الخميس، 28 مايو، 2015

البعد السياسي للبطالة



البعد السياسي

ان الوضع السياسي والامني يلعب ايضا دورا كبيرا في تغيير معدلات البطالة بشكل عام حيث نشهد ان الدول التي يكون فيها النظام السياسي نظاما مستقرا ويتمتتع بنوع من الامن والهدوء لاتحكمه امزجة فردية  او احزاب احادية المنهج والتكوين ويتمتع بقدر معقول من التعددية الحزبية التي تمارس دور الرقيب على مجمل الساسات المحلية والقرارات التي تخص امن وسلامة واقتصاد المجتمع ككل. في مثل هكذا نظام سياسي تعددي قائم على اساس الكفاءة والعدل والشفافية سنجد حتما ان معدلات البطالة تشهد انخفاضات وانحدارات ملحوظة بل على العكس فاننا قد نلحظ نشاطا ملحوظا في ارتفاع معدلات العمالة والتوظيف في القطاعات الانتاجية المختلفة كقطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والتعليم والصحة والبيئة وما الى ذلك.
أكثرية علماء الاجتماع يعتبرون البطالة والفقر سببان رئيسيان في زيادة العنف الاجتماعي بمختلف أشكاله وطرقه ومؤشران على نهج السياسة التسلطية التي تمارسها الدولة وقيادتها السياسية. إلا أن البطالة باعتبارها تصيب الفئات الكادحة والفقيرة أكثرمن غيرها لم تشهد وتائر تصاعدها وانتشارها مثلما حدث بعد حرب الخليج الثانية وخروج العراق من دولة الكويت واتسعت مظاهر البطالة يوماً بعد آخر بسبب السياسة التسلطية القمعية للانظمة الدكتاتورية التي كانت تضع الخطوط الحمراء في التعيينات والتوظيفات وحسب المفهوم الحزبي الضيق والعشائري المقيت وبما أن البطالة نتيجة طبيعية في النظام الرأسمالي وملازمة له فهي أصبحت حالة عائمة في الأنظمة الدكتاتورية ومنها العديد من اشكال الحكومات الفردية في العالم العربي خصوصا وفي العالم الثالث بشكل عام. وقد تكون الأسباب كثيرة منها ألازمة السياسة والحصار الاقتصادي وتشويه الاقتصاد وكثرة نماذجه.
ان مثل تلك سياسات تولد بالتاكيد نسبا من البطالة قد تكون كارثية على جميع القطاعات ولنا في الجمهورية العراقية اوضح بيانا ومثالا على ذلك . فبعد غزو العراق من قبل القوات الامريكية وتغير نظام الحكم فيه الذي كان يعتمد على سياسة الحكم الفردي المطلق بانظمة كان يقال عنها بانها تتسم بالصفات الديمقراطية الا ان الواقع العملي قد اكد ان تلك الانظمة لازالت مشتركة في مفهوم الحكم الفردي السابق مع اختلاف بسيط هو التظاهر بالديمقراطية الاعلامية اما مايدور في اروقة الدولة وكواليسها هو في الحقيقة لم يختلف كثيرا عما سبقه. ولكي لاننحرف عن لب الموضوع فلن نتوسع في الوصف اكثر من ذلك.
فقد شهدت ساحة العمل في العراق مشاكل حقيقية موروثة قديماً وأخرى جديدة وجدت بسبب انهيار الدولة وإعادة البناء بشكل مشوه غير طبيعي وإتباع سياسة التعيين الحزبي والطائفي مما أدى إلى زيادة في عدد العاطلين والتحاق عاطلين جدد بسبب حل الجيش والشرطة والمؤسسات الأمنية وقيام بعض الأحزاب الطائفية بالاستيلاء على الوزارات وتعيين منتسبيها وموظفيها وعمالها حسب المفهوم الحزبي القديم والطائفي الجديد فأصبحت العديد من المؤسسات والدوائر عبارة عن دوائر مغلقة للبعض ومن الصعوبة بمكان أن يُوظف فيها من غير الموالين وأصبحت المحسوبية والمنسوبية والبيروقراطية والروتين منهجية منظمة يعمل بها وقد يجابه المواطن بطلب تزكية من حزب ما أو جهة معينة مما أدى إلى توسع دائرة الفساد المالي والإداري.
التقارير الكثيرة التي صدرت من قبل لجان النزاهة والمراقبة أشارت بكل وضوح إلى الكم الهائل من المعوقات والتجاوزات والسرقات وغيرها من القضايا السلبية التي أضرت بالاقتصاد الوطني وفاقمت مشاكل المواطنين بدلاً من حلها ولقد أثرت مجمل الأوضاع الاستثنائية على حياة المواطنين واتساع ظاهرة اللجوء بسبب العنف الطائفي وممارسات المنظمات والمليشيات الطائفية المسلحة كما أدت هذه الظاهرة إلى زيادة في أعداد العاطلين عن العمل حيث أفادت مصادر وزارة التخطيط في آخر إحصائية جديدة لها بان البطالة بلغت 50% بين الشباب ووصلت حالة الفقر إلى 60% في العراق وتشير إحصائيات أخرى إن البطالة ازدادت بشكل عام حتى وصلت إلى أكثر من 60% مع تدهور مستمر في الحالة المعيشية والاقتصادية للمواطنين وبخاصة الفئات والطبقات الكادحة حيث بلغت حوالي أكثر من 65% وتتحمل هذه الفئات الكادحة وزر وثقل صعوبة المعيشة والبطالة المتفاقمة بينهم.
في ظل وضع كهذا وتفاقم اعداد البطالة وزيادة الضغوط النفسية على المواطن الكادح البسيط فاننا لانتوقع اي مظهرا من مظاهر النزاهة والشفافية بل على العكس فاننا نجد ان شبح البطالة قد القى بظلاله الكئيب على قطاعات واسعة من المجتمع بحيث تنجم عن تلك البطالة والااستقرار الامني المظاهر التالية:
v   انتشار واتساع دائرة الفساد المالي والاداري.
v   تفشي المحسوبية والتزلف والتملق للمسؤلين واصحاب القرارات.
v   تفكك اواصر اجتماعية كانت فيما مضى من اهم وابرز صفات ومكونات المجتمع بحكم الفتن والعوز والفاقة.
v   انخفاض مستوى التعليم كما ونوعا.
v   تزايد ظاهرة عمالة الاطفال وهجرة المقاعد الدراسية مبكرا كنتيجة طبيعية لتدني الحياة المعيشية وانتشار الفقر.
v   تدني مستوى الخدمات والوعي الصحي نتيجة الى انعدام الامن والاستقرار السياسي.
كما ان مشكلة البطالة وانعدام الامن السياسي وارتباطه بالفقر والحاجة قد يصيب الدول المتقدمة ايضا وقد لوحظ في المانيا تزايد العنف داخل محيط اليمين المتطرف في ألمانيا . هذا ما أشارت إليه آخر الأرقام التي عرضها مكتب التحقيقات الجنائية الفدرالي حيث أظهرت تلك الأرقام أن عدد أعمال العنف التي قام بها متطرفون يمنيون ألمان شهدت ارتفاعا ملحوظا خلال السنة الجارية. فقد سجل الجهاز الأمني ما يربو عن 8000 جنحة قام باقترافها أشخاص محسوبين على اليميني المتطرف في عام 2006م وهي زيادة بلغت نسبة 20 في المائة مقارنة مع العام السابق 2005م لكنها تمثل في نفس الوقت زيادة بنسبة 50 في المائة مقارنة مع إحصائيات أجرتها الأجهزة الأمنية في عام 2004.ويسود نوع من الجزم في الأوساط السياسية الألمانية بأن الفقر والمشاكل الاجتماعية، التي باتت تحيط بعدد متزايد من المواطنين الألمان بالإضافة إلى تفشي البطالة بين فئة الشباب تعد أهم العوامل التي تقف وراء نمو التيار اليميني المتطرف داخل ألمانيا واتساع شريحة مؤيديه. لذا يرى معظم الخبراء الألمان أن محاربة التطرف اليميني يبدأ بتحسين الظروف الاقتصادية وخلق مناصب شغل جديدة وتهيئة برامج اجتماعية لإدماج ومساعدة المتطرفين اليمينين الذين يرغبون في الانتقال إلى بيئة جديدة بعيدة عن العنف والتطرف.( 26 ).
تؤدي تداعيات البطالة نتيجة الى تاثير الوضع اللسياسي والامني العام الى تداعيات خطيرة ومنها مايتعلق بمبدأ الشفافية حيث ان اننتشار البطالة وتفشي الفقر يؤديان بالنتيجة الى اختفاء مفهوم الشفافية والنزاهة ويكون العامل السياسي والامني من اهم الاسباب التي تقف وراء ذلك. كما ان هنالك عواملا اضافية تساعد على اضمحلال الضفافية والنزاهة واختفائها شيئا فشيئا من بين قاموس ومعجم العلاقات الانسانية ومنها التالي:
v   عدم وجود قوانين ردع كافية ومحاكم تحاسب المسيء.
v   التغيرات السياسية و الاقتصادية التي ترمي أصحاب السلطة فجأة إلى هاوية الفقر والحرمان.
v   غياب آليات الردع المجتمعي فالمعايير الأخلاقية تعتمد على ميزان القوة.
v   التدهور الثقافي و تسلق السلم الوظيفي دون المرور بالتدرج و مراتب السلم الوظيفي.
v   تزايد الحاجات الإنسانية و تنوعها بحيث لا تكفي الدخول لسد النفقات.
عرفت الشفافية بأنها الوصول إلى المعلومات و تتزايد دقة الشفافية كلما كان الوصول إلى المعلومات يخلو من التعقيد وكانت واضحة لا غموض فيها و يمكن الاطلاع عليها. وينتج عنها ان دراسة هذه المعلومات تصب في المصلحة العامة ومصلحة اكبر عدد من الناس. إن الوصول إلى درجة عالية من الشفافية يتطلب إصلاح مراتب الدرجات الوظيفية بما تحمله من العمالة المقنعة وإيجاد فرص عمل دون عمل كي لا يكون هناك ترهل يؤدي إلى ضياع المعلومات و اختفائها.( 27 ).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق