلي اهتمام دائرة التربية والتعليم التابعة للأونروا بالتفكير كهدف من أهداف المناهج بالدول المضيقة للاجئين الفلسطينيين ( دائرة التربية والتعليم ، 1999) . كما اهتمت خطة المنهاج الفلسطيني بالتفكير ولكنها نظرت إلي التفكير علي أنه أنواع يتم تعلمها والتدريب عليها منفردة . ( وزارة التربية والتعليم ، ( 1993) ، لكن التطبيق العلمي ما زال بعيدا .
ورغم أن بعض أساتذة التربية يرون أن التفكير عملية شاملة إلا أن البحوث اهتمت لأسباب منهجية بنوع واحد من أنواعه في الدراسة الواحدة .
ومن الدراسات التي اهتمت بالتفكير العلمي دراسة (عطا الله ، 1992)،( نشوان ، 1993)،(اللولو ، 1996) ومن الدراسات التي اهتمت بالتفكير الابتكاري أو الإبداعي( البحيري، 1988) وراشد (1994) شبارة وشحدة (1994) وسعودي (1998).
ومن الدراسات التي اهتمت بالتفكير الاستدلالي دراسة نافع ( 1992) ، ودراسة أبو الجديان(1999 ) ، ومن الدراسات التي اهتمت بالتفكير الناقد دراسة علي ( 1992 ) ودراسة عفانة ( 1998 ) .
وهناك بحوث تناولت أكثر من نوع من التفكير ولكن استخدام كل منها جاء منفصلا عن الآخر مثل دراسة ( عفاف حماد ، 1994 ) حيث اهتمت بكل من مهارات البحث العلمي والتفكير الابتكاري .
وهناك دراسات قليلة تناولت العمليات العقلية في القرآن مثل دراسة عبد الله (1995) ،ودراسة الزعانين (2002 ) ، وحيث أن التفكير بأنواع مختلفة مطلب قرآني إلا أن الدراسات والبحوث التي أجريت في هذا المجال قليلة ولا تتحدد فيها أنواع التفكير بدقة بل أنها تستخدم بمعني متقارب فالتدبر والتفكر قد تستخدم معا للتعبير عن التأمل وهكذا.
وفي بحث أجراه إحسان الأغا ( 2003 ) حدد أنواعا من التفكير وردت في القرآن ، ومن هذه الأنواع التعقل ، والتذكر ، والتدبر، النظر ، والتفكر وقد حاول الباحث أن يميز بين هذه الأنواع فقدم تعريفا لكل منها وحدد وظائفها . ثم وضعها في ترتيب متدرج ويتضمن كل نوع ما قبله من الأنواع . ثم قسمها إلي قسمين : 
القسم الأول : ويتضمن أنواع التفكير ذات التركيز علي فقه الأشياء فهما واستدلالا ، وفيه أنواع ثلاثة مرتبة تصاعديا من حيث مستواها :
-التعقل : وهو يختص بالفهم واكتساب المعرفة وقواعد السلوك .. وهو واجب على بالمسلم السوي باعتباره مطلوب كحد أدني للقيام بالواجبات الدينية أو واجبات المواطنة.
-التذكر : وهو يختص بالاستدلال لاستخلاص العبر والتهيئة العقلية وهو للصفوة أو أولي الألباب.
-التدبر : وهو يختص بالنظرة الشاملة المدققة للنظام الذي يتضمن تفاصيل فيها وفيما بينها أتساق ومعرفة تحتاج فكرا ناقدا واحتكاما إلي العقل ضمن حدود إيجابية واضحة.
القسم الثاني : ويتضمن نوعين من التفكير ذات التركيز علي الذاتية الفردية في الاكتشاف والتأمل وهما النظر والتفكر :
النظر : هو يختص بالتفحص والتمحيص والتحليل لمعرفة الأشياء والظواهر والسلوك ، والذهاب إلي ما وراء المعرفة .
التفكر : وهو توظيف الفهم والخبرة والخيال للتأمل في الظواهر والسلوك بهدف اكتشاف الحكمة من وجودها والاتساق بينها والعلاقات داخلها وبينها وبين غيرها.
ورغم أن القرآن ليس كتاب علوم ولا كتاب تدريس علوم إلا أنه كتاب تربية وفيه من الأفكار والنماذج ما يمكن الاستفادة منه في التربية ،ولاسيما في التربية العلمية من خلال تنمية التفكير بأنواعه المختلفة .وفي محاولة لتوظيف التفكير في تدريس العلوم في هذا البحث تم اختيار التفكير من نوع التفكر وذلك لأسباب عدة - هي من وجهة نظر الباحثين- على النحو التالي :
-أنها أرقى أنواع التفكير التي وردت في القرآن  .
-أنها شاملة للأنواع الأخرى من التفكير التي وردت في القرآن.
-أنها ترتبط - كما ظهرت في الآيات القرآنية - بقضايا عامة شاملة تتصل بالكون والحياة والإنسان ،والظواهر الطبيعية والسلوك ، وهي قضايا تهتم بها العلوم الطبيعية والتربية العلمية.
-أنها ترتبط بأهداف متنوعة لا تتوقف عند حد المعرفة أو الفقه ، وإنما تتصل بالإبداع ،ويساعد ذلك على النمو العقلي ،كما أن التنوع يؤدي إلى الاستفادة من الفروق الفردية في توظيف الخيال والاستكمال والاكتشاف.
-أنها تتضمن أنواع من العمليات العقلية تكاد تشمل عمليات التفكير العلمي المعرفة.    
مشكلة البحث :
يسعى البحث الحالي إلى الاستفادة من مفهوم التفكر كنوع من أنواع التفكير كما جاء في القرآن في تدريس العلوم وربما في التربية العلمية . وبالتالي فإن موضوع البحث يتحدد في : "التفكر كمدخل في تدريس العلوم في مدارسنا" ، وقد تحددت مشكلة البحث في الأسئلة البحثية  التالية :
1.   ما التفكر ؟
2.   ما مستويات عملية   التفكر كما جاءت  في القرآن الكريم؟
3.   ما الأنشطة العلمية المقترحة لتوظيف التفكر كمدخل لتدريس العلوم في المرحلة الابتدائية بمحافظات غزة؟
أهداف البحث :
يسعى البحث الحالي - من باب الاتصال بالأصالة والتراث الثقافي بمحوره العقائدي - إلى توظيف الفكر الإسلامي القرآني في الاهتمام بالتربية العلمية باعتبار أن العلم والاتجاهات الإيجابية ركيزتان من ركائز التقدم واستقرار المجتمع ،وأن التفكير ركن من أركان اكتساب المعرفة ونمو المفاهيم واستثمارها في التطبيقات العملية المجتمعية والتنمية .ومن أهداف البحث تحديد مفهوم التفكر وارتباطه بأنواع التفكير الأخرى ، وتحديد وظائف التفكر وبيان كيفية الانتفاع به في التعليم الرسمي.
أهمية البحث :
1-تجديد الاهتمام بالتفكير وتوظيفه وربطه بالدين باعتباره عبادة ذلك أن "التفكر في خلق الله عبادة" .
2-مساعدة الباحثين المسلمين على التفكير في الأنواع المختلفة التفكير "التفكير في التفكير" .
3-تقديم اقتراحات تساعد المعلمين والموجهين على تضمين التفكر في الأنشطة التعليمية .
حدود البحث :
1-يتحدد البحث الحالي بمفهومات التفكير كما حددها الباحث ، وبالأنواع الخمسة للتفكير .
2-يقتصر البحث على التفكر دون الأنواع الأخرى التي وردت في القرآن .
3-البحث الحالي هو صورة أولية يحتاج إلى تدقيق والاستعانة بمزيد من الحكام لتحكيمه .
4-تقتصر الأنشطة المقترحة لتوظيف التفكر كمدخل لتدريس العلوم على بعض الدروس العلمية المقررة على طلبة المرحلة الابتدائية كأمثلة يمكن الاستعانة بها، وذلك دون تجريبها بسبب الأوضاع الأمنية المعقدة والخطيرة التي تمر بها المسيرة التعليمية في فلسطين ، الأمر الذي يستوجب الاهتمام فقط بالدروس اليومية.
منهج البحث :
يمكن القول بأن البحث الحالي أقرب إلى البحث الأساسي حيث تم تحديد واستخلاص أفكار أصيلة تتعلق بالتفكير أو التفكر على وجوه الخصوص وتم تمييزه عن غير من الأنواع وتصنيفه في مستويات وهو ما لم يتم -في حدود علم الباحثين- من قبل .
واتبع الباحث خطوات منظمة واضحة محددة قد ترتقي إلى منهجية علمية يعتقد أنها تناسب الموضوع .
خطوات إجراء البحث :
سار البحث وفق الخطوات التالية:
1-مراجعة أدبيات الموضوع من حيث مناقشة مفاهيم التفكير وأنماطه المختلفة.
2-استخدام المنهج الإسلامي في التحليل بهدف استنتاج مفهوم التفكر والعمليات التي تنضوي داخله.
3-إعداد مجموعة من الأنشطة العلمية لمستويات التفكر،بحيث تم اقتراح نشاط واحد لكل مستوى.
4-عرض الأنشطة على مجموعة من معلمي العلوم في المرحلة الابتدائية لمعرفة مدى مناسبتها لمستويات التفكر المختلفة.
تحديد المصطلحات :
-   التفكير : هو نشاط عقلي أدواته الرموز والصور الذهنية والألفاظ أو الرموز والأخيلة وهو يختلف عن الإحساس والإدراك ويتجاوزهما إلى التجريد والأفكار المجردة.
-         التفكر : وهو توظيف الفهم والخبرة والخيال في تأمل الظواهر والسلوك بهدف اكتشاف الحكمة من وجودها والاتساق .
-         عمليات التفكر : الأنشطة العقلية التي يستخدمها المتفكر للإجابة عن أسئلة يهتم بها.
-         توظيف التفكر: حسن استخدام عمليات التفكر في الوصول إلى الهدف من القيام به وذلك في مواقف محددة .
الطريقة والإجراءات:
سار البحث وفق الإجراءات التالية:
أولا:الإجراءات الخاصة بتحليل مفهوم التفكر ومستوياته:
تم اتباع المنهج الإسلامي في التحليل بهدف تحديد مفهوم التفكر ومستوياته وفق الخطوات التالية:
1-تحديد المفاهيم المراد دراستها :
وقد تم تحديد خمسة مفاهيم هي التعقل والتذكر والتدبر، والنظر والتفكر .وتم ذلك من خلال الخلفية التي تكونت للباحث من القراءات السابقة أو تلاوة القرآن عدة مرات سابقة .
2-حصر الآيات التي تتضمن المفاهيم المحددة أو مشتقاتها:
وتم ذلك باستخدام مصدرين :أولهما المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ،وثانيهما المسح الكمبيوتري.
3-تحديد الآيات (السابقة) المرتبطة بالآية التي تتضمن المصطلح والمفهوم والتي تكمل المعنى الذي تردد في الآية .
4-التعرف على تفسير الآيات لفهم المعنى الحقيقي والشامل للآيات كما أورده المفسرون.
5-استقراء المقصود بالمفهوم من جملة الآيات التي تضمنته.
6-تحليل الآيات لاكتشاف العمليات أو الوظائف التي تتبدى في الآيات المحددة .
7-المقارنة بين أنواع التفكير التي وردت في القرآن لتصنيفها في مستويات متدرجة تحددها طبيعة الأنواع ومستوياتها .
صدق التحليل :
  للاطمئنان إلى صدق التحليل وفق المنهجية المذكورة ، قام الباحث بما يلي:
1-عرض المنهجية المتبعة على مجموعة من الزملاء لتقويمها وتعديلها.
2- عرض نتائج البحث على مجموعة من أساتذة الشريعة وأصول الدين للتأكد من الابتعاد عن الفهم الخاطئ للآيات وسلامة الاستقراء وإتساق النتائج مع الفهم العام للإسلام .
ويلاحظ أن المنهجية المتبعة هي منهجية إسلامية في التحليل والاستنباط حيث تزيد عن أساليب تحليل المحتوى في أمرين :
الأمر الأول :
إن فهم النصوص "الآيات" يستند إلى التفسير في كتب التفسير وليس على مجرد الفهم اللغوي أو الثقافة الدينية فقط.
الأمر الثاني :
محاكمة النتائج في ضوء الفهم العام للإسلام حتى لا ينتج أي تعارض وفي حالة التعارض يتم التخلي عنها لصالح الفهم العام للإسلام.
وقد أبدى بعض المحكمين ملاحظات بسيطة حول مفهوم التفكر ،وإعادة ترتيب مستوياته بما ينسجم مع مراحل العمليات العقلية بحيث تكون أكثر منطقية ،وتراعي التدرج في طبيعة المهمات العقلية المستخدمة في كل مستوى من مستويات التفكر المختلفة.
وفي ضوء هذه الملاحظات قام الباحث بإدخال بعض التعديلات التي تستجيب لملاحظات المحكمين المشار إليها سابقا.
ثانيا:الإجراءات الخاصة بالأنشطة المقترحة:
لتصميم هذه الأنشطة قام الباحث بما يلي:
1-تحديد مستويات عملية التفكر : وذلك من خلال نتائج تحليل الكثير من الآيات القرآنية الكريمة التي تحمل مضمون عملية التفكر ، وما يندرج تحتها من مستويات فرعية، وهي :-
الانتباه-الاهتمام بما يحيط بالإنسان- التأمل-ربط المشاهدات في مدرك واحد-تفسير بعض العمليات-تحليل رواية واقعية- الاستدلال-اتخاذ القرار-التخيل –الابداع.
2-الإطلاع على جميع المقررات الدراسية في كتب العلوم للمرحلة الابتدائية في محافظات غزة , (المنهج فلسطيني) ، وذلك بهدف التعرف إلى الموضوعات العلمية المقررة على تلاميذ هذه المرحلة .
3-الإطلاع على العديد من الأنشطة العلمية المقترحة لتنمية أنماط مختلفة من التفكير لدى فئات مختلفة من الطلبة والتي وردت في العديد من الدراسات السابقة مثل دراسة (أيمن سعيد،2000) ودراسة (سحر عبد الكريم2000)،ودراسة (عفت الطناوي ،2000) ، ودراسة (حمدي البنا،2000) ، ودراسة(عمر غباين2001) 0 وذلك بهدف الاستفادة من هذه الدراسات في كيفية تنظيم الأنشطة المقترحة المتعلقة بالتفكر كمدخل لتدريس العلوم في المحلة الابتدائية في غزة0
4-اختيار مجموعة من دروس العلوم لطلاب المرحلة الابتدائية عشوائيا لتوظيف التفكر مدخلا لتدريس هذه الموضوعات وهي:
الوزن للصف الثالث الابتدائي -التكيف عند الحيوانات للصف الثالث الابتدائي-الغذاء والكائن الحي للصف الخامس الابتدائي-أثر الكائنات الحية الدقيقة في الحياة للصف السادس الابتدائي-التكاثر في النباتات للصف السادس الابتدائي-الحجوم للصف الثالث الابتدائي-المواد المغناطيسية وغير المغناطيسية للصف الخامس الابتدائي-نظافة الغذاء وسلامته للصف الخامس الابتدائي-الأدوات للصف الثالث الابتدائي-حالات المادة للصف الخامس الابتدائي.
5-تصميم الأنشطة العلمية بواقع نشاط واحد لكل مستوى من مستويات عملية التفكر المشار إليها سابقا ، بحيث تشكل هذه الأنشطة مدخلا لتوظيف مستويات التفكر في دروس العلوم التي تم اختيارها سابقا ،وقد روعي في هذه الأنشطة ما يلي:-
أ-ارتباط النشاط  بمستوى التفكر الفرعي الذي صمم له .
ب-قصر مدة النشاط ، بحيث يشكل مدخلا للدرس الجديد.
ج-ارتباط النشاط بالمادة العلمية للدرس الأصلي .
د- مناسبة النشاط لمستوى التلاميذ العمري  والعقلي .
ه-مراعاة النشاط للفروق الفردية بين التلاميذ.
6-عرض الأنشطة على عينة من معلمي العلوم بالمرحلة الابتدائية لإبداء الرأي فيها من حيث المعايير المشار إليها سابقا ، وتعديل هذه الأنشطة في ضوء ملاحظاتهم .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق