الأربعاء، 13 مايو، 2015

نص ضرورات لا حقوق



هناك سؤال مشروع ومطروح في الساحة الاسلامية: أين يلتمس المسلم المعاصر ذلك السياج الفكري الذي يستطيع باقامته حماية الحقوق الانسانية التي تكفل له تحقيق جوهرة انسانيته، وآزدهار طاقاته وملكاته، والنهوض بواقع أمته وحضارته في العصر الحديث؟ ... أين يلتمس المسلم المعاصر هذا السياج؟
إن الحقوق الإنسانية ضرورات فطرية للإنسان من حيث هو انسان. وإسلامنا هو دين الفطرة التي فطرنا الله عليها، فمن الطبيعي والبديهي أن يكون الكافل لتحقيق هذه الحقوق ... ومن ثم أن يكون المصدر الطبيعي لمن يريد التماس هذا السياج.
اننا نجد الإسلام قد بلغ في الإيمان بالإنسان من حيث هو انسان، وفي تقديس حقوقه إلى الحد الذي تجاوز بها مرتبة الحقوق عندما آعتبرها ضرورات، ومن ثم أدخلها في اطار الوجبات! فالمأكل، والملبس، والمسكن ... والأمن ... والحرية في الفكر والاعتقاد والتعبير ... والعلم والتعليم ... والمشاركة في صياغة النظام العام للمجتمع ... كل هذه الامور، هي في نظر الإسلام ليست فقط حقوقا للإنسان، من حقه أن يطلبها ويسعى في سبيلها، ويتمسك بالحصول عليها ... وإنما هي ضرورات واجبة لهذا الانسان، بل إنها واجبات عليه أيضا.
إنها ليست مجرد حقوق من حق الفرد أو الجماعة أن يتنازل عنها أو عن بعضها، وإنما هي ضرورات إنسانية - فردية كانت أو جماعية - ولا سبيل إلى حياة الإنسان بدونها، حياة تستحق معنى الحياة، ومن ثم فإن الحفاظ عليها ليس مجرد حق للإنسان،  بل واجب عليه أيضا ... يأثم هو ذاته فردا أو جماعة - إذا هو فرط فيها، وذلك فضلا على الإثم الذي يلحق كل من يحول بين الإنسان وبين تحقيق هذه الضرورات. إنها ضرورات لابد من وجودها، ومن تمتع الإنسان بها وممارساته لها، كي يتحقق له المعنى الحقيقي للحياة. وإذا كان العدوان على الحياة من صاحبها بالانتحار أو من الأخرين بالقتل جريمة كاملة ومؤثمة، فكذلك العدوان على أي من الضرورات اللازمة لتحقيق جوهر هذه الحياة.
بل إن الإسلام ليبلغ في تقديس هذه الضرورات الإنسانية الواجبة إلى الحد الذي يراها الأساس الذي يستحيل قيام الذين بدون توافرها للإنسان، فعليها يتوقف الإيمان ومن ثم التدين بالدين.
محمد عمارة، »الإسلام وحقوق الإنسان، ضرورات لا حقوق»، عالم المعرفة، العدد 89 (ماي 1985)، ص: 7 – 14 - 15 (بتصرف).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق