الأحد، 10 مايو، 2015

مناهج دراسة السلطة السياسية



طبيعة مناهج دراسة السلطة السياسية والاشكاليات


يعج الادب السياسي الخاص بهذه الاشكالية بكثير من المناهج الساعية لتحديد طبيعة السلطة السياسية، ومن ثم الاجابة عن السؤال الحاسم : ما هي طبيعة العلاقة بين الطبقات الاجتماعية، المحددة اساسا واعتبارا لموقعها ضمن البنية الاقتصادية، وما بين السلطة السياسية من خلال الدولة ؟ ومن دون الدخول في تفاصيل لا مبرر لها نستطيع أن نفرز ثلاثة مناهج اساسية هي [1]:

·                    المنهج الاول : وهو المنهج الذي يرتكز على السؤال المهم : من لديه السلطة ؟. ويمكن تسمية هذا المنهج بالمنهج الذاتي، بمعنى أنه يسعى لتحديد الذات الممارسة للسلطة. وضمن هذا المنهج هناك نقاشات ساخنة وجدل لا يتوقف بين منظري " التعددية " أو " نخبة السلطة " أو " الطبقة الحاكمة ".
·                    أما المنهج الثاني فهو ذلك المنهج الذي يتعامل مع هذه القضية بطريقة رجل الاعمال مركزا على السؤال : ما الكمية ؟ بمعنى ما هي كمية السلطة ؟ وفي مسعى الاجابة عن هذا السؤال يدعو هذا المنهج الى التشديد على السلطة للفعل power to do وليس السلطة على power over، وعلى التشديد على تبادل السلطة وتراكمها وليس توزيعها. ويعتمد التحليل السياسي من هذا الطراز على أحد الاشكال المختلفة للنظرية الاقتصادية الليبرالية. إن السلطة تدرس ضمن هذا المنهج ومن خلال الافضليات، أو البدائل أو الخيارات الممكنة.
·                    في حين ان المنهج الثالث، وهو المنهج الماركسي بتنوع تياراته ومداخله المختلفة، وفي مسعاه لانتاج معرفة منتظمة عن طبيعة السلطة، لا ينطلق من " وجهة نظر اللاعب " بل من العملية الاجتماعية السابقة، أي عملية اعادة الانتاج الاجتماعي. وبتكثيف يمكن صياغة السؤال الرئيسي لهذا المنهج كما يلي : ما هي طبيعة السلطة وكيف تتم ممارستها ؟ نقطة التركيز، إذن، في التحليل الذي يعتمده هذا المنهج ليست الملكية ولا المالكين بحد ذاتهم، بل علاقات الانتاج التاريخية المحددة، في ترابطها الوثيق بقوى الانتاج من جهة وبالدولة ومنظومة الافكار الاجتماعية السائدة في التشكيل الاجتماعي من جهة ثانية. إن هذا المنهج يسعى، إذن، وقبل كل شيء الى أن يحدد طبيعة السلطة وليس من يمارسها، أو مقدارها. إن لهذا المنهج نتائج مهمة، يجب تحديدها بإختصار ووضوح. فالماركسيون يهتمون بالعلاقة ما بين الطبقات وسلطة الدولة، انطلاقا من سبب معين بذاته. فهم ينظرون الى الدولة كمؤسسات مادية منفصلة تتمركز عندها علاقات القوة ضمن المجتمع. اذ ليس الدولة، من هذا المنظور، سلطة بذاتها، حيث أنها المؤسسة التي تتجمع السلطة الاجتماعية فيها وتمارس. إن الطابع الطبقي لأي سلطة ولدولة ما لا يشير بالضرورة الى تحريك الامور من وراء الستار، بل أنه يعني المضمون المجتمعي لأفعال الدولة، ويشير، من ثم، الى الطبقة الحاكمة في ذلك المجتمع [2].إن هذا المنهج ينظر الى الدولة، إذن، باعتبارها مؤسسة مادية محددة تتمركز عندها علاقات القوة ضمن المجتمع. إن الدولة، بحسب هذا المنهج، لا تمتلك سلطة بحد ذاتها، بل أنها " المؤسسة " التي تتجمع السلطة فيها وتمارس. يمكن الاستنتاج، إذن، بأن النقطة الاساسية التي يرتكز عليها المنهج، ليس العلاقات الشخصية بين مختلف " النخب "، كما أنها ليست " عملية اتخاذ القرارات ذاتها " بل هي تأثيرات الدولة على انتاج واعادة انتاج معينة، سواء كانت هذه التأثيرات حقيقية أو مفترضة. يجب التأكيد على أن حلقة اعادة الانتاج التي تربط الدولة، كأحد مكونات البناء الفوقي، بالقاعدة الاقتصادية هي حلقة تفاعل متبادل. فالقاعدة الاقتصادية تقرر البنية الفوقية السياسية عبر دخولها في عملية انتاج سلطة الدولة وجهاز الدولة، لكن يتعين التأكيد على طبيعة العلاقة هذه وفهمها بشكل سليم. إن العلاقة بين انماط الدولة واساليب الانتاج السائدة ليست علاقة ميكانيكية بسيطة بل هي علاقة مركبة ومعقدة في أن. إن هذا التعقيد هو نتاج تداخل المؤشرات الداخلية والخارجية وتفاعلها وانعكاسها على انماط الدولة والاشكال التي تتخذها، وعلى وجه الخصوص محتوى التراكم الاقتصادي وحجمه والتحولات الاجتماعية المرافقة له في نشأة وتحول الانظمة السياسية وطبيعة السلطة ذاته [3].

وعند العودة الى المناهج الثلاثة السابقة يمكن ملاحظة اختلاف التأملات. إذ أن كل منهج منها، حسب طريقته، يحاول وصف وتفسير توزيع السلطة في المجتمع. غير أنه وعلى الرغم من الاختلافات، الناجمة عن تنوع المرجعيات النظرية والمنهجية لهذه المناهج ، يلاحظ أن كل منهج يركّز تأملاته على سياق محدد للظواهر التي يدرسها ويسعى لانتاج معرفة عنها. وهناك امكانية عملية للاستفادة من بعض عناصر التنظيرات المتنوعة لنخبة السلطة لاثراء تحليلات مناهج السلطة وخاصة المنهج الماركسي.
وما نريد القيام به من وراء مثل هذا التوليف هو المساعدة في تجاوز خطأين شائعين. الاول، ويقوم على معاينة نخبة السلطة بمعزل عن البنية الطبقية. وحسب وجهة النظر هذه، فإن نخبة السلطة تعني أولئك الذين يتخذون القرارات السياسية، وأن علاقة هؤلاء بالبنية الطبقية تهمل أو تدفع الى هامش التأملات التي يقوم بها هؤلاء. أما الثاني والذي ساد لمدة طويلة في السوسيولوجيا الماركسية، فهو الذي يهمل (أو على وجه الدقة لا يعير الاهتمام الكافي) الفائدة النظرية والممارسة للتأملات النظرية بصدد النخب، ويعد أن اشكالية البنية الطبقية (أو المدخل الطبقي) تستنفذ كل القضايا وقادرة على الاجابة على كل الاسئلة المتعلقة بهذه البنية. وارتباطا بذلك فإنه، وعند مناقشة قضايا " النخب " يجري السعي لاجراء نوع من المماثلة أو المطابقة بين النخبة والطبقة السائدة، وإذا ظهرت " النخبة " كمجموعة متميزة فانها تقوم بدور حامل أو ناقل Transmission لرغبة الطبقة المسيطرة وممثلة لمصالحها.

وانطلاقا من هذه الملاحظات يمكن اقتراح مدخل يسمح بالاستفادة من بعض عناصر " المدخل النخبوي " ، أي مدخل نخبة السلطة وادماجه ضمن التأملات بصدد السلطة وبما يسمح بإثراء التأملات هذه.

ابتداء لابد من الاشارة الى بعض القضايا الضرورية. إذ لا بد من التمييز بين الطبقة المسيطرة ونخبة السلطة. فالطبقة المسيطرة (بالمعنى الماركسي) هي نتاج النظام الاقتصادي، وينتمي اليها اولئك الناس بسبب علاقاتهم بوسائل الانتاج والموقع المتميز الذي يحتلونه – بسبب تلك العلاقة – في عملية توزيع المنتوج الاجتماعي. إن سيطرتهم المجتمعية تعتمد على [4]:
أ‌.      انهم يمتلكون سلطة الاشراف على وسائل الانتاج، ومنتوج العمل (السيطرة الاقتصادية).،
ب‌.                       إن القواعد الاساسية لقوانين الدولة (الدساتير والتشريعات) تضمن لهم حق الاشراف هذا (السيطرة السياسية).
ج. إن الهيمنة الايديولوجية تبرز وتخدم هذا الحق وتدافع عنه على هذا الصعيد (السيطرة الايديولوجية).

أما " نخبة السلطة " فهي نتاج البنية السياسية، وينتمي اليها أولئك الذين يشاركون في عملية صياغة واتخاذ القرارات الحكومة. وتقوم سلطة هؤلاء على امكانية امتلاك التأثير المباشر على الذين يتخذون القرارات أو على المباشرة في عملية في عملية اتخاذ القررارات. ويمكن العثور على فهم كهذا لنخبة السلطة في اعمال مختلف منظري نخبة السلطة، بدأ من باريتو وميلز حتى هونتر وداهل [5].

ومن هنا يتبين أن هناك اختلافا بين التأثير على عملية اتخاذ القرارات وبين المشاركة في هذه العملية. وهذا التمييز ضروري، وذلك لأنه توجد، في الدول المعاصرة، بنى سياسية مختلفة وناس متخصصون في هذين النوعين من الوظائف. ومن جهة ثانية فإن التأثير الخارجي على هذه القرارات يتأتى من بنى متنوعة، مثل الاحزاب السياسية ومجموعات المصالح ....الخ. ولكن ليس من هذه المجموعات لوحدها فقط، اذ تظهر كذلك بنى غير رسمية مختلفة. وارتباطا بذلك يمكننا القول بأن " نخبة السلطة " هي نتاج البنية السياسية الرسمية وغير الرسمية للمجتمع. وتضم البنى غير الرسمية تلك الاوساط والكتل التي لها وضع status سياسي رسمي ولكنها على الرغم من ذلك تمتلك وسائل للتأثير وتستفيد منها.
ونستطيع أن نحدد " النخبة " هنا بسياقين، أي من خلال (عبر) مضمون النشاط وكذلك شكل النشاط. فمن وجهة نظر مضمون النشاط، تعني النخبة أولئك الذين يشاركون في صياغة البرامج السياسية. أما من وجهة نظر شكل النشاط، فإن النخبة تعني أو تضم أولئك الذين يشاركون في اتخاذ القرارات أو يؤثرون بشكل مباشر على صنّاع القرار. ومن وجهة نظر شكل النشاط يمكن التفرقة بين " نخبة القرارات " و " نخبة التأثيرات ". وهذه التفرقة ضرورية ومفيدة لأن هناك بنى معينة تتيح لوحدها فقط امكانية امتلاك التأثيرات، في حين أن هناك بنى اخرى تخول وتلزم لاتخاذ القرارات.

إن المدخل المقترح هنا يسمح بالتمييز، على الصعيد التحليلي، بين الطبقة المسيطرة ونخبة السلطة، كما يسمح كذلك بالتمييز بين " السيطرة الطبقية " و " نخبة السلطة "، بوصفهما نوعين مختلفين للسلطة.

وبعد انجاز " فك الاشتباك " هذا يمكن اقتراح الانتقال الى المرحلة التالية من التأملات، ونعني بها تحليل الروابط أو الصلات بين الطبقة والنخبة، بين السيطرة الطبقية وسلطة النخبة. ويمكن تحليل هذه الروابط (الصلات) اعتمادا على عدة مؤشرات، ولكن هناك ثلاثة منها تبدو أساسية، انها :

أ‌.      مؤشر التركيب الطبقي للنخبة،
ب‌.                       مؤشر تمثيل المصالح الطبقية،
ج. مؤشر استقلالية قرارات النخبة.

وعند تحليل المؤشرات الثلاثة يتعين علينا أن نأخذ بنظر الاعتبار عمليتين متعارضين هما :
-      على مستوى المؤشر الاول، تجد هذه السيرورات تعبيرها في انفصال الطبقة والنخب كمجموعات بشرية مستقلة ومتميزة، وكذلك في عملية توحيد تركيب الطبقة والنخبة.
-      أما على مستوى المؤشر الثاني فتتجلى ظواهر تمثيل مصالح طبقة أو عدة طبقات من طرف النخبة.
-      وعلى مستوى المؤشر الثالث فيمكننا الحديث عن استقلالية (أكبر أو أقل) النخبة في صياغة واتخاذ القرارات.

وبما أن " السيطرة الطبقية " و " سلطة النخبة " تعد ظواهر مختلفة فإنه يتوجب معاينتها بشكل مستقل. غير أن مثل هذا التمييز لا يعني أنه لا توجد بينهما أية روابط أو تأثيرات متبادلة. وعلى العموم يمكن تمييز ثلاثة أنواع من التأثيرات :

أ‌.      تبعية العملية السياسية الى ظواهر السيطرة الطبقية،
ب‌.                       التعزيز والتدعيم الفعال للسيطرة من خلال النشاط المتميز لنخبة السلطة،
ج. تحديد السيطرة من خلال النشاطات اليومية لنخبة السلطة.

هكذا إذن، على الرغم من أن السيطرة تعني شيئا أكثر من عملية اتخاذ القرارات، الا أنها مع ذلك تجد في هذه الاخيرة تعبيرها.

وباختصار شديد نقول بأن السيطرة الطبقية تعد ظاهرة مميزة للتشكيلة الاجتماعية، وأن عملية اتخاذ القرارات تتم في اطار تشكيلة محددة، غير أن هذه العملية تمتاز باستقلال ذاتي، ذلك لأن اتخاذ القرارات السياسية يتم في اطار بنية سياسية معقدة ومحكومة بقوانينها الناظمة. ولكي يمكن الكشف عن خصوصية هذه العملية فإنه يتعين أن تؤخذ بنظر الاعتبار عناصر البنية السياسية ودورها في عموم العملية، إذ أن السيطرة، لوحدها، غير كافية. إن أية قرارات تتخذ تعتمد قبل كل شيء على قوة تأثيرات مختلف المراكز المطابقة لحلول معينة. وكذلك فإن الطبقة المسيطرة إن ارادت الحصول على حل ما لقضية معينة وجب عليها الحصول على تأثير سياسي ملموس، لذلك فإن السيطرة هنا لوحدها غير كافية. وعلى الصعيد السياسي تمتلك مراكز التأثير " حقوقا متساوية " (نظريا على الاقل)، في حين أن تحقيق " الانتصار " أو " الهزيمة " يعتمد على " حجم " التأثيرات هذه. هنا يجب التأكيد على قضية مهمة تتعلق بالسيطرة ، ويجب أن لا ننسى بأن الطبقة المسيطرة تمتلك وسائل للتأثيرات السياسية خاصة بها فقط. ومن جانب أخر فإن امكانية التأثير على القرارات من طرف الجميع تكون متساوية، ولكن ليس الجميع يمتلكون وسائل متساوية، فالطبقة المسيطرة تمتلك وسائل غير مسموح بها بالنسبة لبقية الطبقات، وهي سيطرتها على وسائل الاعلام والتأثير الايديولوجي وكذلك امتلاكها لجهاز القمع [6].

لماذا التأكيد على ضرورة التوليف بين التحليل الطبقي وبين تحليل النخبة ؟ يبدو أن هذا ناجم عن حقيقة أن اعتماد مفهوم " النخبة "، كأداة منهجية لتحديد طبيعة السلطة من حيث هي علاقة قوى طبقية، ولا يحدد الطبقة أو القسم المهيمن داخل هذه العلاقة، ذلك لأنه ينشغل بـ " النخبة الحاكمة " فقط، ومن هنا الحاجة الى هذا " " التوليف " الضروري.








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق