الأربعاء، 13 مايو، 2015

نص درس في الوطنية



كان ملكا، فكان قدوة بين الملوك، وكان زعيما، فكان مثالا بين الزعماء الثائرين، وكان بطلا مجاهدا، فكان رمزا بين الأبطال المجاهدين، وكان أبا رحيما، فكان نموذجا بين الرحماء. وكان عربيا مسلما، فكان قائدا في مقدمة القادة العرب والمسلمين.
ومن غريب أن تجتمع هذه الصفات في رجل واحد، وأن يكون فيها جميعا مثلا أعلى، ترنو إليه الأبصار تقديرا، وتعجب به إعجابا، وتهفو إليه النفوس احتراما وإكبارا، وتخفق لذكره القلوب حبا، وتعزه إعزازا عظيما، وتتعلق به الأرواح تمجيدا وتجله إجلالا.
       ولي العرش شابا يافعا والمستعمر الغاشم راسخة أقدامه، ضارية أنيابه، يحكم المغرب بقوته وجبروته، ويتسلط على أهله الأكرمين كل التسلط ببأسه وطاغوته، وإذا ارتفع صوت يعلن السخط أسكته، إذا كتب قلم يعبر عن الألم قصفه قصفات، وإذا نادت روح تشكو الظلم أخمدها.
وكان يستطيع أن يسكت على الضيم، وأن يستكين ويلين، وأن يعبث ويلهو، ولو أنه فعل لمد له العدو كل أسباب الحياة الغنية المترفة، ولأعانه على الاستمتاع بكل مباهج الدنيا وزخرفتها استمتاعا لم يستمتعه أحد من قبل.
كان وطنيا مخلصا قبل أن يكون ملكا، وكان زعيما مجاهدا قبل أن يكون حاكما، كان إذا اشتد بوطنه الظلم، فاضت بالألم جوانحه، إذا استبد بشعبه الضيق، طارت نفسه من الحزن، فعاش يكافح العدو وينافحه. هدفه الأسمى أن يرى وطنه العزيز وقد تطهر من دنس الاستعمار، وشعبه وقد تحرر من رقبة الاحتلال. ضحى بالملك وجاهه، وبالعرش وسلطانه، وقاسى وأسرته الكريمة من آلام النفي أشد ما يقاسي إنسان، وكان هذا الفداء هو النبراس الذي أضاء للمغاربة الطريق.
واندلعت نيران الثورة في كل مكان، ورفرفت روحه على ربوع المغرب وأنحائه، تقود الثورة كما كان يقودها هو بنفسه قبل منفاه، وأقض الشعب مضاجع المستعمرين، وأذاقهم العلقم حتى أحسوا بالهزيمة وألقوا السلاح ... وعاد الأسد إلى عرينه.
ولو أن ملكا عانى ما عاناه، لآثر السلامة بعد عودته وصانع، ولكنه عاد أقوى شكيمة، وأصلب عودا وأقوى على الكفاح روحا، وأشد على النضال عزيمة. وظل يعمل دائبا جاهدا إلى أن أصبح الأمل إرادة والحلم حقيقة، وكأنه كان وساعة تحقيق الهدف على موعد. فلم يكد يقترب اليوم الذي حدد لجلاء آخر جندي فرنسي عن أرض المغرب، حتى بلغ الكتاب أجله، وارتفعت روح البطل المجاهد إلى بارئها. فسلام على الملك العربي المسلم، والبطل المناضل المجاهد محمد الخامس يوم ولد، وسلام عليه يوم لبى نداء ربه، وسلام عليه يوم يبعث حيا.
د.جمل الدين الشيال . عن (( المطالعة الثانوية )) ج1

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق